نيويورك تايمز: طائرات مُسيّرة تركية تنطلق من مصر لمهاجمة قوات الدعم السريع
أمستردام – 2 فبراير 2026 (وكالات)
نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرًا أكدت فيه وجود قاعدة عسكرية مصرية سرية داخل مشروع استصلاح الأراضي في شرق العوينات، تُستخدم لإطلاق طائرات مُسيّرة في مواجهة قوات الدعم السريع.
وأوضح التقرير أن وتيرة الضربات الجوية المنطلقة من القاعدة الجوية المصرية تسارعت بشكل كبير عقب سقوط مدينة الفاشر.
وقالت قوات الدعم السريع، في بيان لها صدر في نوفمبر، إنها كانت على علم بأن الطائرات المُسيّرة التي استهدفت قواتها «انطلقت من قاعدة أجنبية»، محذّرة من أنها سترد «في الزمان والمكان المناسبين».
وقال الفريق محمد حمدان، في خطاب مصوّر قبل أشهر:
«استمعوا إلى هذه الكلمات جيدًا. أي طائرة مُسيّرة تقلع من أي مطار تُعدّ هدفًا مشروعًا بالنسبة لنا».
وتشير صور الأقمار الصناعية وسجلات الرحلات الجوية ومقاطع الفيديو التي راجعتها صحيفة نيويورك تايمز، إلى جانب مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب، إلى أن طائرات عسكرية متطورة بدون طيار، متمركزة في مهبط طائرات مصري، تشن غارات جوية في السودان منذ ستة أشهر على الأقل. وتستهدف هذه الغارات قوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية متطرفة تخوض معارك ضد الجيش السوداني منذ أكثر من ألف يوم.
موقع القاعدة
ووفقًا للتقرير، يقع المدرج بجوار دوائر محاصيل عملاقة على أطراف الصحراء الكبرى. وتقلع طائرات عسكرية بدون طيار فوق حقول قمح شاسعة، تاركةً قاعدتها السرية لخوض واحدة من أكبر حروب الطائرات بدون طيار في العالم.
بدأ مشروع استصلاح صحراء شرق العوينات منذ أكثر من ثلاثة عقود، ويقع على الحافة الشرقية للصحراء الكبرى، على بعد نحو 40 ميلًا من الحدود مع السودان. ويعتمد المشروع على أكبر نظام خزان جوفي أحفوري معروف في العالم لتوفير المياه لدوائر المحاصيل العملاقة الخصبة.
وفي عام 2023، زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المشروع، الذي تسيطر عليه المؤسسة العسكرية ويُعد ثاني أكبر منتج للقمح في مصر، للاحتفال بموسم الحصاد. ويضم المشروع مستثمرين أجانب، من بينهم شركات زراعية كبرى من دولة الإمارات العربية المتحدة.
وعلى مدى عقدين من الزمن، كان المشروع يخدمه مدرج مطار واحد يُستخدم لتصدير المنتجات ونقل العمال. غير أنه منذ عام 2018 بدأ المطار يشهد توسعًا هادئًا، كما تُظهر صور الأقمار الصناعية.
وبحلول عام 2024، تم بناء مدرج ثانٍ ونحو 17 حظيرة طائرات، يبدو أنها لأغراض عسكرية. كما تُظهر صور الأقمار الصناعية وجود طائرات مقاتلة وطائرات مُسيّرة صغيرة متمركزة في القاعدة. وتشير بيانات التقطتها شركة «أورسا سبيس»، وهي شركة أمريكية متخصصة في استخبارات الأقمار الصناعية، إلى أن طائرات مُسيّرة أصغر حجمًا تُستخدم لمراقبة الحدود المصرية–السودانية.
وفي يوليو من العام الماضي، هبطت طائرات شحن تركية في مطار شرق العوينات، مما أدى إلى زيادة ملحوظة في النشاط. ورصدت شركة «أورسا سبيس» تركيب نظام اتصالات عبر الأقمار الصناعية بجوار إحدى حظائر الطائرات، إضافة إلى وجود مركبات مرتبطة بنظام التحكم الأرضي. وبعد أسبوعين، جرى تصوير طائرة مُسيّرة من طراز «أكينجي» على مدرج المطار.
غير أن وصول طائرات «أكينجي» المُسيّرة العام الماضي وفّر قدرات أكبر بكثير؛ إذ يبلغ مداها أكثر من 4500 ميل، ويمكنها حمل قنابل تفوق بثلاثة أضعاف على الأقل ما تحمله طائرات «TB2»، وفقًا للخبراء، كما أنها أعلى تكلفة بأربع مرات على الأقل.

هجمات
بحلول ديسمبر، كانت هناك طائرتان مُسيّرتان على الأقل من طراز «أكينجي» تعملان من القاعدة وتستهدفان مواقع داخل السودان.
وفي الوقت الذي كانت فيه الطائرات المُسيّرة تضرب أهدافها داخل السودان، واصلت الطائرات العسكرية وطائرات الشحن التركية الهبوط في القاعدة المصرية، قادمة أحيانًا من بورتسودان. وأظهرت بيانات رحلات جوية صادرة عن شركة «أيريون» لمراقبة الحركة الجوية أن عددًا من تلك الرحلات انطلق من كورلو، وهي قاعدة تركية طوّرت فيها شركة «بايكار» طائرات «أكينجي» واختبرتها.
وقالت وزارة الدفاع التركية في رسالة عبر البريد الإلكتروني:
«لا توجد أي أنشطة للقوات المسلحة التركية في السودان».
ولم ترد وزارة الخارجية المصرية، ولا مركز الصحافة الأجنبية، ولا الجيش السوداني على الاستفسارات المتعلقة بهذا التقرير.
الدعم الخارجي للحرب
بحسب مسؤولين، تُزوّد دولة الإمارات العربية المتحدة قوات الدعم السريع بالأسلحة، في حين تدعم كل من السعودية وقطر الجيش السوداني، الذي حصل أيضًا على أسلحة من تركيا وإيران وروسيا.
وانضمت مصر، بوصفها جارًا للسودان على نهر النيل، إلى الصراع، بعد أن تلقت قاعدتها السرية للطائرات المُسيّرة تهديدات مبطّنة بالانتقام من قوات الدعم السريع.
وتستخدم قوات الدعم السريع طائرات «CH-95» الصينية بعيدة المدى، والتي تُورّدها الإمارات العربية المتحدة، حليفتها الخليجية الثرية. في المقابل، يستخدم الجيش السوداني أحدث الطائرات المُسيّرة العاملة بالأقمار الصناعية من إنتاج شركة «بايكار»، أكبر شركة مقاولات دفاعية في تركيا.
وتنفي الإمارات دعم أي من طرفي النزاع. وقال مسؤول تركي رفيع المستوى إن طائرات «بايكار» المُسيّرة صُدّرت وفقًا للقانون الدولي، وإن الحكومة التركية لا تقدم أي دعم مباشر للجيش السوداني.
وبحسب أربعة مسؤولين أمريكيين ومسؤول من الشرق الأوسط، جرى إخفاء الطائرات المُسيّرة التركية داخل مصر لحمايتها. ولم يتضح بعد ما إذا كانت القوات المصرية أم السودانية هي من تتولى تشغيل هذه الطائرات. وكغيرهم ممن أُجريت معهم مقابلات لهذا التقرير، تحدث هؤلاء المسؤولون شريطة عدم الكشف عن هويتهم نظرًا لحساسية المعلومات الاستخباراتية.
أسباب
يقول مسؤولون إن الدافع الرئيسي لتدخل مصر في الحرب كان سقوط مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور، أواخر أكتوبر الماضي. وفي غضون أسابيع، تقدّم مقاتلو الميليشيات نحو جبهة قتال جديدة في إقليم كردفان بوسط السودان، مهددين باجتياح جديد للبلاد.
وأبدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي كان يخشى منذ فترة طويلة سيطرة قوات الدعم السريع، قلقًا واضحًا إزاء هذه التطورات. وكان قد حذّر في ديسمبر من تجاوز «الخط الأحمر» في السودان، الذي فرّ منه نحو 1.5 مليون لاجئ إلى مصر.
وفي تلك الفترة تقريبًا، بدأت طائرات «أكينجي» التركية بدون طيار—من النوع نفسه الذي ظهر في صور الأقمار الصناعية للقاعدة جنوب مصر—شن غارات في عمق السودان، استهدفت مقاتلي قوات الدعم السريع وقوافل الإمداد أثناء مرورها عبر الصحراء، وذلك وفقًا لتحليل مقاطع الفيديو.
ويُظهر مقطع فيديو بتاريخ 5 نوفمبر موكبًا من أربع شاحنات محترقة في الصحراء السودانية، بعد استهدافه عقب عبوره الحدود من ليبيا، التي يقول مسؤولون إنها أصبحت مصدرًا حيويًا للأسلحة والوقود والمقاتلين لقوات الدعم السريع.
وقال مسؤول أوروبي رفيع المستوى إن طائرات قوات الدعم السريع بدون طيار غالبًا ما تساعد مقاتليها على اختراق خطوط المواجهة، في حين يستخدم الجيش السوداني طائراته التركية بدون طيار لقطع خطوط الإمداد الحيوية القادمة من ليبيا وتشاد.
من جانبه، قال ويم زويجنبرغ، خبير الطائرات بدون طيار في منظمة «باكس» الهولندية، إن قوات الدعم السريع، في مواجهة هذه الضربات، يبدو أنها حصلت على أنظمة تشويش للطائرات بدون طيار وأنظمة صواريخ أرض–جو صينية، يُرجّح أن تكون قد زُوّدت بها من قبل داعميها في الإمارات.
وأضاف زويجنبرغ أن سباق التسلّح بالطائرات المُسيّرة جلب «مزيدًا من الفوضى والدمار» إلى الصراع، مشيرًا إلى أن غارات قوات الدعم السريع أدت إلى تدمير محطات كهرباء ومياه، ما تسبب في انقطاع الكهرباء والمياه النظيفة عن ملايين الأشخاص.


and then