جدل حول عفو رئاسي لقضية (الرجم) ومحامية تقول: العفو يوقف التنفيذ ولا يبطل الحكم
حملة ومبادرة لا لقهر النساء
الخرطوم 25 فبراير:2026: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
أثار قرار حكم الإعدام “رجماً” بحق إمرأتين في قضيتين منفصلتين جدلاً واسعاً وموجة غضب في أوساط المدافعين والحقوقيين في السودان وشكلت قضية رأي عام، وذلك في أعقاب نشر شبكة نساء القرن الإفريقي “صيحة” الخبر.
وأصدرت محكمتان في كل من مدينة الرصيرص بولاية النيل الأزرق والخرطوم بحري أحكامًا بالإعدام رجمًا بحق سيدتين. وقد تم نقلهن إلى سجن النساء بأم درمان.
واعتبرت “صيحة” في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا” أن هذه الأحكام لا إنسانية وتأتي نتيجة مباشرة لأنماط تجريم النساء والفتيات المضمنة في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م، مشيرةً إلى أنه تم استخدامه بشكل منتظم ضدّ النساء والفتيات حتى في أثناء الحرب.
وشددت الشبكة النسائية موقفها بأن لا بد من إصلاح جذري وشامل للقانون الجنائي السوداني. داعيةً إلى الوقف الفوري لتطبيق القوانين التي تستهدف النساء والفتيات تحت ذريعة الأخلاق والآداب العامة تحديدًا في ظل واقع “الحرب الشرس”.
كما طالبت بإجراء مراجعة قانونية شاملة وشفافة للقانون الجنائي السوداني ضمن آليات وأجندة أي اتفاق سياسي سوداني- سوداني، على أن يتضمن حقوق النساء والفتيات و ضرورة اعتماد إطار تشريعي وعادل، يقوم على أسس الحكم السلمي الشامل والديمقراطي في السودان.
ورأت أن المنظومة القانونية في السودان يجب أن تحمي حقوق النساء والفتيات وكرامتهن، بدلاً عن سنّ وتطبيق قوانين تضاعف معاناتهن وتقنن التمييز ضدهن.

حماية وكرامة المرأة:
من جهته أعرب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان وولفرام فيتر عن قلقه البالغ إزاء تقارير حول صدور حكمين بالإعدام رجماً بحق امرأتين، مشيراً إلى أن تأكيد هذه الأحكام سيمثل عودة خطيرة للتطرف والتشدد في المنظومة القضائية، ويؤشر على تعثر النظام القانوني السوداني في أداء مهامه لحماية حقوق وكرامة النساء والفتيات بما يخالف المواثيق الدولية.
وفي غضون ذلك راجت أنباء تم تداولها على نطاق واسع في الوسائط عن صدور قرار من رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان بالعفو العام عن السيدتين، إلا أنه لم ينشر القرار على منصات الحكومة أو الوكالة الرسمية، كما لم يصدر إعلام مجلس السيادة أي بيان أو تعميم يؤكد أو ينفي فيه صدور القرار من عدمه.
ولم يستبعد مصدر خاص تحدث لـ”راديو دبنقا” صدور قرار بالعفو العام من رئيس مجلس السيادة، مشيراً إلى أن الأمر يتطلب وقتاً خاصة أنه جاء نتيجة لضغط من منظمات حقوقية داخلية وخارجية.
ويقول أن هنالك حالات أخرى كثيرة لمحكومين بأحكام مختلفة تنتظر العفو الرئاسي ربما تسببت في تأخير صدور قرار العفو العام من البرهان، وتوقع صدور القرار لكون الوضع السياسي يمر بأزمة تحاول الحكومة السودانية أن تتجنب مثل هذه الأحكام التي تضيق عليها.
غير أن المحامية والمدافعة عن حقوق المرأة منى الطيب تعتقد أن البرهان بصفته رئيس مجلس السيادة (ورأس الدولة بحكم الواقع)، يملك وفقًا للتقاليد الدستورية في السودان سلطة العفو أو تخفيف العقوبة بعد صدور الحكم النهائي.
وتقول “الطيب” في حديثها لـ”راديو دبنقا” إنَّ العفو لا يُبطل الحكم القضائي نفسه، وإنما يوقف تنفيذ العقوبة، أو يستبدلها بعقوبة أخف، أو يعفي المحكوم عليه منها كليًا.
وتضيف قائلةً: لكن أخطر ما يمكن أن تتعرض له السلطة القضائية هو اتهامها بإصدار أحكام بناءً على توجيهات سياسية، خصوصاً من رئيس مجلس السيادة. حيث ان القضاء يجب أن يعمل عبر آلياته الداخلية (الاستئناف، الطعون، المراجعة)، دون أي تأثير من السلطة التنفيذية، لأن أي تدخل خارجي يهز الثقة في العدالة ويقوض مبدأ فصل السلطات.
وتتسائل بقولها: لكن هل الحل في العفو أم في إلغاء القانون نفسه. وتضيف: إذا كان الجدل يدور حول عقوبة الرجم تحديدًا، فالمشكلة القانونية تكون في النص القانوني نفسه الذي ما زال قائمًا ويسمح بالعقوبة.
وترى المحامية والمدافعة الحقوقية، وفقاً لذلك فإنه لابد من أن يكون هناك توجه لإلغاء أو تعديل النص القانوني، ووجود معالجة تشريعية جذرية لان العفو هو حل إسعافي لكنه لا يعالج أصل المشكلة.
وتعتقد أن العلاج الحقيقي يكون عبر مراجعة التشريعات و إصلاح المنظومة القضائيّة وضمان التوافق مع الوثيقة الدستورية والالتزامات الدولية.
لاتوجد سلطة قضائية موحدة:
وتصف المحامية والمدافعة الحقوقية منى الطيب أن هذا الموضوع “حكم الإعدام على السيدتين” بأنه خطير وحسّاس للغاية، ويثير قلقًا، ويمكن النظر إليه من عدة زوايا، في ظل الحرب و التشظي المؤسسي في السودان.
وتقول في هذا الصدد: لا توجد سلطة قضائية موحّدة ويصعب التحقق من سلامة الإجراءات القانونية كما تتزايد مخاطر استغلال الدين والقضاء لتكريس العنف والتمييز.
وتؤكد بأن هذا ما يفسر توصيف هذه الأحكام بأنها مؤشر على تعثر النظام القانوني و عودة لاستخدام العقوبات الحدّية في ظل نظام قضائي يعاني أصلًا من غياب الاستقلال وضعف الضمانات الإجرائية وانهيار مؤسسات العدالة بسبب الحرب.
وتعتقد بأن هذا ما يجعل النساء والفتيات الأكثر هشاشة أمام هذه الأحكام و يعتبر تهديداً مباشراً لكرامة النساء ودليل على استغلال القضاء في سياق الفوضى والصراع، كما يعتبر نكسة كبرى لحقوق الإنسان.
وخلصت المحامية منى الطيب إلى أنه أي حكم بالإعدام رجمًا يُعد انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة ولحظر التعذيب والعقوبات القاسية أو اللاإنسانية، وهو ما يتعارض صراحة مع التزامات السودان الدولية، لا سيما: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اتفاقية مناهضة التعذيب.
وتختم حديثها بالقول إنه من هذا المنطلق، فإن قلق رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان هو قلق مفهوم ومبرر قانونيًا.

عودة إلى الشدد التشريعي:
وتتفق رؤية الباحثة والمختصة في قضايا السلام د. هنادي المك مع رأي المحامية منى الطيب، وتعتقد بأن المسألة لا تتعلق بعقوبة جنائية فحسب، بل بإشارة سياسية وقانونية واضحة، وتتسائل قائلة: هل نحن أمام عودة إلى تشدد تشريعي يتجاوز روح الإصلاحات التي أُعلنت بعد 2019م، وهل النظام القضائي، في ظرف الحرب والانقسام، يتحرك بثبات نحو حماية الحقوق أم يتراجع تحت ضغط السياق.
وتعتبر في حديثها لـ”راديو دبنقا” أنه من الناحية القانونية، القلق الأوروبي مفهوم. وعقوبة الرجم تُصنَّف دولياً ضمن العقوبات القاسية أو اللاإنسانية، وهو ما يضع السودان في مواجهة مباشرة مع التزاماته بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتضيف: هذه ليست مسائل شكلية، بل التزامات قانونية صريحة.
وكما ترى أنه من الناحية السياسية، فإنَّ أي مؤشر على تشدد قضائي في ظل انهيار مؤسسي وحرب مفتوحة يطرح سؤالاً أكبر حول من يراقب من يضمن سلامة الإجراءات ومن يحمي الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها النساء.
ومن هنا ترى أن التصريح المنسوب لرئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان، وولفرام فيتر، لا يتناول مجرد حكمين قضائيين معزولين. هو يقرأ ما وراء الحدث. يقرأ الاتجاه.
موازين القوة الاجتماعية:
وتشير الباحثة في قضايا السلام “المك” إلى أن الأخطر، أن النساء في سياق النزاع المسلح يعشن أصلاً في بيئة مختلة: نزوح، عنف، ضعف في الوصول إلى العدالة، وتفاوت في موازين القوة الاجتماعية. وترى أنه في مثل هذا السياق، أي عقوبة قصوى تُنفَّذ دون ضمانات صارمة تتحول من نص قانوني إلى أداة قد تُستخدم ضد الأضعف.
“لكن النقاش لا يقف عند القانون الدولي من زاوية الشريعة، الصورة ليست بالبساطة التي تُطرح أحياناً. المقصد الأعلى في الشريعة هو حفظ النفس وصون الكرامة والفقه الإسلامي نفسه وضع شروطاً مشددة لإقامة الحدود، وأكد قاعدة درء الحدود بالشبهات” وفقاً للدكتورة هنادي المك المختصة في قضايا السلام.
وتقول بأن العدالة ليست تفصيلاً إجرائياً؛ هي شرط جوهري لذلك، الاستناد إلى الدين لا يعفي من مسؤولية التحقق من أمرين أساسيين، يتصل أحدهما بأن تكون الإجراءات سليمة بالكامل، وبينما الثاني يتعلق بأن تنتفي أي شبهة إكراه أو تمييز أو اختلال في ميزان العدالة، وترى من دون ذلك، يتحول النص إلى أداة، ويُفقد المقصد.
بيئة عادلة:
وتطرح الباحثة هنادي المك السؤال بأنه هنا ليس إيماناً في مواجهة حقوق إنسان. هذا طرح سطحي، بينما السؤال الحقيقي أبسط وأعمق في آن واحد، يتعلق بأنه هل يُطبَّق القانون في بيئة عادلة ومستقرة تضمن كرامة الإنسان، أم يُستخدم في سياق هش ومضطرب حيث تغيب الضمانات وتختل الموازين.
وتنوه إلى أنه في لحظة الحرب، العدالة ليست شعاراً هي آخر ما يحمي فكرة الدولة نفسها، وتقول إذا فُقد الإحساس بأن القضاء منصف وعادل، فإن الضرر لن يكون قانونياً فقط، بل سيطال الثقة العامة، والسلم الاجتماعي، ومستقبل أي عملية انتقال سياسي.
من جهتها تعتقد الباحثة والقيادية النسوية والمديرة السابقة لمركز “الجندر” د.نعمات كوكو أن هذه الحالة متوقعة في ظل “نظام اللا دولة” حالياً في السودان.
وتقول في حديثها لـ “راديو دبنقا”: “نحن حالياً في السودان لا نتحدث عن حكومة في بورسودان وأخرى في نيالا. بل نتحدث عن تدمير كامل للسودان في جميع هياكله وبنيانه سواء كان السياسي أو الاقتصادي أوالاجتماعي. وبالتالي هذا يشمل حتى بنيانه القانوني”.
وتضيف بأنه: وفي ظل عدم وجود الدولة بكافة مؤسساتها أياً كان الإطار السياسي والمفاهيمي. يبقى أن كل الأوضاع متوقعة. بما فيها الأحكام غير القانونية والشرعية، بمعنى أنها لا تستمد شرعيتها من أي مؤسسة لا قانونية ولا قضائية.
واعتبرت أن القضاء نفسه هو جزء من البنية الموجودة في السودان، وترى وفقاً لذلك بأن كل قاضي يحكم بما يرى لايوجد قانون أمامه بالتأكيد. وتشير إلى أن عقوبة الرجم من العصور الجاهلية.



and then