السودان من الفصل السابع الى السادس: الحقائق الغائبة (1)

وعدت بعض الأصدقاء والصديقات الكرام، بالكتابة حول موضوع البعثة الأممية المرتقبة إلى السودان، والتي أحدثت جدلا كثيفا واستقطابا سياسيا حادا وواسعا ينذر بانقسام خطير فى السودان

احمد حسين ادم

 

بقلم / أحمد حسين آدم

 

وعدت بعض الأصدقاء والصديقات الكرام، بالكتابة حول موضوع البعثة الأممية المرتقبة إلى السودان، والتي أحدثت جدلا كثيفا واستقطابا سياسيا حادا وواسعا ينذر بانقسام خطير فى السودان، وذلك في ضوء الخطابين الذين أرسلهما رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السودان، الدكتور عبدالله حمدوك، إلى مجلس الأمن الدولي في 27 يناير 2020 و27 فبراير 2020. حيث طلب حمدوك فى خطابه الأول إلى مجلس الأمن الدولي، إرسال بعثة سياسية خاصة تشتمل على مكون قوي لبناء السلام تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، بينما طلب في خطابه الثاني الذي أرسله إلى مجلس الأمن بعد شهر فقط من تاريخ خطابه الأول، دعم الأمم المتحدة في مفاوضات السلام بين أطراف النزاعات المسلحة، والمساعدة فى حشد المساعدات الاقتصادية والتنموية، وتنسيق المساعدات الإنسانية وتسهيلها، إضافة إلى المساعدة وبناء القدرات فى كل ما يتعلق بإنجاح الانتقال السياسي والديمقراطي في السودان.

لا أريد أن أخوض عميقا في تفاصيل وأسباب الجدل والاستقطاب والانقسام السياسى الحاد الذي أحدثه خطابا حمدوك إلى مجلس الأمن – في هذه الجزء من المقال – لأنني سأتناول ذلك بالتحليل لاحقا فى ثنايا هذا المقال، بيد أنني، أود أن ألفت نظر القراء الأعزاء إلى أن الجدل الدائر حول موضوع البعثة الأممية المرتقبة قد شوّه وخلط كثير من القضايا والمفاهيم والمصطلحات والقواعد والمعايير الراسخة في القانون الدولي، ونصوص ميثاق وممارسات الأمم المتحدة خلال مسيرتها الطويلة منذ العام 1945. بالطبع، ربما أراد البعض – بقصد أو بغير قصد – التضليل وخلط الأوراق، وربما نتج هذا الخلط والتشويش نتيجة لتقصير وإخفاق حكومة حمدوك فى شرح الأمر بالمهنية والشفافية المطلوبة، أو ربما كان ذلك نتيجة للطريقة أو الآلية التي أرسل عبرها حمدوك خطابيه إلى مجلس الأمن الدولي.

مهما كان الأمر، هنالك مواضيع وعناصر مهمة نود تسليط الضوء عليها. وهي مساهمة متواضعة لترشيد وتوجيه النقاش الدائر صوب مظانه واتجاهاته وغاياته المفيدة للوطن، بعيدا عن السطحية والغرض والاستغلال السياسي. وأبرز هذه المواضيع: ماهية الباب السادس والباب السابع من ميثاق الامم المتحدة والفرق بينهما؛ وهل بعثات حفظ السلام الأممية تحت الباب السادس تعني الوصاية الدولية بأى حال من الأحوال؟ ومضمون وغايات خطاب حمدوك؛ ولماذا أثار كل هذا الجدل والاستقطاب السياسى الحاد فى السودان وخارجه؟ وما علاقة اليوناميد بالبعثة السياسية المرتقبة؛ وهل سيكون للبعثة تفويض لحماية المدنيين؛ وهل ستحل البعثة السياسية الخاصة محل بعثة يوناميد؟ وإذا كانت البعثة الخاصة لا تملك تفويضا أو تشتمل على مكون عسكرى أو "بوليسي" لحماية المدنيين، و كيف سيملأ الفراغ الأمنى فى دارفور، وما هى القوة التي ستحمي المدنيين؟ الجيش أم الشرطة أم قوات الدعم السريع، أم قوة مشتركة ستنبثق عن مسارات السلام الجارية مع الحركات المسلحة؟ وما الذي يجري في كواليس مجلس الأمن الدولي حيال هذا الأمر، خاصة مواقف الدول الكبرى والدول الأفريقية الممثلة في مجلس الأمن الدولي؟  والمأزق والمخرج.

الفصلان السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة:

كما هو معروف، فإن الفصل السادس من الميثاق يتعلق بحل المنازعات وفقا للوسائل السلمية. وهو يحتوي على ست مواد عاملة (من 33 إلى 38). وهذا الفصل يتعلق بالمنازعات بين الدول، وكذا المنازعات الداخلية التي تنشأ داخل إقليم الدولة وتهدد السلم والأمن الدوليين.  حيث تطالب الفقرة الأولى من المادة 33 فى الفصل السادس أطراف أى نزاع يعرّض السلم والأمن الدوليين للخطر أن يلتمسوا حله فى البدء عبر التفاوض والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات الأممية والمنظمات الإقليمية. لكن إذا فشلت أطراف النزاع في حل النزاع المسلح بالوسائل السلمية، يجب عليها عرضه على مجلس الأمن، أو يوصي مجلس الأمن الدولي من تلقائه بما يراه مناسبا أذا رأى أن استمرار النزاع قد يعرض الأمن والسلم الدوليين إلى الخطر. أما الفصل السابع فيتعلق باستخدام القوة فى حالات تهديد السلم والأمن الدوليين ووقوع العدوان، وهو يحتوي على ثلاث عشرة مادة (من 39 إلى 51)، تبدأ بالتدابير والعقوبات الاقتصادية والتجارية والحصار الجوي والبحري وصولا إلى استخدام القوة المسلحة.

هل بعثات حفظ السلام تعنى الوصاية الدولية؟

بعثات حفظ السلام تحت الفصل السادس من الميثاق لا تعنى الوصاية الدولية بأي حال من الأحوال. إذ أن الوصاية الدولية هى مفهوم قانوني دولي يعني خضوع إقليم سياسي معين لإدارة دولة أخرى، وفقا لشروط خاصة تنص عليها اتفاقية تبرم بينهما ويشرف على تنفيذها "مجلس الوصاية" التابع للأمم المتحدة.  أنشأت الأمم المتحدة نظام الوصاية منذ تأسيسها فى العام 1945، بموجب الفصل 12 من ميثاقها. وذلك بغرض الإشراف على بعض الأقاليم التى كانت تناضل من أجل الاستقلال عن الدول المستعمرة، بغية النهوض بها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتحقيق الرفاهية لشعوبها، إضافة إلى تأهيلها للحكم الذاتي وتقرير المصير بهدف تحقيق السلم العالمى. كما هو معلوم، فإن نظام الوصاية قد حل محل نظام الانتداب الذي كان معمولا به فى عهد عصبة الأمم التى حلت محلها الأمم المتحدة، حيث إن نظام الوصاية قد تم تطبيقه على الدول ناقصة السيادة. ووفقا لهذا النظام حددت الأمم المتحدة 11 إقليما سياسيا شملها نظام الوصاية. حيث نصّت المادة 77 من ميثاق الأمم المتحدة أن يشمل نظام الوصاية الأقاليم التى تقع ضمن الفئات التالية: الأقاليم الموضوعة تحت انتداب أنشاته عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى؛ والأقاليم المقتطعة مما يسمى "دول الأعداء" جراء الحرب العالمية الثانية؛ والأقاليم التى تضعها تحت الوصاية وفقا لرغبتها دول مسؤولة عن إدارتها. هذا، وقد انتهى نظام الوصاية من تحقيق مهمته التاريخية حيث لم تعد هنالك أي أقاليم خاضعة له، وذلك بعد أن استقلت هذه الأقاليم واستقرت أحوالها بتأسيس هيئات وطنية تدير شؤون الحكم فيها. وجدير بالذكر، أن مجلس الأمن الدولى أنهى في العام 1994 اتفاق الأمم المتحدة للوصاية الخاص بآخر إقليم فى العالم، وهو إقليم جزر المحيط الهادي "بالاو" الذى كانت تديره الولايات المتحدة.  أذن، ليس هنالك نظام للوصاية قائما اليوم، وبالتالي ليس هنالك علاقة بين عمليات حفظ السلام وفقا للباب السادس ونظام الوصاية المعروف في الأمم المتحدة.

خطابا حمدوك إلى مجلس الأمن وتداعياتهما على حماية المدنيين:

كما أوضحت في مستهل هذا المقال أن الدكتور عبدالله حمدوك، رئيس وزراء الحكومة الانتقالية قد أرسل خطابين إلى مجلس الأمن الدولي. لكن لماذا أرسل خاطبين إلى ذات المؤسسة خلال شهر فقط؟ وهل هنالك اختلاف بين الخطابين؟

في خطابه الأول في 27 يناير 2020، والمنشور في الموقع الإلكتروني لتقارير مجلس الأمن الدولي، التمس حمدوك من مجلس الأمن إنشاء عملية دعم سلام على هيئة بعثة سياسية خاصة تشتمل على مكون سلام قوي تحت الفصل السادس من الميثاق، حيث طلب أن تغطي البعثة كامل الأراضى السودانية، على أن تكون "خلاقة ورشيقة ومنسقة وخفيفة"، وذلك في أسرع وقت ممكن! على أن تبدأ البعثة بإرسال عناصرها بشكل عاجل لمساعدة وتسهيل عملية السلام فى جوبا، ومساعدة السودان فى حشد المساعدات الاقتصادية الدولية بما فى ذلك دعم جهود تنظيم مؤتمر المانحين. كما طالب بإضافة المساعدة فى تطبيق وثيقة الإعلان الدستورى وقضايا أخرى إلى تفويض البعثة.

أما خطابه الثاني فى27 فبراير فقد كان قصيرا جدا – صفحة واحدة – قدم كملحق للخطاب الأول. حيث أدخل فيه مجددا دعم عملية السلام أو المفاوضات فى جوبا، والمساعدة فى حشد المساعدات الاقتصادية والتنموية، وتنسيق وتسهيل المساعدات الانسانية ودعم القدرات من أجل إصلاح الخدمة المدنية، والدعم المادى والفنى لتسهيل عملية نزع سلاح المقاتلين السابقين وتسريحهم ودمجهم في المجتمع، ودعم تسهيل عودة النازحين واللاجئين والمصالحات بين المجتمعات المحلية والعدالة الانتقالية، والمساعدة فى عملية الإحصاء السكاني والانتخابات، إضافة إلى مواضيع أخرى لا يتسع لها هذا المقام.

كما هو واضح من خطابيه إلى مجلس الأمن، يسعى حمدوك إلى الحصول على بعثة سياسية خاصة يغطي تفويضها كامل الأراضي السودانية، كما قال، يريد بعثة "خلاقة ورشيقة ومنسقة وخفيفة"، كما أنه يريد بعثة لكل السودان تحل محل البعثة الأممية الافريقية المشتركة (اليوناميد) في دارفور، لذلك، تجاهل حمدوك قضية جوهرية مصيرية، وهي قضية حماية المدنيين فى دارفور، خاصة حماية الملايين من المدنيين فى معسكرات النزوح الذين يتعرضون إلى انتهاكات جسيمة ومستمرة. ذلك أن البعثة ستكون تحت الفصل السادس ولا تشتمل على أي مكون عسكرى أو قوة بوليسية معتبرة، وبالتالي، فإن خطابي حمدوك لم يجاوبا على أسئلة مهمة، مثل: إذا كانت البعثة السياسية الخاصة لا تملك تفويضا أو قوة لحماية المدنيين في دارفور، إذن: كيف سيُملأ الفراغ الأمنى في دارفور بعد الخروج الكامل لليوناميد وإحلال البعثة السياسية الخاصة محلها؟ واضح أن حمدوك يركز فقط على طلب مساعدة مجلس الأمن فى تعزيز وضع حكومته فى سياق ميزان القوة المختل ضد القوى المدنية لصالح المكونات العسكرية والأمنية في البلاد. ربما تريد بعض الدوائر الدولية مساعدة حكومة حمدوك، وهو أمر مهم، لكنهم تجاهلوا أمر حماية المدنيين فى دارفور الذين يتعرضون للانتهاكات كل يوم، وهو أمر خطير وغير مقبول. إن تركيز اهتمام الحكومة الانتقالية على العاصمة فقط دون الاهتمام بآلام وتطلعات المواطنيين في الأقاليم، لهو أمر يهدد بتداعيات سالبة وخطيرة على كيان الوطن ومستقبله.

في القسم الثاني من هذا المقال سأتناول تفاصيل الفرق بين البعثة السياسية الخاصة المرتقبة والقوة الأممية الإفريقية المشتركة (اليوناميد) ومستقبل الأخيرة، وما يجري خلف الكوليس في مجلس الأمن الدولي (مواقف القوى الكبرى ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي والدول الإفريقية الأخرى خاصة ما يسمى (A3+1) وهى: النيجر وتونس وجنوب إفريقيا وسانت فينست وغرينديس، وذلك على ضوء خطاب المجموعة في مجلس الأمن الدولى فى 24 أبريل 2020، كما سوف أسلط الضوء على فحوى الخطاب المشترك الذي قدماه رئيس مفوضية الاتحاد الافريقى والأمين العام للأمم المتحدة، إلى مجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2020 حول وضع ومستقبل البعثة المشتركة (اليوناميد)، والوضع الأمني والإنساني والحقوقي في دارفور، وسوف أختم بتجليات المأزق الوطني المترتب على خطابى حمدوك وبعض المقترحات للخروج من المأزق.

 

Welcome

Install
×