قوات من الشرطة (ارشيف)

امستردام: 12/ مايو /2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
تسارع حكومة “تأسيس” الخطى لاستكمال مؤسساتها وهياكلها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها بحثاً عن الشرعية والاعتراف الدولي، فبعد الفراغ من تعيين بقية الوزراء ووزراء الدولة والوكلاء والمديرين العاميين.

شرعت حكومة “تأسيس” التي تتخذ من مدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور مقراً لها، في تكوين جهاز شرطة جديد في محاولة لاستكمال هياكل السلطة ومؤسساتها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، لإدارة شؤونها.

وبحث رئيس وزراء حكومة “تأسيس” محمد حسن التعايشي، مع وزير الداخلية سليمان صندل، ومدير عام قوات الشرطة اللواء بشير آدم عيسى، إعادة هيكلة الشرطة وتكوينها بصورة تعكس كافة أقاليم السودان، بما يحقق التوزيع العادل والمتوازن داخل المؤسسة.

محمد حسن التعايشي رئيس وزراء حكومة تأسيس

وأكد التعايشي على أهمية بناء جهاز شرطي مستقل بعيداً عن أي ولاءات أيديولوجية أو حزبية أو جهوية، داعياً إلى تأسيس شرطة قائمة على مبادئ المهنية والحياد واحترام حقوق الإنسان، مع ترسيخ سيادة حكم القانون وفق معايير العدالة والنزاهة والشفافية، وصون النظام الديمقراطي.

كما بحث الاجتماع مشروعات السجل المدني وإصدار الوثائق الرسمية والجوازات إلى جانب القضايا المتعلقة بالجنايات والمباحث والمرور والسجون والمحاكم.

ويرى مراقبون أن قرار تشكيل حكومة مستقلة في نيالا وصولا لاستكمال هياكلها وتأسيس شرطة موازية للشرطة السودانية التابعة لحكومة بورتسودان”، بأنها الخطوات تحمل مشروع تقسيم السودان، بينما تؤكد “تأسيس” تمسكها بوحدة السودان وعدم تقسيمه.

مشروعية القرار:

وفي هذا السياق يرى الخبير الأمني والعسكري اللواء شرطة “م” مالك الحسن أبوروف مشروعية القرار ويحمِّل الطرف الآخر “حكومة بورتسودان” المسؤولية بمواقفها.

ويقول في مقابلة مع لـ”راديو دبنقا”: “حسب متابعتي للاوضاع منذ ايام ورش الإتفاق الإطاري عام 2023م، فإن الأجهزة العسكرية والامنية تحتاج لإعادة بناء وقد أكدت الحرب الحالية هذه الفرضية”.

ويعتقد بأن “حكومة الامر الواقع” في بورتسودان ظلت علي الدوام ولاتزال ترفض التفاوض والعمل علي تشكيل حكومة انتقالية، تتولي تنفيذ ماتم التوافق عليه خاصة موضوع اعادة بناء الأجهزة العسكرية والأمنية.

الخبير الأمني والعسكري اللواء شرطة “م” مالك الحسن أبوروف

ويقول أبو روف في المقابلة مع دبنقا : “ولهذا ظلت الحركة الإسلامية ترفض التفاوض رفضاً قاطعاً مما دفع تحالف تأسيس لتشكيل حكومة لنزع الشرعية المدعاة من قبل حكومة الامر الواقع التي رفضت منح المعارضين الرقم الوطني وجوازات السفر وذهبت الي ابعد من ذلك بان وجهت اتهامات لقيادات سياسية مدنية بتهم عقوبتها الإعدام والسجن المؤبد”.

ويضيف قائلاً: ” بالإضافة الي حرمان كل المناطق التي تسيطر عليها قوات تأسيس من الكثير من الخدمات، لاسيما خدمات وزارة الداخلية وحسبما افادت قيادات عليا بتأسيس فإنهم حريصون علي وحدة السودان أرضاً وشعباً”.

بينما يؤكد خبير أمني وعسكري فضل عدم ذكر إسمه، على أهمية حياد واستقلالية أي جهاز إنفاذ قانون وطني، ويشدد على ضرورة التطرق إلى المساءلة وآلية الرقابة على الشرطة.

ويقول الفريق شرطة في المقابلة مع ـ”راديو دبنقا”: “صحيح من الصعب جداً رعاية الحقوق الأساسية في ظل الحروب وعدم الاستقرار الذي يرافق غياب القانون أو ضعفه في افضل الحالات، بل تتقدم اولوية حماية المدنيين في ظل النزاعات وهو امر في غاية الصعوبة تتطلب قيادات ذات شخصيات قوية وكازمة حقيقية للتأثير والسيطرة على القوات على الأرض”.

سياسة الأمر الواقع:

من جهته يرى اللواء شرطة متقاعد الدكتور عصام عباس مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات أن سلطة الدعم السريع، وفي سياق سعيها لاكتساب قدر من الشرعية السياسية والإدارية، بدأت تتجه نحو إنشاء مؤسسات موازية للدولة، في مسعى لفرض سياسة الأمر الواقع، ومن بينها سعت لإنشاء جهاز خاص بالشرطة.

وأضاف في مقابلة مع “راديو دبنقا”: “هذه الخطوة تثير إشكالات ليست بالسهلة تتعلق بطبيعة المؤسسة الشرطية المزمع انشاؤها، وحدود السلطة في ظل النزاع الحالي، ومخاطر عسكرة الفضاء المدني، أكثر مما تتعلق بمجرد حق أي سلطة في إنشاء أجهزة إدارية”.

ويحدد الخبير الأمني والعسكري الدكتور عصام هذه الاشكالات في أنها يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور تتمثل في أزمة بناء جهاز شرطي في ظل غياب التحول المؤسسي، ويقول: إنَّه من المعلوم الآن لايوجد أي بناء مؤسسي متماسك ولارؤية إدارية لدولة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

اللواء شرطة (م) دكتور عصام عباس مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات مصدر الصورة : راديو دبنقا

ويرى أن الشرطة، من حيث الأصل، جهاز مدني وظيفته الأساسية حماية المجتمع، وإنفاذ القانون، وتقديم الخدمات اليومية للمواطنين. ويقول إنَّ نجاح هذه الوظيفة يفترض وجود بيئة سياسية وقانونية مستقرة، وقضاء قادر على الرقابة والمحاسبة، وعقيدة مهنية تفصل بين العمل العسكري والعمل الشرطي.

ويبين عباس أنه في حالة “سلطة تأسيس”، تبدو المشكلة الأساسية ليست في مجرد إنشاء جهاز شرطة، وإنما في طبيعة هذا الجهاز وعلاقته بالقوة العسكرية التي تقف خلفه. ويضيف: “فالأمن الذي تفرضه قوات الدعم السريع في مناطق سيطرتها يقوم أساسا على منطق الردع العسكري والسيطرة المسلحة، لا على مفهوم الأمن المدني القائم على الخدمة العامة وسيادة القانون”.

ويحذر من أن الخشية الحقيقية تكمن في أن يتحول جهاز الشرطة المقترح إلى واجهة مدنية لقوة عسكرية، دون إعادة هيكلة مؤسسية حقيقية تضمن استقلاليته ومهنيته وخضوعه للمساءلة القانونية. ويضيف: “هذه أشياء يتعذر أن تتوفر في ظل ما نشاهده وما نتابعه من واقع في نيالا ومناطق سيطرة قوات الدعم السريع، يتعذر وجود مؤسسة حقيقية تضمن استقلالية ومهنية هذه الشرطة وأن تكون خاضعة للمسائلة القانونية”.

مؤسسات سيادية موازية:

ويشير اللواء شرطة متقاعد الدكتور عصام عباس مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات في المقابلة مع راديو دبنقا إلى أن المحور الثاني يتمثل في مخاطر إنشاء مؤسسات سيادية موازية للدولة، معنية بقضايا تمس الدولة بأكملها وليس إقليم بعينه،ويقول في هذا الصدد: “تزداد خطورة التجربة حين تمتد وظائف الجهاز الشرطي إلى مجالات ذات طابع سيادي، مثل تنظيم الهجرة، وإدارة الوجود الأجنبي، وإثبات الهوية، وغيرها من الاختصاصات المرتبطة تقليديا بالدولة المركزية الموحدةعلى مستواها السيادي .

ويقول: صحيح أن سلطات الأمر الواقع في مناطق النزاع تضطر أحيانا إلى إدارة بعض الشؤون المدنية، بحكم الضرورة، لكن الانتقال من الإدارة المؤقتة إلى بناء مؤسسات سيادية موازية يحمل مخاطر سياسية كبيرة، لأنه يرسخ واقعا مؤسسيا منفصلا قد يصعب التراجع عنه مستقبلا.

ويضيف: “بأننا نتحدث عن وحدة السودان ونضع في قضايانا كمجتمع مدني مهتم بالأزمة السودانية، مجموعة شعارات تتعلق بالدعوة إلى وقف الحرب، وتنفيذ عملية إنسانية متكاملة لجبر الضرر، وندعو على ألا يتم عمل ترتيبات تؤثر أو تهدد لوحدة السودان”.

ويحذر عباس من أن هذه الخطوة إذا أسندت إلى الشرطة المزمع إنشاؤها وإمكانية القيام بوظائف ذات طابع سيادي تتعلق بوحدة السودان كالهوية سيكون هذا الأمر فيه تهديد مباشر لوحدة السودان محذراً من أن هذه الخطوة قد يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

ويعتقد بأن الإشكال لا يتمثل بالضرورة في أن إنشاء الشرطة يعني مشروع انفصال مكتمل، وإنما في أن تعدد الأجهزة السيادية خارج إطار الدولة الوطنية يسرّع من عملية تفكك السلطة المركزية، ويكرّس الانقسام السياسي والإداري في البلاد.

المسائلة في ظل الانتهاكات:

أما المحور الثالث، كمايرى اللواء شرطة متقاعد الدكتور عصام عباس مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات، يتعلق بإشكالية الثقة والمساءلة في ظل الانتهاكات المستمرة، ويقول إنَّ أي جهاز شرطي يكتسب مشروعيته من قدرته على حماية الحقوق وخضوعه للمحاسبة القانونية. ويضيف: “غير أن هذا الشرط يصبح محل شك كبير عندما تكون الجهة القائمة على تأسيس الجهاز متهمة بارتكاب انتهاكات موثقة، تشمل الاعتقال التعسفي، والابتزاز، وسوء معاملة المحتجزين بالإضافة لسجلها الراسخ والموثق في جرائم الحرب.

ويشير إلى أنه في ظل غياب آليات مستقلة للتحقيق والمحاسبة، يبرز تساؤل لا يمكن تجاوزه: كيف يمكن لقوة متهمة بانتهاكات جسيمة أن تتحول إلى الجهة نفسها المكلفة بإنفاذ القانون وحماية المواطنين.

وينبه عباس إلى أن الخطر هنا لا يقتصر على التناقض الأخلاقي، بل يمتد إلى احتمال إعادة إنتاج الممارسات نفسها لكن تحت غطاء مؤسسي جديد، بما يؤدي إلى تقويض الثقة العامة في أي جهاز شرطي يتم إنشاؤه في هذه الظروف.

وختم الخبير في مجال تحليل البيانات في المقابلة مع دبنقا بالقول أن المشكلة الأساسية ليست في مبدأ إنشاء مؤسسات مدنية في مناطق النزاع بحد ذاته، وإنما في طبيعة هذه المؤسسات، ومدى استقلالها، وعلاقتها بالقوة العسكرية، وغياب الضمانات القانونية والسياسية التي تمنع تحولها إلى أدوات لتكريس السلطة القمعية.

وخلص إلى أن أي محاولة لبناء جهاز شرطي في ظل الحرب والانقسام، تظل معرضة لأن تصبح امتدادا للأزمة، لا مدخلا حقيقيا لمعالجتها.

Welcome

Install
×