مجلس حقوق الإنسان يصوت غداً الاثنين على قرار لتجديد ولاية البعثة الأممية
اجتماعات مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.. المصدر:الأمم المتحدة
أمستردام: 4أكتوبر 2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
يصوّت أعضاء مجلس حقوق الإنسان في جنيف التابع للأمم المتحدة، غداً الإثنين، على القرار رقم L.26 المقدم من مجموعة دول “النواة” الخمس برئاسة بريطانيا (“حاملة القلم”) للتمديد لولاية بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة، وذلك في ختام الدورة العادية الـ63 المنعقدة لفترة شهر واحد امتدت من التاسع من سبتمبر وحتى التاسع من أكتوبر للمجلس.
وأكملت مجموعة دول النواة الخمس برئاسة بريطانيا “حاملة القلم”، وعضوية كل من إيرلندا والنرويج وهولندا وألمانيا، اليوم الجمعة، إجراءات إيداع مشروع القرار على طاولة مجلس حقوق الإنسان في صورته النهائية والمتعلق بالتقرير السنوي لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وتقارير المفوضية السامية والأمين العام.
وجاء القرار بعنوان: “الاستجابة لأزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الناجمة عن النزاع المسلح الدائر في السودان”. وتم إيداع القرار بلغات الأمم المتحدة الست: العربية، والروسية، والصينية، بالإضافة إلى الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية.
وطالب القرار بعثة تقصي الحقائق بتقديم تقرير لمجلس حقوق الإنسان في الدورات 65 و66 و67، وللجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ82 في سبتمبر العام القادم.
تجويد لغة الإدانة:
وقال المدافع والناشط في مجال حقوق الإنسان د. محمد صالح يس لـ”راديو دبنقا” إنَّ القرار تم إيداعه اليوم الجمعة بصورته النهائية، وهو مقدم من مجموعة دول “النواة” الخمس برئاسة بريطانيا حاملة القلم.
ومجموعة “النواة” هي مجموعة الدول التي تقود مشاريع القرارات المتعلقة بحقوق الإنسان (مثل ملف السودان)، وقد حظي القرار بتأييد ودعم واسع؛ حيث انضمت إليه أكثر من 34 دولة، أبرزها أستراليا والنمسا وبلجيكا.
ووصف يس القرار بأنه جيد في محتواه، مشيراً إلى أن الجلسات الخاصة بمداولات إجازة مشروع القرار شهدت في الأسبوع الأخير ملاسنات ومراشقات بين بعض منظمات المجتمع المدني الدولية ومندوب “ديسك السودان”، وتبادلاً للاتهامات والاتهامات المضادة.
وقال: لكن ملخص الأمر في النهاية هو صدور القرار بإدانة الطرفين: القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في انتهاكاتها، وطالب بالتحقيق في كل الجرائم المرتكبة.
بيد أن القرار خلا من تضمين إدانة بمزاعم استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية، لرفض بعض الدول ذلك بسب عدم صدور تقرير مستقل من جهة فنية مثل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، واستُبعدت هذه النقطة من القرار لعدم الاعتماد على التقارير الإعلامية.
الجديد في القرار:
واعتبر المدافع الحقوقي د. محمد صالح يس أن الجديد في القرار أنه أمّن على كل القرارات السابقة وأضاف إليها وجوّد في لغة الإدانات، والمطالبة بالمحاسبة، وضمان عدم الإفلات من العقاب، واحترام جميع مبادئ وقوانين حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتعزيزها.
وأشار إلى أن القرار تجاهل الأخذ في الاعتبار المطالباتِ من بعض الدول بأن يُخاطَب السودان كدولة وكحكومة، وإنما تم الإبقاء على أن يُخاطَب بالسلطات، أو السلطات السودانية، أو سلطات الأمر الواقع.
وأبان أن هذا الأمر كان محل تجاذب ومطالبات من بعض الدول بألا يتم المساواة بين الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، لكن القرار لم يخاطب السودان كحكومة وإنما خاطبها بالسلطات السودانية.
وقال يس إنّ القرار شجع على الحفاظ على الأدلة، بما في ذلك التوثيق المنهجي للضحايا، وشدد على أهمية الحفاظ على الأدلة لأغراض المساءلة، بما في ذلك سبل الإنصاف ودفع التعويضات في المستقبل. كما حث الضحايا على التعاون مع الآلية بالإدلاء بشهاداتهم، معتبراً أن ذلك يحفظ لهم حقهم لاحقاً في مرحلة تطبيق العدالة والتعويضات وجبر الضرر، وأن قضية الضحايا تظل في مركز الاهتمام، مضيفاً أن القرار أورد إحصائيات للأعداد الضخمة من النازحين واللاجئين والمهجرين قسراً.
الآليات الوطنية:
وأوضح الخبير الحقوقي محمد صالح يس أن القرار أقرّ الاعتراف بلجنة التحقيق الوطنية وأن تقوم بعملها في التحقيق في كل الفظائع ومقاضاة المسؤولين عنها، من خلال مساءلة وطنية ونزيهة وفقاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الوطني، داعياً إلى أن يكون هناك تنسيق بينها وبين الآليات الإقليمية والدولية.
وقال إنَّ هذا الشرط يعني بالضرورة إلزام الحكومة السودانية بالتعامل مع البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق، غير أنه رأى أن السلطات السودانية لا تريد مثل هذه التوصية كونها لا تعترف بالبعثة من الأساس. مشيراً إلى أن هذا الأمر كان واضحاً في قطع مندوب السودان للمفاوضات وخروجه غاضباً من القاعة وتركه آخرين يتحدثون بالإنابة عنه أثناء التفاوض.
وأشار إلى أن القرار رحب بمؤتمر برلين، وحث الدول التي أعلنت عن دعمها بـ 1.5 مليار يورو بالالتزام بتعهداتها، حاثاً على تقليل الفجوة المالية للحد من النقص في الإغاثة والعون الإنساني، وطالب بأن يتم السماح بوصول المساعدات الإنسانية عبر الممرات من غير شروط، وبأن يتم التجديد للمعابر بصورة مستدامة وليس كل ثلاثة أشهر.
وحذر من شبح المجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد في 14 منطقة في السودان، مشيراً إلى أن هناك تهديداً حقيقياً للتمتع بالحق في الغذاء والحق في العيش في مأمن من الجوع. واعتبر يس أن هذه النقطة جديدة وتتطلب من المجتمع المدني العمل عليها.
كما أشاد بغرف الطوارئ وأثنى على عملهم ومدافعتهم عن حقوق الإنسان، ودعا لحماية كل العاملين في المجال الإنساني والمدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين والصحفيين في كل السودان.
إدانة للتدخل الخارجي
وأدان القرار كل أشكال التدخل الخارجي التي تغذي النزاع سواء كانت من دول أو من كيانات أخرى، ودعا إلى وقف الدعم العسكري، وطالب بالامتثال لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، بينما حث القرار على توسيع نطاقها من دارفور ليمل كل السودان حسب توصية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق.
وذكر أن القرار أشار إلى التدخل الأجنبي والخارجي وشبكات الارتزاق والجهات المرتبطة بهم وتزويدهم بالمعات والأسلحة، وطالب بأن يتم التحقيق وتقديم الجناة للعدالة والمحاسبة على الانتهاكات والتجاوزات لحقوق الإنسان الناجمة عن هذه الشبكات العابرة للحدود والتي تمتد عبر بلدان كثيرة. وقال إنها زودت الدعم السريع بالأسلحة والدعم اللوجستي ودربته وزودته بعناصر أجنبية، بمن فيهم قناصون وخبراء متخصصون في الأسلحة المتطورة وأنظمة المسيرات، شاركوا في عمليات جرت خاصة في مخيم زمزم والفاشر.
وأبان أن القرار حث الدول والجهات والأطراف على احترام وحدة السودان وسلامة أراضيه، معرباً عن رفضه إقامة سلطة حاكمة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
ترحيب بتقرير البعثة:
وقال الخبير الحقوقي د. محمد صالح يس المتابع والمراقب لجلسات مجلس حقوق الإنسان، إن القرار رحب بتقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق، وكل ما ورد عن الجرائم التي وقعت في الفاشر وفي المناطق الأخرى، واستهداف المجموعات العرقية غير العربية، والعنف الجنسي، والفظائع الأخرى، والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية في الفاشر وما حولها، مؤيداً التحذيرات التي أطلقها المفوض السامي من تكرار نفس الفظائع في الأبيّض وما حولها.
وأضاف أن القرار تطرق لكل الانتهاكات بكل أنواعها، بما يشمل العنف الجنسي والجنساني، وأقر آليات المساءلة وجبر الضرر والتعويضات، مشيراً إلى أنها آلية جديدة لم تكن موجودة في القرارات السابقة وتمت إضافتها في هذا القرار.
وأكد أن القرار أقر حماية السكان من الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. وطالب باحترام كل المعاهدات التي وقع عليها السودان وأصبح طرفاً فيها، والالتزام بالإعلان الدستوري لثورة ديسمبر 2019 واتفاق جوبا 2020، والرامية لصون حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وذكر أن القرار أدان القصف العشوائي للبنى التحتية من جميع الأطراف، سواء كان من طرف القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع، وكذلك الهجمات العشوائية على المدنيين والبنى التحتية الحيوية كالمستشفيات وغرف العمليات والولادة والمرافق الضرورية.
كما أن القرار، بحسب يس، أدان الإعدامات الجماعية والاستهداف العرقي والعنف الجنسي، والاعتقال والاحتجاز التعسفي، وكرر دعوته لجميع الأطراف لحماية المدنيين وفق القانون الدولي ومحاسبة جميع مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. كما شدد على إدانته للانتهاكات ضد الأطفال والمشردين داخلياً، وداعياً إلى عدم تجنيد الأطفال، ومؤكداً على المحاسبة لمرتكبي أعمال العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، وضد بعض الرجال والفتيان وذوي الإعاقة.
وأضاف أن القرار شدد على إدانة استخدام المعلومات المضللة والمزورة وخطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي لتأجيج العنف وانعدام الثقة، وخاصة ضد العاملين في المجال الإنساني والصحي والإعلامي وموظفي الأمم المتحدة.
ودعا القرار جميع الأطراف لخفض حدة التوتر، واحترام المدنيين، والسماح بحرية التنقل للناس لتلبية احتياجاتهم والوصول للمساعدات الإنسانية كما ينص القانون الدولي.
اعتماد الآليات السابقة:
وأشار محمد صالح يس المهتم بقضايا حقوق الإنسان في المقابلة مع “راديو دبنقا” إلى أن القرار اعتمد كل البيانات والآليات السابقة دون أن يسقط أي آلية منها، بما يشمل آليات الأمين العام بشأن السودان، ومبعوثه الشخصي، والمفوض السامي لحقوق الإنسان، والخبير المعني بحقوق الإنسان في السودان، والبعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بالسودان، والمستشار الخاص للأمين العام المعني بالإبادة الجماعية، وتقارير الأمين العام بشأن الأطفال والنزاع المسلح في السودان.
وقال إنه بالإضافة لكل ذلك، أخذ القرار في الاعتبار قرارات الاتحاد الأفريقي واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والمبعوثة الخاصة لمفوضية حقوق الإنسان المعنية بالمرأة والسلام والأمن، بالإضافة إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي، والمجموعة الرباعية المعنية بالسودان منذ بدء الحرب والنزاع المسلح في 15 أبريل 2023.
وأكد أن القرار رحب بالدور الذي يقوم به الاتحاد الأفريقي في التعامل مع الوضع في السودان وخارطة الطريق التي تدعو لوقف فوري لإطلاق النار، فضلاً عن دوره القيادي في اللجنة الخماسية لتعزيز التنسيق بين المبادرات المختلفة، ولاحظ إنشاء مكتب الاتصال التابع للاتحاد الأفريقي الذي تم فتحه مؤخراً في السودان ليعمل ويساعد في تنفيذ خارطة الطريق.
وتضم اللجنة الخماسية الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد).
وأوضح أن القرار رحب بقرارات اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب والتمديد للجنة تقصي الحقائق التابعة للاتحاد الأفريقي لعام آخر، كما رحب بإعلان بانجول المعتمد في 12 مايو 2024 والعمل المشترك بينه وبين بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، داعياً لأن يكون هناك تعاون وتكامل وتنسيق بين آليات المساءلة الوطنية والإقليمية والدولية.

and then