خبير اقتصادي: الإجراءات النقدية والإدارية لن تعالج تدهور الجنيه السوداني
الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي
امستردام: الخميس 25 يونيو2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
أثار الارتفاع المتصاعد لسعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية “الجنيه السوداني” كثير من الجدل، بينما رفعت الحكومة السعر التأشيري للدولار الجمركي من 3,395 جنيهاً إلى 3,517 جنيهاً خلال أسبوع واحد فقط، كما حظرت استيراد عدد من السلع، لكن القرار لم يأت بنتائج ولم يوقف هبوط الجنيه السوداني.
شهد سعر الدولار في السوق الموازية ارتفاعًا ملحوظًا، حيث وصل إلى نحو 5600 جنيه، رغم محاولة الحكومة كبح هذا الارتفاع عبر رفع السعر التأشيري للدولار الجمركي من 3395 إلى 3517 جنيهًا خلال أسبوع واحد. إلا أن هذه الخطوة لم تنجح في وقف تدهور الجنيه، ما يعكس ضعف تأثير السياسات النقدية التقليدية في ظل الظروف الراهنة.
تناقض ظاهري
في المقابل، تشير بيانات رسمية إلى تراجع معدل التضخم، وهو ما يثير تساؤلات حول العلاقة بين التضخم وسعر الصرف. ويرى الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي في مقابلة مع راديو دبنقا أن هذا التناقض ظاهري، إذ لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في الوضع المعيشي، لأن المواطن يقيس الأزمة من خلال قدرته على شراء السلع والخدمات، لا عبر المؤشرات الرقمية فقط.
ويعزو فهمي هذا الوضع إلى طبيعة الاقتصاد السوداني الذي يعتمد بشكل كبير على الواردات، بعد تدمير قاعدته الإنتاجية بسبب الحرب وسوء السياسات الاقتصادية. ومع استمرار ارتفاع الدولار، تتراجع القوة الشرائية للأجور والدخول، ما يؤدي إلى تدهور مستوى المعيشة.
كما يشير إلى أن المؤشرات الرسمية، مثل معدل التضخم، قد لا تعكس الواقع بدقة، بسبب صعوبة جمع البيانات في مناطق النزاع، والاعتماد على بيانات من مناطق أكثر استقرارًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن اختلاف أنماط الإنفاق بين الولايات يؤدي إلى فجوة بين الأرقام الرسمية والواقع الفعلي.
اسباب انخفاض التضخم
ويرى فهمي أن تراجع القوة الشرائية وركود الأسواق يسهمان في تفسير انخفاض معدل التضخم، إذ يؤدي ضعف الطلب إلى الحد من قدرة التجار على رفع الأسعار، ما يخلق انطباعًا بانخفاض التضخم، رغم استمرار ارتفاع الأسعار ولكن بوتيرة أبطأ. كما يوضح أثر ما يُعرف بـ”سنة الأساس”، حيث إن مقارنة الأسعار الحالية بارتفاعات كبيرة في العام السابق قد تعطي انطباعًا بانخفاض معدل التضخم.
أما فيما يتعلق بالدولار الجمركي، فيوضح الدكتور وائل فهمي أن العلاقة بينه وبين تدهور الجنيه هي علاقة طردية ضمن حلقة مفرغة. فرفع سعر الدولار الجمركي يؤدي إلى زيادة تكلفة الاستيراد، ما يدفع التجار إلى اللجوء إلى السوق الموازية للحصول على الدولار، وهو ما يزيد الطلب عليه ويرفع سعره، وبالتالي يضعف الجنيه أكثر. ومع استمرار هذا التدهور، تضطر الحكومة إلى رفع الدولار الجمركي مجددًا، فتستمر الحلقة.
الدولار في الخرطوم ونيالا
وأشار فهمي إلى وجود أسواق نقدية متعددة داخل السودان، نتيجة الانقسام الجغرافي بين مناطق السيطرة المختلفة. ويظهر ذلك في التفاوت الكبير في أسعار الدولار بين المدن، حيث يبلغ نحو 3600 جنيه في نيالا مقابل أكثر من 5500 جنيه في الخرطوم. ويعكس هذا التباين تأثير عوامل محلية مثل العرض والطلب، ومسارات التجارة، والتحويلات المالية، والاعتماد على اقتصاد الظل.
وحول مبررات انخفاض الدولار في العاصمة الإدارية بمدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور، في (مناطق سيطرة حكومة تأسيس) وارتفاعه في بورتسودان، يرى الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي أن هذا التباين الجغرافي الصارخ يعود لانقسام الأسواق والدورة النقدية المعزولة نتيجة الحصار المتبادل للقوتين المتحاربتين لبعضهما البعض.
ويقول في المقابلة مع “راديو دبنقا”: ففي بورتسودان (العاصمة الإدارية الحالية) مثلا، هناك تركز كبير للطلب على الدولار باعتبارها المنفذ البحري الوحيد لتمويل الاستيراد الحكومي والتجاري (أغذية، وقود، أدوية)، والطلب الحكومي لشراء احتياجاتها والخدمات اللوجستية..الخ، ما يفرض ضغطاً هائلاً على الدولار ويرفع سعره.
ويضيف بقوله: اما بمناطق سيطرة حكومة تأسيس الموازية، فالاقتصاد هناك بات يعتمد بشكل متزايد على “اقتصاد الظل” أو خطوط إمداد بديلة (عبر الحدود مع تشاد أو ليبيا او افريقيا الوسطى). وتابع قائلاً: “بالإضافة إلى أن الحركة التجارية التقليدية والاستيراد الضخم متوقفان، والسيولة النقدية بالجنيه السوداني شحيحة جداً في دارفور وفق قرار ما يسمى بحكومة مناطق سيطرة الدعم السريع”.
ويخلص الخبير الاقتصادي إلى أن جوهر الأزمة السودانية لا يكمن في سعر الصرف وحده، ولا في الدولار الجمركي وحده، وإنما في التدمير الواسع للقاعدة الإنتاجية الوطنية وانكماش مصادر النقد الأجنبي بتراجع الصادرات الرسمية واتساع قاعدة الاعتماد على الاستيراد والاعتماد المستمر في زيادة عرض النقود في ظل اقتصاد حرب مستمرة.
ويعتقد أن أي معالجة مستدامة لتدهور الجنيه السوداني لن تتحقق عبر الإجراءات النقدية والإدارية وحدها، وإنما عبر استعادة الإنتاج الزراعي والصناعي والتعديني، وزيادة الصادرات الحقيقية، وإعادة بناء الاقتصاد الحقيقي الذي يشكل المصدر الأساسي للقيمة وللنقد الأجنبي على السواء.


and then