د. التجاني الطيب: الإجراءات الإقتصادية الأخيرة..العلاج بالصدمات

بعد طول إنتظار وترقب وكثير من التصريحات المتضاربة، فجرت الحكومة قنبلتها المتوقعة في مطلع نوفمبر 2016م، بإعلان…

د. التجاني الطيب إبراهيم
 

بعد طول إنتظار وترقب وكثير من التصريحات المتضاربة، فجرت الحكومة قنبلتها المتوقعة في مطلع نوفمبر 2016م، بإعلان حزمة من الإجراءات الإقتصادية بحجة ضبط أسواق النقد الأجنبي ومواجهة التحديات التي تواجه الإقتصاد السوداني. وتتوقع الحكومة أن تساعد الحزمة في إستقرار إقتصادي وتحقيق معدلات نمو أعلى مع الإستمرار في دعم الشرائح الضعيفة وتقديم الخدمات من تعليم وصحة. وقد تضمنت القرارات المعلنة ما يأتي: إضافة "حافز" على سعر الصرف يغطي الفجوة بين السوقين والرسمي والموازي بهدف جذب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، والمصدرين، وبقية البائعين للنقد الأجنبي ليتم التعامل بهذه الموارد في السوق " المنظم"؛ رفع أسعار المشتقات النفطية ، زيادة تعريفة الكهرباء، تحرير دولار إستيراد الدولاء ومدخلات إنتاجه محلياً مع الإبقاء على دولار دعم القمح دون تغيير، وزيادة المرتبات والأجور بالإضافة إلى زيادة العلاوات كعلاوة الزواج والأطفال، والبدلات مثل بدل الوجبة وبدل التمثيل (!) – أنظر الجدول. ومنعت السياسة إستيراد بعض السلع لمعالجة العجز في الميزان التجاري (الفرق بين الواردات والصادرات)، حيث أصدرت وزارة التجارة قائمة سالبة بتلك السلع تشمل الحيوانات الحية، واللحوم، المياة المعدنية والغازية، الزهور الصناعية، المظلات، أزهار وأغصان، وزهور الزينة، والأسماك.

فيما يتعلق بسعر الصرف التحفيزي، فهو في واقع الأمر سعر أسترشادي، يتحرك صعوداً وهبوطاً مع حركة الطلب والعرض في سوق النقد الأجنبي، ما يعني أنه لن يكون هناك سعر ثابت للدولار في المرحلة الأولية من بداية تنفيذ السياسة. كما أنه ليس بالجديد، حيث جرب في العهد المايوي وفي عهد الإنقاذ، وكانت أضراره أكثر من فوائده، خاصة بالنسبة للمغتربين لأنه تعويم مُدار أو تعويم عفن كما هو متعارف بين الإقتصاديين، يتحرك في ظل سعر السوق الموازي ولا يتساوى معه، ما يقلل من فاعليته وجدواه من البداية، كما ذكرنا آنفاً. لذلك من غير المفهوم إختيار هذا الأسلوب المعقد للتعامل مع السوق الموازي صاحب الآليات المبسطة والمتطورة. فمالك الدولار لا يريد صدقة أو هبة من الحكومة وإنما سعر الدولار حسب قوانين الندرة. لذلك، كان الأسلم التعامل بسعر السوق الموازي من الأول والتحرك مع هذا السعر دون إضعاف السياسة بإضافة عمليات إجرائية لا معنى لها.

بما أن هناك حالة تعطش في أسواق النقد الأجنبي، فمن غير المفهوم أيضاً، لماذا تطلب السلطات من المصارف الإستمرار في بيع مشترياتها من النقد الأجنبي لكل " الإستخدامات المسموح بها من قبل بنك السودان المركزي" دون تحديد أي أولويات لتلك للإستخدامات؟ فإستخدامات البنوك لا تتماشى بالضرورة مع أسبقيات الإستخدامات القومية. أضف إلى ذلك تفاوت المصارف في القدرة على التوفيق بين مشترياتها ومتطلبات عملائها من النقد الأجنبي، ما يثير التساؤل حول الكيفية التي تتعامل بها المصارف التي تعجز عن التوفيق بين مشترياتها ومتطلباتها من النقد الأجنبي. من هذا المنطلق، كان الأجدى أن يكون هدف السياسة الأول بناء إحتياطي مقدر من النقد الأجنبي يتم تجميعه في البنك المركزي، ثم تبدأ بعد ذلك عملية الإستخدام وفق أولويات محددة يحد تنفيذها من الطلب على موارد السوق الأسود. هذا الدور المركزي يساعد أيضاً في وضع ضوابط هامش الربح للمنتجات والسلع الأساسية لمنع الإستغلال وفوضى الأسعار. أيضاً، لا بد من تدابير إضافية تلزم البنوك بعدم قبول إيداعات أو تحويلات النقد الأجنبي مجهول المصدر، ما سيؤدي إلى لجوء المستثمرين ورجال الأعمال للتعامل بشكل أوسع مع البنوك فقط ووقف التعامل مع السوق الموازي، مما سيسفر عنه محاصرة تلك السوق والتقليل من المضاربات.

أما وقف إستيراد سلع بعينها (القائمة السالبة) فهو قرار غير صائب، بل وإستفزازي، وقد يؤدي إلى رد فعل مماثل من الدول المتأثرة بوقف إستيرادها من المنتجات السودانية، بالإضافة إلى التأثير السلبي لمثل تلك القائمة على مساعي الحكومة الدؤوبة للإنضمام إلى منظمة التجارة العالمية، التي لا تبيح لوائحها إستعمال آليات المنع في التبادل التجاري بين الأعضاء. لكن رغم غرابة القائمة وعدم أهميتها المادية، إذ أنها لا تتعدى بضعة مئات آلاف من الدولارات، إلا أنها تكشف العبث والإستخفاف في التعامل مع قضايا إقتصاد يقف على حافة الهاوية. فلو حوت القائمة مثلاً منع إستيراد العربات لكافة أجهزة الدولة لمدة عامين فقط، لكان الأمر أهون، لأن ذلك يعكس، على الأقل، نوعاً من الجدية والمسئولية في معالجة المشكل الإقتصادي.

للأسف الشديد، تجاهل إعلان الإجراءات ثلاثة أمور جوهرية قد تكون كافية لوأد السياسة في مهدها: أولاً: خطأ التوقيت بتطبيق الإجراءات مع بداية أهم موسم زراعي، موسم الزراعة الشتوي، ما ستؤثر سلباً على الإنتاج للإستهلاك المحلي والصادر، ما يعني تفاقم عجز الميزان التجاري ومشكلة البطالة، إستمرار وتمدد الفقر. على عكس توقعات الحكومة، هذا بدوره، يؤدي إلى المزيد من عدم الإستقرار الإقتصادي ومن تدني معدلات النمو. ثانياً: يعاني المغتربون، والحكومة أيضاً، من مشكلة التحويلات، خاصة بعد أن إكتملت حلقات المقاطعة الخارجية. لذلك، كان من الأجدى حل مشكلة التحويلات قبل التفكير في جيوب المغتربين، الذين لا يأتي ذكرهم إلا في ساعة الحيرة. ثالثاً: تحديد سعر الصرف التحفيزي (15.8 جنيه/ للدولار) بمستوى أقل من سعر صرف السوق الموازي (16.1 جنيه للدولار) كان يتطلب من البنك المركزي توفير ما يكفي من الدولارات لدعم هذا السعر. وبما أن فاقد الشئ لا يعطيه، إلتقط السوق الأسود القفاز ورفع سعر الصرف إلى 16.5 جنيه للدولار في أقل من 24 ساعة بعد إعلان الإجراءات الجديدة وإستمر في القفز في محاولة لإجهاض السياسة في مهدها، ومد لسان التحدي في مقبل الأيام.

لكن بغض النظر عن ما سلف ذكره، فالإجراءات التي إتخذت لها تداعيات خطيرة قد تؤدي إلى إدخال الإقتصاد السوداني في مرحلة جديدة من الإنكماش، على الأقل في المدى القصير. فالتحدي الأكبر الذي يواجه الإقتصاد حالياً هو الغلاء المحموم حيث بلغ معدل التضخم 18% في شهر سبتمبر 2016م مقارنة مع معدل 12,6% في نهاية ديسمبر 2015م حسب إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء، ما يعني أن أسعار المستهلك إرتفعت بنسبة 43% خلاص التسعة أشهر الأولى من عام 2016م. كيفية معالجة هذا الوضع الخطير إقتصادياً وإجتماعياً أصبح ذو أهمية قصوى، لأن التضخم يرفع تكلفة الإنتاج الكلية، خاصة للقطاع الخاص، ويضعف النمو والإستثمار، وتنافسية الصادر، والطاقة الشرائية للمداخيل، مما يزيد من معدلات البطالة والفقر، خاصة بالنسبة لشرائح المجتمع الضعيفة. فمن منظور السياسة الإقتصادية، فالإجراءات ليست كفيلة بمعالجة التردي الإقتصادي لأنها في مجملها ستؤدي إلى زيادة وسرعة تصاعد الأسعار، وبالتالي إلى إضعاف أداء القطاعات الإنتاجية. لهذا كان الخيار بين إتخاذ إجراءات لخفض التضخم بتقليص الإنفاق العام التشغيلي (غير التنموي) أو المزيد من التضخم برفع أسعار المستهلك إلى مستويات أعلى وبوتيرة أسرع. لكن الحكومة إختارت الطريق الثاني وقررت النأي بنفسها عن تحمل العبء، الذي دفعت به إلى المواطنين في شكل الإجراءات المعلنة، والتي من المتوقع أن ترفع معدل التضخم من 18% في شهر سبتمبر 2016م إلى 30% في مرحلة الصدمة الأولى خلال الأربعة أشهر القادمة، ما يعني إرتفاع الأسعار بنسبة 67%، قبل أن تجد الآثار التراكمية في جانب الإنتاج والتوزيع لتلك الزيادات، التي نقدرها بحوالي 25%، طريقها إلى جيوب المواطنين لاحقاً. لذلك فإن الإجراءات التي تم إتخاذها تزيد من تأزيم الوضع الإقتصادي. صحيح أن القفزة في معدل التضخم ستكون مرة واحدة إلا أن الأسعار ستظل على مستويات عالية، ما يعني أن عملية الإصلاح لتحريك الإقتصاد ستظل مؤجلة إلى مرحة لاحقة ستكون أصعب وأكثر تعقيداً من الوضع الإقتصادي الراهن.

أيضاً، ما لا شك فيه، أن القرارات المتخذة سوف تربك حسابات المالية العامة، خاصة في موازنة العام المالي 2017م، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بحجم الموازنة بما يتوافق مع سعر الدولار "التحفيزي" في البنوك، ما يعني ضرورة الإستقرار على سعر صرف للدولار في الموازنة. في هذا الإطار، ستشهد الفترة القادمة زيادات مذهلة في حجم الإنفاق العام، وبالتالي عجز الموازنة، لأن الدولة ستتحمل زيادة: أسعار مشترياتها، فاتورة المواهي والأجور (أربعة مليار جنيه)، حجم الدين الخارجي بالعملة المحلية، دعم الأسر الفقيرة، المعاشات، تكلفة سعر دولار القمح (يساوي حالياً 6,4 جنيه للدولار)، الذي أستثنى من التعويم مع دولار التحفيز. كل هذه الزيادات ستؤدي بطبيعة الحال لرفع العجز في موازنة العام المالي القادم بصورة يصعب معها إحتوائه. فلو أخذنا مثلاً زيادة تكلفة سعر دولار القمح والدقيق على أساس أن واردات القمح (2 مليون طن) في حدود 454 مليون دولار، وواردات الدقيق (700 ألف طن) بتكلفة 259 مليون دولار، وإعتبار 15.8 جنيه كسعر صرف للدولار التحفيزي، فإننا نجد أن دعم إستيراد القمح سيكلف الخزينة العامة 8 مليار جنيه. إذا أضفنا إلى هذا المبلغ الزيادة المتوقعة في فاتورة المرتبات والأجور (4 مليار جنيه)، وقدرنا كل بقية الزيادات بحوالى ثلاثة مليار جنيه، فإن الزيادة المتوقعة في الإنفاق قد تصل إلى أكثر من 15 مليار جنيه. أما في جانب الإيرادات، وقياساً على عائدات إجراءات 2013م، فمن المقدر أن تكون في حدود 4 – 5 مليار حسب مرونة الطلب في إمتصاص الزيادات المعلنة، وإعتبار أن الدولار الجمركي سيظل على ما هو عليه حالياً، ما سيستدعي العودة إلى مزيد من الإجراءات لمعالجة هذا الوضع الحرج. لذلك، لا بد أن تفصح الحكومة وبدون تسويف عن خطتها المعلنة "للتقشف"، أي خفض الإنفاق بنسبة لا تقل عن 10% حتى لا يصل عجز الموازنة إلى معدل كارثي.

بالإضافة إلى ما ذكر سالفاً، فإن الوضع السياسي غير المستقر وما طرأ عليه من مظاهرات وإحتجاجات سيؤثر سلباً على تحقيق الغايات الإيرادية المرجوة من الإجراءات التي أتخذت. فإذا إستمرت الإحتجاجات وعدم رضاء الشارع عن تلك الإجراءات فقد تنفق الحكومة كل أو جزءً كبيراً من الإيرادات المتوقعة في العمل الإضافي لقوات الشرطة والأمن، وربما القوات المسلحة، لضبط الشارع وقمع المظاهرات والإحتجاجات ناهيك عن الصراعات والمناوشات الأمنية الدائرة في عدد من ربوع البلاد. هذا قد يقود إلى العودة بالوضع الإقتصادي إلى المربع الأول وإستمرار مسلسل المعاناة المعيشية والإقتصادية من جديد

في الختام، من الواضح: أن حزمة الإجراءات التي تم تنفيذها غير متوازنة وتضخمية بكل المقاييس حيث يصب جلها في جانب الطلب (الإستهلاك) الخاص وبالتالي لا تعالج الأسباب الحقيقية لتدهور العملة الوطنية مقابل الدولار والعملات الحرة الأخرى، والمتمثلة في ضعف الإنتاج (العرض) المحلي وعدم ضبط الإنفاق العام وتوجيه نحو التنمية الشاملة والمستدامة. في هذا السياق، فهي تعكس، في الواقع، الإستمرار في العلاج بالصدمات، والذي يبدو أنه أصبح منهجاً في التعامل مع قضايا الإقتصاد السوداني. لذلك، يصبح من الضروري إعادة النظر في تلك الإجراءات بغرض وضع وإتخاذ حزمة جديدة متكاملة من الإجراءات لإصلاح البيئة الإقتصادية بوجه عام وتحقيق الإستقرار في السياسات الكلية والمالية على الآماد القصير والمتوسط والطويل، بهدف إستعادة الثقة في مصداقية الحكومة في إتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة مشاكل الإقتصاد بصورة جادة ووفق رؤية واضحة المعالم ووفق جدول زمني ممحدد يراعي معقولية التدرج في تنفيذ السياسات. . لكن لابد أولاً من وقف الصراعات المسلحة ووضع وتنفيذ سياسات لإصلاح المالية العامة مع البدء في إصلاحات هيكلية لتحسين أداء السياسات الكلية، خاصة غلاء الأسعار، تتضمن:

– تقوية فعالية السياسة النقدية بالإبتعاد عن تثبيت أو كثرة تعددية وإدارة أسعار الصرف، التأكيد الفعلي لإستقلالية البنك المركزي، تشجيع تنمية سوق المال المحلي للتقليل من الدولرة، وتحفيز المنافسة في القطاع المصرفي بعد إعادة هيكلته وتنظيفه من الشوائب التي ألمت به.
– القيام بالعمل الفني المطلوب لوضع سياسات وإستراتيجيات فعَالة للدعم بما في ذلك إنشاء شبكات حماية إجتماعية أحسن بهدف دعم مداخيل الطبقات المتضررة من الإصلاح الإقتصادي بتكلفة فعَالة على أساس برامج نقدية أو شبه نقدية، مع التأكد من السيطرة على غول التضخم.
– تقوية إستجابة العرض عن طريق إصلاحات جذرية، خاصة في قطاعي الزراعة والصناعة، من أجل تحسين التنافس، مرونة سوق العمل، الإنتاجية، وتشجيع الإستثمار في تمويل وتخزين وتسويق الإنتاج، وإعفاء كافة مدخلات إنتاج القطاعات الحقيقية من الجمارك والضرائب ما عدا ضريبة القيمة المضافة التي تمثل مصدر إيراد رئيسي للدولة.
– تحسين فهم السياسة المالية: شرح الأساب الحالية والمتوقعة للتضخم وأهداف التضخم لتخفيف حدة التوقعات.
– وأخيراً، ثبات وإستقرار السياسات الإقتصادية الكلية بهدف تشجيع الإنتاج والإستثمار المحلي والأجنبي، ومحاربة الفساد المالي والإداري.

image

(1): زيادة 6 قروش على إستهلاك أكثر من 400 – 600 كيلو واط، و20 قرش على أكثر من 600 – 800 كيلو واط، و 85 قرش على أكثر من 800 كيلو واط.
المصدر: وزارتي النفط والمالية، بنك السودان المركزي، وتضريبات الكاتب.
______________________________________________________________________
• ماجستير ودكتوراه في الإقتصاد من جامعتي غوتنغن وكولونيا (ألمانيا الإتحادية)، خبير إقتصادي، صندوق النقد والبنك الدوليين ،وزير أسبق للمالية والإقتصاد الوطني بالسودان، حالياً مستشار إقتصادي ومالي لعدة منظمات مالية وتنموية عالمية وإقليمية.