تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

«داعش» في السودان !

يوليو ٦ - ٢٠١٥ دبنقا
.
.

 

بقلم : عادل إبراهيم حمد



أعادت سلطات الأمن السودانية اعتقال أحد أئمة المساجد بعد أيام قليلة على إطلاق سراحه، وكان الإمام المعني قد بقي تحت الاعتقال لعدة أشهر بعد أن جاهر بتأييده لتنظيم «داعش» المتطرف مستغلاً منبر المسجد للترويج للأفكار المتشددة. وتزامن الاعتقال الثاني للإمام مع قرار مجلس الدعوة والإرشاد بإيقاف بعض الأئمة وتنبيه آخرين بضرورة الالتزام بخطاب ديني معتدل بعد أن بدر منهم جنوح نحو التطرف.

تأتي هذه القرارات إثر مخاوف أبداها السودانيون بعد هروب عدد من طلاب الجامعات السودانية إلى سوريا للانضمام لتنظيم «داعش»، ثم مقتل عدد من الشباب السوداني هناك، وظهور بيانات تنعي فيها الأسر أبناءها القتلى. وغلبت على بيانات صادرة عن أب مكلوم أو أم ثكلى عبارات تعدت تعديد مناقب الابن الفقيد إلى عبارات تمجد التنظيم الذي اختاره الابن، الشيء الذي أثار جدالاً ومحاذير من استغلال العواطف لتمرير أجندة متطرفة.

ورغم هذا الموقف الحكومي الواضح، إلا أن معارضي النظام يلقون باللائمة عليه ويعزون الظاهرة الأخيرة إلى تهاون سابق مع أئمة متطرفين باعتبار أن كل الإسلاميين أهل قبلة واحدة. ويزعم خصوم الحكومة أنها لم تتحرك إلا بعد أن هدد التطرف بيوت بعض الأسر الكبيرة، بهروب أبنائها إلى معسكرات «داعش» والنصرة.

الأقرب إلى الدقة في تفسير الظاهرة هو أن وصول مدرسة فكرية إلى الحكم يمنح القوة لأفكار (مجاورة) تنهل من ذات المنبع لكن بمواعين مختلفة، هذه الحالة لا تخص الإسلاميين وحدهم، فهي حالة عامة تصيب أصحاب المدرسة الاشتراكية والمدرسة القومية وغيرهما؛ ففي سور الإسلاميين تختصم عدة مدارس فور وصول إحداها للحكم، كما حدث في مصر بعد تسلم الإخوان السلطة، فظهر بقوة حزب النور الذي لم يكن معروفاً بل ظهر متطرفو سيناء الذين لم يسلم حتى الرئيس الإسلامي مرسي من تكفيرهم، وهكذا كان الحال في أفغانستان حين خلا الجو للإسلاميين بعد دحر الغزو السوفيتي لتتحول أفغانستان إلى مسرح لصراع إسلامي يتقاتل فيه الملا عمر وقلب الدين حكمتيار وأحمد شاه مسعود. وفي التجارب الاشتراكية أمثلة شبيهة كما حدث في السودان بين الشيوعيين من مواجهات دامية بعد أن أجلوا عن المسرح أحزاب اليمين الرجعية، وليست الأحزاب القومية استثناء، إذ يكفي أن نشير إلى ما كان بين البعث العراقي والبعث السوري.

بهذا التراتب الفكري الذي ينشأ فور وصول مدرسة فكرية ما إلى الحكم، ظهر في السودان متطرفون لم يكن لهم وزن من قبل بل عانت الحكومة من بعضهم كما حدث من خلية الدندر، ومتطرفين هاجموا مساجد في السودان، فالحكومة في نظر هؤلاء خارجة عن خط الدين الصحيح.

قد توصف الحكومة في السودان بأنها غير ديمقراطية، لكن لا يمكن أن توصف بالتطرف، فهي تبدي اعتدالاً في القضايا التي تشغل بال المتطرفين عن بقية مناحي الحياة مثل الفنون والأزياء والمرأة. فهل يعزى ظاهرة التطرف إلى (الجوار) الحتمي الذي ينشأ مع وصول الإسلاميين للحكم؟

قطعاً لا يمكن إرجاع ظهور «داعش» لشأن سوداني داخلي، فهي مرتبطة بتحولات إقليمية في المنطقة يمكن أن تفرخ آراء عن تآمر دولي ضد الإسلام، لكن لانضمام شباب سودانيين إلى «داعش» صلة بالوضع الداخلي في السودان؛ حيث لم يجد هؤلاء الشباب (مثالا) إسلامياً في التجربة السودانية فهاجروا علهم يجدونه في داعش، لكن هل من مثال مفقود؟

المدخل المشترك في تجنيد الشباب للأفكار الإسلامية، متطرفة أو معتدلة، هو مدخل عاطفي يعتمد فكرة دينية ناقصة توظف العاطفة في استغلال محبة كل منتمٍ لدينه، أما النقص فهو جعل الشباب يقر بـ (كمال الدين)، ثم يقدم الداعية تصوراً عجيباً لكمال الدين حين يقدم الشيخ آراءه الشخصية في الحكم والعمارة والاقتصاد والطب باعتبارها رأي الدين. وأن الدين (الكامل) لا بد أن يقدم رؤية في كل هذه المناحي وإلا يكون ناقصاً، فيندفع هؤلاء الشباب يدافعون باستماتة عن آراء شخصية للشيوخ وهو يتوهمون أنهم يدافعون عن الدين.

فكرة الكمال التي تحتاج إلى توضيح هي فكرة الإحاطة، أي أن الله سبحانه وتعالى بكل شيء محيط، فهو القائل {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} ومن ثَم فهو موحٍ للإنسان أن يتخذ من الكهف بيتاً ومن الغرفة ومن العمارة ومن ناطحة السحاب، وموحٍ له أن يبني السد ويصنع الطائرة، كل النتاج البشري من وحي الله ولسنا بحاجة لتسمية نشاط ما بأنه عمارة إسلامية أو صناعة إسلامية أو حكم إسلامي حتى نثبت كمال الدين.

بهذا الفهم فالدين كامل بمعنى إحاطة المولى عز وجل بكل شيء، وبوحيه الذي هو وراء كل فكرة ووراء كل تنفيذ، ويتفوق الدين بعد ذلك في إتيانه بما تعجز عنه الأفكار الأرضية المحاطة بوحي الله، فيختص الدين بأسباب السماء من صلاة وبركة واستغفار وغيب.


 


عودة الي النظرة العامة