بين فرحة الجلوس وقلق المصير.. ماذا ينتظر طلاب الشهادة السودانية في مناطق سيطرة حكومة تأسيس؟
قرع جرس امتحاناتالشهادة الثانونية في نيالا-7 يونيو 2026- وسائل التواصل
نيالا: 10 يونيو 2026: راديو دبنقا
تقرير: عبد المنعم مادبو
لم تكن الدموع التي انهمرت من عيون بعض الطلاب مع انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة حكومة تأسيس مجرد تعبير عن رهبة الامتحان، بل كانت حصيلة أكثر من ثلاث سنوات من الانتظار القاسي الذي فرضته الحرب على جيل كامل بات مستقبله معلقًا بين مؤسسات دولة منهارة ومناطق نفوذ مقسمة بين أطراف الصراع. ففي مشاهد تداولها ناشطون على نطاق واسع، ظهر طلاب وطالبات وهم يعجزون عن حبس مشاعرهم لحظة توزيع أوراق الامتحانات، بعدما ظل كثير منهم يترقبون هذه اللحظة وسط النزوح وانعدام الاستقرار وتوقف العملية التعليمية. ولم تقتصر الدموع على الطلاب وحدهم، إذ بدت علامات التأثر واضحة أيضًا على بعض المسؤولين الذين أشرفوا على انطلاق الامتحانات، في مشهد عكس حجم الرهانات المعلقة على هذه الخطوة.
غير أن فرحة الوصول إلى مقاعد الامتحان لا تبدد المخاوف التي تلاحق آلاف الطلاب بشأن ما ينتظرهم بعد إعلان النتائج. فبينما يمثل الامتحان بالنسبة لهم بوابة العبور إلى التعليم العالي، تبرز أسئلة مصيرية حول مستقبل الشهادات التي سيحصلون عليها ومدى الاعتراف بها داخل السودان وخارجه. هل ستقبل الجامعات الواقعة في مناطق سيطرة الجيش السوداني هؤلاء الطلاب؟ وهل ستتيح لهم السلطات في مناطق سيطرة حكومة تأسيس فرص التقديم إلى مؤسسات تعليمية خارج نطاق سيطرتها؟ أم أن البدائل ستتجه نحو إنشاء مسارات تعليمية خاصة أو توفير منح دراسية في دول الجوار؟
في بلد مزقته الحرب وأعادت رسم حدوده الإدارية والتعليمية، لا يبدو أن التحدي الحقيقي لهؤلاء الطلاب يكمن في اجتياز الامتحانات فحسب، بل في معرفة ما إذا كانت هذه الأوراق التي حُرموا من الجلوس لها سنوات ستفتح لهم أبواب المستقبل أم ستجد نفسها أسيرة الانقسام السياسي والعسكري الذي يهيمن على المشهد السوداني.
خطوة أولى لمعالجة آثار الحرب
وفقًا للجنة العليا للامتحانات بحكومة تأسيس، فإن عدد الطلاب الذين جلسوا لهذه الامتحانات بلغ نحو 9500 طالب وطالبة في المساق الأكاديمي، تم توزيعهم على 83 مركزًا للامتحان في 7 ولايات، بنسبة 74% من الجالسين من البنات. في وقت لفت فيه رئيس مجلس الوزراء في حكومة السلام، محمد حسن التعايشي، إلى أنه عندما قرر تشكيل اللجنة العليا للامتحانات في أكتوبر الماضي لم يتوقع أن يجلس عشرة آلاف طالب في 83 مركزًا. وذكر أن تنظيم الامتحانات يأتي في إطار رد الاعتبار للطلاب الذين حُرموا من الجلوس لها خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن تنظيمها يبعث برسالة مفادها أن الحق في التعليم والحقوق الأساسية للمواطنين غير قابلة للمصادرة.
وقال التعايشي، خلال تدشين امتحانات الشهادة السودانية بولاية غرب دارفور، إن الامتحانات تمثل خطوة أولى في معالجة آثار الحرب على قطاع التعليم، وليست نهاية المطاف، مشيرًا إلى أن حكومته تعتزم عقد مؤتمر خاص بالتعليم عقب انتهاء الامتحانات لمناقشة القضايا المؤجلة، بما في ذلك المناهج الدراسية، والنظام التعليمي، وأوضاع المعلمين والعاملين في القطاع، إلى جانب تطوير مؤسسات التعليم وإعادة بنائها.
وفي محاولة للإجابة عن التساؤلات المتعلقة بمستقبل الطلاب الذين جلسوا لهذه الامتحانات، كشف رئيس الوزراء التعايشي عن ترتيبات جارية لتأهيل مؤسسات التعليم العالي الخاضعة لإدارة حكومة تأسيس، والتي تضم ثماني جامعات حكومية وعشر كليات خاصة، مؤكدًا أن حكومة السلام ستعمل على ضمان فرص مواصلة الدراسة للطلاب الذين جلسوا للامتحانات، سواء داخل البلاد أو عبر فرص تعليمية خارجية.
خطوات لتشغيل الجامعات
وفي السياق، يشير الدكتور موسى الأمين، عضو لجنة تسيير شؤون جامعة الضعين، إلى أن حكومة السلام بدأت بالفعل اتخاذ خطوات لإعادة تشغيل مؤسسات التعليم العالي واستيعاب الطلاب المتوقع تخرجهم من المرحلة الثانوية.
وأوضح الأمين لراديو دبنقا أن وفدًا برئاسة وزير المالية الاتحادي زار جامعة الضعين بالتزامن مع انطلاق امتحانات الشهادة السودانية، في إطار جولة شملت عددًا من الجامعات الواقعة في مناطق سيطرة الحكومة. وأضاف أن الوفد وقف على أوضاع الجامعة واستمع إلى إفادات من الأساتذة والموظفين والطلاب، كما اطلع على أوضاع الكليات والمعامل والقاعات الدراسية والبنية التحتية للمؤسسة. وأوضح أن جامعة الضعين تضم 12 كلية، من بينها الطب والمختبرات الطبية والإنتاج الحيواني وعلوم الحاسوب، وذكر أن حكومة السلام تعكف على وضع ترتيبات لإعادة فتح الجامعة في أقرب وقت ممكن بهدف معالجة التراكم الأكاديمي واستئناف الدراسة للطلاب القدامى، إلى جانب الاستعداد لاستقبال الطلاب الجدد الذين يجلسون حاليًا لامتحانات الشهادة السودانية.
وأضاف أن المسؤولين الحكوميين قدموا خلال الزيارة تصورًا تشغيليًا لإعادة نشاط الجامعات، مؤكدًا وجود تنسيق وخطط عملية لاستئناف العملية الأكاديمية. وقال إن هذه الخطوات تمثل مؤشرًا إيجابيًا للطلاب وأسرهم، وتبعث برسالة مفادها أن هناك سعيًا لضمان استمرار التعليم العالي وعدم ضياع الفرص التعليمية للآلاف من الشباب الذين تأثروا بالحرب.
سلاح في حرب الشرعية
لكن عضو المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، شمس الدين ضو البيت، يرى أن العقبات التي تواجه الطلاب لن تنتهي بانتهاء الامتحانات، بل قد تستمر بسبب طبيعة الصراع القائم بين الطرفين. ويقول إن “الجهتين تنظران إلى الأمر باعتباره جزءًا من حرب الشرعية”، معتبرًا أن الأزمة وصلت إلى مرحلة بات فيها السودانيون بحاجة إلى فرض حلول تحمي مصالحهم بعيدًا عن حسابات الصراع السياسي والعسكري.
ويحذر ضو البيت ــ في حديث لراديو دبنقا ــ من أن الخلاف حول الامتحانات الموحدة لا يتعلق بمستقبل الطلاب وحدهم، بل يمس أحد أهم مقومات الوحدة الوطنية. ويضيف أن التعليم، إلى جانب العملة والاتصالات والتحويلات البنكية والأوراق الثبوتية، يمثل أحد “ممسكات الوحدة” التي تحافظ على تماسك الدولة ووجدان المجتمع. ويشير إلى أن تجربة الحركة الشعبية، عندما طورت نظامًا تعليميًا منفصلًا باللغة الإنجليزية في منطقة (كاودا)، تقدم مثالًا على الكيفية التي يمكن أن يسهم بها الانقسام التعليمي في تعميق الانقسام السياسي.
الحرمان من الامتحانات غير مقبول
ورغم مخاوفه من تداعيات الخطوة، يؤكد ضو البيت أنه لا يحمّل حكومة تأسيس مسؤولية تنظيم الامتحانات، مشيرًا إلى أن حرمان الطلاب من الجلوس للامتحانات لم يعد خيارًا مقبولًا. ويستشهد بالمشاهد التي ظهرت في مدينة نيالا خلال فبراير الماضي، عندما ناشدت طالبات إحدى المدارس السلطات والمؤسسات المعنية السماح لهن بأداء الامتحانات بعد سنوات من الانتظار. ويقول إن نحو 6 آلاف طالب فقط تمكنوا من الجلوس للامتحانات التي انعقدت في أبريل الماضي، متسائلًا عن مصير مئات الآلاف الآخرين الذين دفعتهم الحرب إلى مسارات مختلفة، من بينها العمل في التعدين الأهلي أو الانخراط في القتال ضمن صفوف أطراف النزاع.
ويعتقد ضو البيت أن الطرفين المتحاربين أثبتا قدرتهما على التوصل إلى تفاهمات في ملفات اقتصادية معقدة مثل النفط، متسائلًا: (إذا كان بالإمكان الاتفاق على البترول، فلماذا لا يتم الاتفاق على مستقبل مئات الآلاف من الطلاب ووحدة السودان؟). ويحذر من أن أخطر ما يمكن أن تفرزه الحرب هو تحويل الحق في التعليم والجلوس للامتحانات إلى أداة في الصراع السياسي.
وفي مقارنة مع تجارب دول أخرى شهدت انقسامات وحروبًا داخلية، يشير ضو البيت إلى الحالة السورية، حيث واجه الطلاب في مناطق المعارضة مشكلات مشابهة تتعلق بالاعتراف بالشهادات. ويوضح أن بعض الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا، أتاحت آليات لمعادلة الشهادات التي حصل عليها الطلاب في مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة المركزية، بينما اضطر آخرون إلى العودة إلى مناطق سيطرة النظام للحصول على الوثائق الرسمية اللازمة لمواصلة تعليمهم، وهو سيناريو لا يستبعد ضو البيت تكراره في السودان إذا استمرت حالة الانقسام الحالية.


and then