تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

إنتقال السودان مقارنة بتجارب إقليمية

مايو ١٥ - ٢٠٢١ الخرطوم / راديو دبنقا
مبارك اردول
مبارك اردول

 


بقلم : مبارك أردول 

 

 بعد مرور أكثر من عامين على سقوط نظام الإنقاذ واقترابنا من منتصف الفترة الانتقالية، كان لابد من التوقف قليلاً لتمحيص حالنا ومراجعته وبل تقييمه وتقويمه، وقبل ذلك علينا تسليط الضوء عليه وشرح أبعاده ومكوناته ومقارنته بتجارب الانتقال في القارة و الإقليم من حولنا، لنعرف أين نضع أقدامنا.

سقط نظام الحكم الذي طال لأكثر من ثلاثة عقود والذي كان يتكون من تحالف عسكريين والحركة الإسلامية باسم ثورة الإنقاذ بقيادة عمر البشير، سقط بعد أن تحالفت القوى المعارضة السياسية المدنية والمسلحة وتجمع المهنيين الذي يجمع أغلب النقابات في تحالف أطلق عليه(قوى الحريةوالتغيير)، والتحم معهم الشارع الذي جمع اغلبه الشباب غير المحزّب تحت أي طائفة سوى لافتة إسقاط النظام، إلتقت أهداف كل هذه المجموعات مع بعضها البعض في لحظة تاريخية أدت في نهاية المطاف إلى انحياز جزء من القوات الشعب المسلحة وقوات الدعم السريع إليها فقوضت (الاخيرتان) نظام الحكم وألقت بقياداته إلى السجن وكونت مجلساً عسكرياً انتقالياً، وبذلك إنتهت حقبة النظام البائسة التي تميزت بالبطش والاستبداد ونهب ثروات البلاد.


الحقبة الجديدة: 


بدأت الحقبة الجديدة بمفاوضات بين المكونات السياسية المشار إليها أعلاه بقوى الحرية والتغيير مع المجلس العسكري الانتقالي، استمرت المفاوضات لفترة ما بين صعود وهبوط حتى تم التوافق بعد توسط الاتحاد الافريقي ورئيس الوزراء الإثيوبي ونيل الوساطة لدعم الدول الأفريقية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميريكية، نتج عن تلك الوساطة وفاق سياسي ضمن في الوثيقة الدستورية الانتقالية للعام 2019، والتي هي ميثاق توافقي لإدارة الانتقال السياسي في الفترة الانتقالية والتحضير للتحول الديمقراطي في البلاد.

كُوّنَت حكومة مدنية عقب التوقيع على الوثيقة الدستورية وشُكِّل مجلس سيادي مناصفة بين مدنيين وعسكريين، وكونت وفود تفاوضية مع القوى السياسية المعارضة المسلحة فوقعت اتفاقية سلام في جوبا وتنتظر قوى أخرى التوقيع في الشهور القادمة.

وبغض النظر عن التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الحكومة الانتقالية إلا أنها استطاعت أن تتخذ خطوات يمكن أن تضع البلاد في الطريق السريع للانتقال.


مقارنات الانتقال :


ولايمكن قراءة انتقال السودان أو النموذج السوداني إلا بعد الاطلاع على تجارب الانتقال في القارة الأفريقية والإقليم، لتقييم أنفسنا وفق مؤشرات واقعية.

فلو أخذنا إثيوبيا نفسها كمثال وهي دولة مجاورة إلينا، وهي التي ساعدت جهودها في دفع الأطراف للتوصل لتوافق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان نجد أن قيادتها لم تستطيع أن تقود انتقالها بحكمة نحو الانتخابات المقررة او لإستقرار سياسي  ضامن للانتقال السلس للسلطة كما خطط له، والابتعاد من شبح الحرب، الا أن حكومة رئيس الوزراء أبيي أحمد دولة أدخلتها في حرب أهلية مع إقليميْ التقراي وبني شنقول غض النظر عن مبرراته وحجج أي طرف في هذه الحروب، فهي في نهاية المطاف حروب يدفع ثمنها الشعب ويتأثر بها الاقتصاد والتنمية والرفاه والتوافق الوطني وغيره، وبل تمتد آثارها لما وراء الحدود، فالقيادة يجب أن تجنب شعبها الحروب بأي ثمن والحصافة تكمن في أن تسعى للانتصار في المعارك دون خوضها أو خسارة جندي واحد فيها كما قال سان سو. 

في انتقال ليبيا واليمن نماذج لايمكن إحصاء الدمار الذي لحق بها للتخلص من حقبة الانظمة التي حكمتها لعقود، بل تمنى شعبها العهد السابق بدلاً عمّا يحدث الآن والذي لا يستطيع أحد التكهن بنهايته، ولايفوقهما سوءاً سوى تجربة سوريا، والقاسم المشترك في كل عمليات الانتقال الثلاثة أعلاه هو تفريخ الحروب وانتشار التشدد والإرهاب وتهجير الملايين داخلياً وخارجياً وعدم وضع التجربة في طريق الديمقراطية وتحقيق السلام والتوافق السياسي بين جميع الفرقاء .

والتجربتان التونسية والمصرية يظهر فيهما استقرار نوعاً ما ولكن يفوقهما السودان حيث استطاعت القوى السياسية المدنية والمسلحة أن تصل لتوافق مع القوات المسلحة (الجيش والدعم السريع) وأصبح الجميع شركاء يتحملون جنباً إلى جنب المسؤولية لإكمال الفترة الانتقالية وتكملة مؤسساتها والانتقال بالبلاد للحكم المنتخب .


جنوب السودان وتشاد:
 

رغم توقيع اتفاقية السلام المنشطة في جنوب السودان فإن تجربة الانتقال فيها مازالت اكثر هشاشة وتحتاج لتضافر الضامنين لهذه الاتفاقية سيما السودان لأن تدهور الأمور فيها قد يلقي بظلال سالبة على المشهد في السودان، فالتزام الأطراف في الجنوب بإنهاء الفترة الانتقالية الطويلة والاستعداد للانتخابات وإكمال عملية دمج المؤسسات الأمنية وبنائها بشكل قومي يمثل حجر زاوية في تقدم تجربة الانتقال هناك، أما فيما عدا ذلك فستكون الأوضاع مرشحة للتردي مجدداً.

وتجربة تشاد هي الأخرى تحتاج لتقفي أثر التجربة السودانية وتطبيقها حتى بشكل أفضل من السودان ، وكما صرح عدد من المبعوثين الغربيين بأنها أفضل لها تطبيق النموذج السوداني إلا أن ذلك يحتاج لإرادة تدفع الأطراف بشكل حثيث لتنفيذه، فقد كانت تجربة الصراع قاسية فيها فقد فيها الرئيس ادريس ديبي انتو في نزاع مسلح على حدودها المتأخمة لليبيا.


نهاية الفترة الانتقالية: 


أغلب الأسباب التي تؤدي لفشل عملية الانتقال هي طول الفترة الانتقالية وعدم وضع تاريخ وجدول ملزم لنهايتها، وكذلك غياب العناصر التي تراقب قوى الانتقال داخلياً وخارجياً، فإذا وقعت أي تجربة في هذا الفخ فإن التردي سيكون نصيبها، وبل سوف يفتح شهية القوى المتربصة بها ويعطيها مبررات للانقلاب عليها.


ما يحتاجه النموذج السوداني: 


لا ينقص النموذج السوداني سوى إكمال بقية مؤسساته سيما المجلس التشريعي والمضي قدماً في الإجراءات التي تؤكد السعي للانتخابات والانتقال للحقبة الديمقراطية، ومن الخطوات الآتي: 

+ إكمال عملية السلام مع القوى السياسية والمعارضة المسلحة. 

+ تنفيذ اتفاقية السلام الموقعة في جوبا سيما ملفي الترتيبات الأمنية و عودة اللاجئين والنازحين. 

+ تشكيل المجلس التشريعي من قوى الثورة والبدء في إجازة قوانين التحول الديمقراطي.

+ تكوين مفوضيات العدالة الانتقالية و الانتخابات وغيرهما والبدء الفوري في عملهما.

+ إجراء الإحصاء السكاني وتحديث السجل الانتخابي وإعادة توزيع الدوائر الجغرافية.

+ تشكيل المحكمة الدستورية.

هذه الإجراءات وغيرها تعتبر ضرورية لإكمال عملية الانتقال في البلاد والاستعداد للفترة الديمقراطية. 

في الختام ومهما شاب التجربة السودانية من نقص إلا أنها تعتبر الأفضل على الإطلاق في القارة الأفريقية والإقليم، حيث أنها دوماً سعت للتوافق الوطني بين المكونات السياسية المدنية والمسلحة وكذلك القوات النظامية وسعت للاستقرار وحقن الدماء وتحقيق السلام وفتح وإصلاح علاقات البلاد الخارجية وفك عزلة السودان الدولية ورفع اسمه من قائمة الإرهاب وإعفاء ديونه الخارجية ومحاولات إصلاح اقتصاده من الانهيار وتحسين معاش الناس. 


عودة الي النظرة العامة