المختفون قسراً.. أحياء بلا إحصاء وموتى خارج نطاق الحصر

حملة وديتوهم وين لمناهضة الاختفاء القسري- مصدر الصورة: صفحة الحملة على فيسبوك

أمستردام: الثلاثاء 8 سبتمبر 2026م: راديو دبنقا

تقرير: سليمان سري

ظلت قضية المخفيين قسراً من أهم القضايا وأكثرها تعقيداً في ظل الحرب الدائرة الآن في السودان؛ نتيجة لتفاقمها وانتشارها عبر عدة أشكال، كالاختطاف بهدف الاعتقال كما يحدث للنشطاء والسياسيين وغيرهم؛ حيث تُغلق هواتفهم منذ اللحظة الأولى للاعتقال، ويُقتادون إلى جهة غير معلومة ومصير مجهول، حتى وإن كانت الجهة التي نفذت الاعتقال معلومة.

ففي السودان، ومع تعدد حاملي السلاح في ظل الحرب وقبلها، تعددت سلطات الاحتجاز وأصبحت ظاهرة الاختفاء القسري إحدى الوسائل للانتقام والتشفي وممارسة الابتزاز. غير أنها طالت مدنيين أبرياء والمواطن البسيط، وكثرت هذه الظاهرة للمطالبة بفدى مالية تعجز الأسر عن توفيرها، بينما يطول أمد الحبس لسنوات مع تعرض المحتجزين للتعذيب وسوء المعاملة؛ ففقد بعضُهم عقله، وأُصيب آخرون بأمراض نفسية حادة، لدرجة أنهم حتى في حال إخلاء سبيلهم لا يستطيعون التعرف على ذويهم أو العودة إلى حضن الأسرة. وبذلك لا تعلم الأسر ما إذا كان ابنها حياً أم ميتاً أم لا يزال رهن الاحتجاز، لتعيش بين الألم والأمل في رحلة بحث طويلة، فالغياب أشد قسوة من الموت.

ومنذ بداية حرب 15 أبريل 2023م، ومع ازدياد حالات الاختفاء القسري، ظهر عدد من المنظمات التي تهتم بالرصد والتوثيق ولمّ الشمل. غير أن تلك المبادرات تعمل في جزر معزولة، ولا يوجد تنسيق أو رابط بينها لتبادل وتوحيد الأرقام للتخفيف من عناء البحث عن الضحايا، هذا بجانب أن كل جهة تعلن أرقاماً تختلف عن الأخرى، وتتجاوز تلك الإحصائياتُ المقيدةَ في سجلات الجهات الرسمية والمنظمات الدولية؛ كاللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان التي أعلنت أن عدد المفقودين بلغ 11 ألف شخص، فضلاً عن تخوف أسر الضحايا من الإعلان أو التبليغ عن مفقوديها.

عدد مهول

وفي ظل هذه الأزمة، بدأ مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان الاهتمام بملف المخفيين قسراً في العام 2020م، بينما لم تبلغ الحالاتُ المُبْلَغُ عنها أو التي وثقها مكتب المفوض ثلاثين حالة اختفاء قسري، رغم ضخامة الأرقام المعلنة من قبل الجهات الرسمية والمنظمات المحلية والدولية، في ظل غياب واضح للتنسيق وتعتيم ممنهج عبر احتكار المعلومة، لتصبح قضية المخفيين قسراً الأكثر تعقيداً ومن الملفات التي يصعب معالجتها حتى بعد انتهاء الحرب.

وفي هذا الصدد، قالت مديرة مكتب دارفور بمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إسعاف بن خليفة: “إنَّ مكتب المفوض السامي شرع في دعم الجهود الوطنية للتصدي لظاهرة الاختفاء القسري منذ العام 2020م، بما في ذلك التعاون مع السلطات الانتقالية، ولجان التحقيق التي أنشأها النائب العام إبان ثورة ديسمبر، والمجتمع المدني وأسر الضحايا. وعمل المكتب على دعم قدرات ومبادرات المجتمع المدني التي تنادي بالتحقيق والمحاسبة وكشف الحقيقة حول المختفين”.

وأشارت أثناء حديثها في ندوة إلكترونية (أسفيرية) مغلقة مؤخراً، إلى أنه منذ تعطل أعمال لجان التحقيق واندلاع الأزمة السياسية في أكتوبر 2021م، ركَّز المكتب جهوده على دعم قدرات المجتمع المدني وتحفيز الجهات الرسمية على استئناف جهودها وتنفيذ أحكام الاتفاقية التي صادقت عليها الدولة منذ أغسطس 2021م.

وأضافت بن خليفة: “باندلاع الحرب، ركَّز المكتب كل جهوده على مسألة دعم مبادرات توثيق حالات الاختفاء القسري، ومبادرات كشف الحقيقة، وتعزيز تعاون المجتمع المدني مع لجنة الاختفاء القسري التي تنشئها الاتفاقية”.

وأوضحت أنه في سياق النزاع المسلح والعدد المهول لحالات الاختفاء القسري في الخرطوم ودارفور وكردفان ومناطق أخرى، فإنَّ المكتب شجع مبادرات المجتمع المدني الشاملة لكل حالات الاختفاء؛ بما في ذلك الحالات المترتبة على الاعتقال، الهجوم المسلح على المدنيين، الاعتداءات على الناجين الفارين من مناطق النزاع، وفي حالات دفن مجهولي الهوية، دون تمييز بين الجهات المعتدية.

“لا نملك إحصائيات”:

وأقرت مديرة مكتب دارفور بمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بأن مكتب المفوض لا يملك إحصائيات محددة، مشيرة إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان أعلنت في أبريل 2026م أن هناك على الأقل 11,000 مفقود في السياق الحالي للحرب.

وأضافت بن خليفة: “توصل مكتب المفوضية -إثر رصد أنماط الاختفاء- إلى أن الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري استُعمِلا كوسيلة لإسكات المجتمع المدني، وفي بعض الحالات لبث الرعب في المجتمعات المحلية”.

ولفتت إلى أن حالات الاختفاء تشمل المدنيين والعسكريين ممن هم قيد الاعتقال من قبل أحد أطراف النزاع، مبينةً أن المعتقلين من المحاربين محميون بموجب القانون من الاختفاء القسري. وأضافت أن مكتب المفوض السامي يعتقد أن هناك العديد من حالات الاعتقال التي ترتقي إلى أن تكون حالات اختفاء قسري.

وقالت إنَّ مكتب المفوض يركز تعاونه مع المجتمع المدني والسلطات وفق منهجية تتمركز حول الضحية والدور المحوري لأهلها كأصحاب المصلحة الأوائل.

وأشارت في هذا الصدد إلى أن المفوض السامي لحقوق الإنسان سعى إلى بلورة مبادرة لبناء الثقة بين الأطراف في الحرب حول تسع نقاط، من بينها الاختفاء القسري والاعتقالات من الطرفين، ورأت أنه يسعى إلى رفع وعي الطرفين حول المسألة ودفعهم لاتخاذ خطوات عملية لكشف مصير المخفيين والمعتقلين من الجانبين التزاماً بالقانون الدولي للحرب.

تاريخ طويل:

من جهته، أكد مسؤول ملف السودان في منظمة “هيومن رايتس ووتش” محمد عثمان أن ظاهرة الاختفاء القسري عالمية وموجودة بأشكال متباينة في مناطق مختلفة من العالم، لكنها تظهر بشكل أفظع في حالات الصراع والحرب.

وقال عثمان لـ”راديو دبنقا” إن ظاهرة الاختفاء القسري في السودان لها تاريخ طويل لم يتم تسليط الضوء عليه بشكل كامل، ولم تُجرَ فيه محاسبة تمنع تكرار مثل هذه الفجائع.

وأضاف قائلاً: “شاهدنا منذ بداية الحرب الحالية في السودان أن الاختفاء القسري ظاهرة مستمرة في مناطق مختلفة. وإذا نظرنا إلى مناطق سيطرة الحكومة أو الجيش السوداني، نجد أن هذه الظاهرة موجودة، وقد وثقنا بعض القضايا المتعلقة بها هناك”.

وأشار إلى أن الاختفاء القسري يحدث دائماً في ظل غياب الرقابة القانونية أو العدلية، مما يسهل على الطرف الانتهاكي إخفاء الشخص، وهو انتهاك يتجاوز الشخص المعني (المعتقل) إلى أسرته التي تعاني معنوياً ومادياً، لا سيما مع الظروف المعروفة في السودان وعدم معرفة مصير المفقودين.

وأعاد التذكير بما حدث في تجربة فض الاعتصام، مشيراً إلى وجود حالات كثيرة لمفقودين غير معروف مصيرهم؛ ما إذا كانوا في حالة اختفاء قسري، أم قُتلوا، أم أُفرج عنهم، وذلك في ظل استمرار هذه الانتهاكات المدفوعة بالحصانة والإفلات من العقاب.

مناطق الدعم السريع:

في المقابل، وصف مسؤول ملف السودان في “هيومن رايتس ووتش” قضية الاختفاء القسري في مناطق سيطرة الدعم السريع بأنها الأسوأ، في ظل شلل كامل للمؤسسات القانونية والعدلية هناك، متابعاً: “نحن نسمع عن قضايا كثيرة جداً من تلك المناطق”.

وقال عثمان في مقابلته مع “راديو دبنقا”: “مع استمرار هذه الظاهرة تاريخياً لعقود في مناطق مختلفة من العالم، فنحن أمام آليات دولية وإقليمية”. وتساءل عما إذا كانت هذه الآليات كافية وفعالة فيما يتعلق بمكافحة جريمة الاختفاء القسري في السودان، مستدركاً: “أعتقد أن هناك مساحة للتعاون مع هذه الآليات، مثل مجموعة العمل المعنية بالاختفاء القسري التابعة للأمم المتحدة، والسودان طرف موقع على اتفاقيتها في الفترة الانتقالية”.

ورغم وصفه لها بأنها آلية بطيئة، فقد أكد أن دورها الأساسي يأتي بعد وصول الشكوى من الأسرة أو المحامين أو المجتمع المدني حول قضايا بعينها، مشيراً إلى أن مجموعة العمل المعنية بالاختفاء القسري في مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان لديها الحق في مخاطبة السلطات أو الطرف الانتهاكي، لكنه اعتبر أن هذه الإجراءات تستغرق وقتاً طويلاً.

وعبّر عثمان عن اعتقاده بأن الأولوية الأساسية الآن تتمثل في معالجة وإصلاح شاملين للمؤسسة القانونية والعدلية، مبرزاً أهمية دور الأمم المتحدة في دعم هذه الجهود والمبادرات التي يمكن أن تُتخذ لمنع تكرار هذه الظاهرة، أو على الأقل تسليط الضوء عليها.

وخلص إلى أن قضية الاختفاء القسري قد تستغرق سنوات طويلة، مشدداً على أهمية البدء الآن في منع هذه الظاهرة، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وسن تشريعات وإصلاحات قانونية شاملة لتوطين الالتزامات الدولية المتعلقة بالاختفاء القسري في السودان، إلى جانب الإصلاح المؤسسي للأجهزة العدلية والقانونية من قضاء وشرطة وأجهزة أمنية ونيابة.

الأكثر انتهاكاً:

من جهته، اعتبر عضو مبادرة “وديتوهم وين” طارق طلحة المحامي، أن الاختفاء القسري هو أشد الانتهاكات لحقوق الإنسان، وهي جريمة منتشرة في جميع أرجاء العالم، حيث سجلت أكثر من 86 دولة حالات اختفاء قسري.

وقال طلحة لـ”راديو دبنقا” إن السودان انضم إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في العام 2021م إبان حكومة الفترة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة تبنت المعاهدة في العام 2006م ودخلت حيز النفاذ في العام 2010م، ومبيناً أن المعاهدة لا تلزم سوى الدول المصادقة عليها، ولا يبدأ سريانها إلا بعد مصادقة الدولة المعنية.

وأوضح طلحة أنه يُقصد بالاختفاء القسري -حسب ما ورد في المادة الثانية من الاتفاقية التي تُعد العمود الفقري لها- صورتان مختلفتان: اختفاء قسري يشكل جريمة عادية، وأخر يشكل جريمة ضد الإنسانية.

وأشار إلى أن الاختفاء القسري العادي يتكون من ثلاثة أركان أساسية: الأول هو اعتقال الشخص أو اختطافه، والثاني مشاركة أو مساهمة موظف عام في هذا الحرمان من الحرية، والثالث إنكار حرمان الشخص من حريته أو رفض الإفصاح عن مصيره أو مكان وجوده.

وأضاف أن الصورة الثانية هي الاختفاء القسري الذي يشكل جريمة ضد الإنسانية، وتتوفر فيه أيضاً الشروط الثلاثة المذكورة، ولكنه يتجسد في اختفاء الأشخاص بصورة جماعية وممنهجة.

وأكد أن هذه الصورة للأسف انتشرت بصورة واسعة ومقلقة بعد اندلاع الحرب بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، مشيراً إلى أن طرفي النزاع استخدما الاختفاء القسري لبث الرعب وسط المواطنين بشكل كبير، وظهرت أنماط متعددة لهذه الجريمة من كلا الطرفين.

Welcome

Install
×