خبير: ارتفاع التضخم نتيجة لتدمير القاعدة الإنتاجية والاعتماد على الواردات
صورة لأحد مراكز بيع السلع الاستهلاكية - مصدر الصورة وسائل التواصل الاجتماعي
أمستردام: السبت 26 سبتمبر 2026م – راديو دبنقا
أرجع خبير اقتصادي ارتفاع معدلات التضخم إلى الاعتماد الكبير على الواردات بسبب تدمير الحرب للقاعدة الإنتاجية وتخريبها، فضلاً عن تدهور سعر الصرف والتسعير بالدولار الجمركي، وفرض الرسوم والجمارك على السلع، إلى جانب مختلف رسوم العبور المتبقية.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور وائل فهمي إنَّ الحرب ما زالت مستمرة وتمنع أعداداً كبيرة جداً من المواطنين من العودة إلى مناطق الإنتاج لتوفير السلع محلياً وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مشيراً إلى أن ذلك يعد أحد الأسباب الواضحة لارتفاع معدلات التضخم.
وأضاف في حديثه لـ “راديو دبنقا” أن تكاليف نقل البضائع من منطقة لأخرى قد ارتفعت، مبيناً أن السوق مقسم بين مناطق سيطرة الدعم السريع وسيطرة الجيش السوداني، بينما لم يتمكن الناس من بدء الإنتاج بالشكل المطلوب.
ارتفع معدل التضخم لشهر أغسطس على المستوى الشهري ليسجل 3.32% مقارنة بنسبة 1.47% لشهر يوليو الماضي، وسط تضخم مستمر في أسعار السلع الاستهلاكية والخدمية. وفي المقابل، انخفض معدل التضخم السنوي لشهر أغسطس لعام 2026م إلى 26.14% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي الذي سجل 81%.
وكان الجهاز المركزي للإحصاء قد نشر تقريره الشهري، الذي اطلع عليه “راديو دبنقا”، حيث أشار إلى أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك سجل 742,830.07 نقطة لشهر أغسطس 2026م، مقارنة بـ 718,930.72 نقطة في شهر يوليو 2026م، بارتفاع بلغت قيمته 23,899.35 نقطة.
وقال د. فهمي إن إعلان الجهاز المركزي للإحصاء عن انخفاض التضخم السنوي في السودان في أغسطس 2026 إلى 26.14% مقارنة بـ 41.6% في يوليو، يرافقه ارتفاع في الرقم القياسي العام للأسعار من 718,930.72 نقطة في يوليو إلى 742,830.07 نقطة في أغسطس؛ أي بزيادة شهرية بلغت نحو 3.32%. وأكد أن هذا الرقم مهم جداً لأنه يقيس مستوى الأسعار نفسه، وليس فقط معدل تغيرها.
ارتفاع الأسعار والدخل ثابت
وأشار د. وائل فهمي إلى أنه حين ترتفع الأسعار ويظل الدخل النقدي للمواطن ثابتاً، فإن الدخل الحقيقي ينخفض؛ أي إن القيمة الاقتصادية الفعلية للراتب أو الأجر أو المعاش تتراجع، حتى لو لم ينخفض الرقم المكتوب على الورقة أو في الحساب المصرفي.
ولفت إلى ضرورة التمييز بين مفهومين: انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وانخفاض التضخم لا يعني استعادة القوة الشرائية. وتابع قائلاً: “الاقتصاد يمكن أن ينتقل من تضخم مرتفع جداً إلى تضخم أقل، بينما تظل الأسعار عند مستويات مرتفعة جداً، ويستمر الدخل الحقيقي في التآكل إذا كانت الأجور والدخول لا ترتفع بالقدر نفسه”.
ونوه إلى أن مقارنة أغسطس 2026 بأغسطس 2025 يجب أن تُقرأ بحذر، لأن الأسعار في أغسطس من العام الماضي كانت قد ارتفعت بالفعل بصورة كبيرة، مشيراً إلى أن جزءاً من انخفاض التضخم السنوي الحالي يرتبط بما يسمى اقتصادياً “أثر سنة الأساس”.
وتساءل قائلاً: “ماذا تعني أرقام أغسطس للقوة الشرائية؟”، موضحاً أن المعنى الاقتصادي المباشر هو أن الجنيه السوداني واصل فقدان جزء من قدرته على شراء السلع والخدمات خلال أغسطس.
وأضاف: “الزيادة الشهرية البالغة 3.32% في المستوى العام للأسعار تعني أن تكلفة سلة السلع والخدمات التي يقيسها الرقم القياسي أصبحت أعلى. وبالتالي، فإن المواطن الذي لم ترتفع دخوله الاسمية بما يعادل ارتفاع الأسعار يواجه انخفاضاً في دخله الحقيقي، وهذا يظهر بصورة أوضح في الحياة اليومية”.
الريف والحضر
وأشار الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي إلى أن التضخم الحضري والريفي يكشفان اختلاف الضغوط الاقتصادية، مبيناً أن التضخم في المناطق الحضرية بلغ 38.05% مقابل 19.26% في المناطق الريفية؛ أي إن معدل التضخم الحضري يقارب ضعف الريفي.
وقال: “إن انخفاض معدل ارتفاع الأسعار لا يكون دائماً نتيجة تحسن العرض؛ ففي اقتصاد يعاني من تدهور الدخول، يمكن أن يضعف الطلب لأن الناس لا تملك القدرة الشرائية الكافية للشراء”. وأردف: “وهنا يصبح من الخطأ تفسير انخفاض التضخم الريفي باعتباره دليلاً تلقائياً على تحسن مستوى المعيشة”.
واعتبر أن ارتفاع التضخم في المدن إلى 38.05% يعكس ضغوطاً أكبر في الاقتصادات الحضرية، حيث الاعتماد أعلى على الأسواق وسلاسل الإمداد والنقل والخدمات، إضافة إلى تكاليف السكن والطاقة والمياه.
وأوضح أنه مع عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى المدن والمناطق الآمنة، يمكن أن يرتفع الطلب على الغذاء والسكن والنقل بسرعة، في حين لا تكون الطاقة الإنتاجية والبنية التحتية وسلاسل الإمداد قد استعادت قدرتها الكاملة، مما ينشئ ضغطاً إضافياً على الأسعار إذا نما الطلب أسرع من العرض.
الدولار وإنتاج الأسعار
ولفت د. وائل فهمي إلى أن الدولار يعد جزءاً من آلية “إنتاج الأسعار” في السودان، متسلائلاً عن كيفية فصل هذه التطورات عن سعر الصرف. وأضاف أن تدهور الجنيه أمام الدولار، خصوصاً في السوق الموازية، يرفع تكلفة السلع المستوردة والمدخلات الإنتاجية.
وقال إنه مع ارتفاع سعر الدولار الجمركي الذي تستخدمه وزارة المالية في احتساب الرسوم، ترتفع أيضاً التكلفة المحلية لبعض السلع المستوردة، ثم تنتقل الزيادة عبر سلسلة اقتصادية كاملة.
وأوضح أن ارتفاع سعر الدولار يؤدي إلى زيادة تكلفة الاستيراد والمدخلات والطاقة والنقل، مما يرفع تكلفة الإنتاج والتوزيع، ومع ارتفاع الأسعار تتراجع القوة الشرائية وينخفض الطلب الحقيقي والاستثمار، ما يضع مزيداً من الضغط على الإنتاج.
وأشار إلى نقطة أساسية تتعلق بسعر الصرف، مؤكداً أنه ليس مجرد رقم على شاشة السوق، بل أصبح جزءاً من آلية تكوين الأسعار نفسها، وبالتالي جزءاً من آلية تآكل القوة الشرائية.
وتساءل: “لماذا لا يعني انخفاض التضخم التعافي الاقتصادي؟”، وأجاب: “التضخم يقيس سرعة تغير الأسعار، بينما الرقم القياسي يعكس مستوى الأسعار، والقوة الشرائية تعكس كمية السلع والخدمات التي يستطيع الدخل النقدي شراءها. لذلك يمكن أن ينخفض التضخم بينما تظل الأسعار مرتفعة ويستمر الدخل الحقيقي في التراجع”.
واعتبر أن التعافي الاقتصادي الحقيقي يحتاج إلى حزمة إجراءات أبرزها: زيادة الإنتاج، وتحسن العرض، وزيادة التشغيل والدخول الحقيقية، وتحسين الإنتاجية، واستقرار سعر الصرف، وتوفير النقد الأجنبي، واستعادة سلاسل الإمداد والأسواق.
تعطيل الإنتاج
وأكد الخبير الاقتصادي أن الحرب عطلت الإنتاج والزراعة والتجارة، وأثرت في النقل والطاقة والكهرباء، وقلصت تدفقات النقد الأجنبي، وأضعفت القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
وقال: “لذلك فإن قراءة أرقام معدلات التضخم لشهر أغسطس يجب ألا تتوقف عند سؤال: هل انخفض التضخم؟ بل يجب طرح السؤال الاقتصادي الأهم: ماذا حدث للقوة الشرائية للجنيه؟ وهل أصبحت الدخول والإنتاج والعرض تنمو بما يكفي لتعويض ارتفاع مستوى الأسعار؟”، موضحاً أن انخفاض سرعة ارتفاع الأسعار لا يعيد تلقائياً ما فقدته العملة من قوتها الشرائية.
وشدد على أن الاستقرار النقدي الحقيقي يبدأ عندما يستطيع الاقتصاد أن ينتج أكثر، ويوفر سلعاً وخدمات أكثر، ويولد دخلاً وفرص عمل، ويزيد قدرته على التصدير وتوفير النقد الأجنبي. وتابع: “عندها فقط يمكن أن يتحول انخفاض التضخم من مجرد تباطؤ في ارتفاع الأسعار إلى جزء من مسار تعافٍ اقتصادي حقيقي”.
الأغذية والمشروبات
من جهتها، عزت رئيسة قسم الأرقام القياسية بالجهاز المركزي للإحصاء، نجاة عبد العاطي حسن طه، في حديثها لـ “راديو دبنقا”، هذا الارتفاع إلى زيادة معدلات التغير في عدد من المجموعات السلعية، وعلى رأسها مجموعة الأغذية والمشروبات.
وقالت: “سجل الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك لهذه المجموعة 322,538.55 نقطة لشهر أغسطس 2026م مقارنة بـ 297,568.25 نقطة في يوليو 2026م، بارتفاع بلغ 24,970.30 نقطة، أي بمعدل تغير شهري بلغ 8.39% مقارنة بمعدل سالب (-0.68%) في يوليو 2026م”.
ورأت أن ذلك يعكس ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار مجموعة الأغذية والمشروبات خلال شهر أغسطس، مما أدى إلى ارتفاع المعدل العام إلى 3.32%، حيث ارتفعت أهم مكونات هذه المجموعة كالآتي: الخبز والحبوب بنسبة 12.73%، والسكر بنسبة 5.26%، والزيوت والدهون بنسبة 17.91%، والخضراوات بنسبة 12.27%، والبن والشاي بنسبة 8.19%، بينما ارتفعت منتجات الأغذية غير المصنفة تحت بند آخر بنسبة 3.16% مقارنة بشهر يوليو 2026م.
وأوضحت أن التحول في أسعار مكونات مجموعة الأغذية والمشروبات من معدل شهري سالب في يوليو إلى معدل تغير مرتفع في أغسطس يفسر بوضوح ارتفاع المعدل العام للتضخم من 1.47% إلى 3.32%.
التغير السنوي
وأكدت نجاة عبد العاطي أن الرقم القياسي العام لأسعار السلع الاستهلاكية والخدمية سجل 742,830.07 نقطة لشهر أغسطس 2026م، مقارنة بـ 588,887.04 نقطة في شهر أغسطس 2025م، بارتفاع بلغ 153,943.03 نقطة؛ أي بمعدل تغير سنوي بلغ 26.14%.
وقالت: “نسبة 26.14% هي معدل التغير السنوي الذي يقيس المستوى العام للأسعار خلال عام كامل ما بين أغسطس 2026م وأغسطس 2025م”.
وتابعت: “نتج هذا الارتفاع السنوي عن ارتفاع معظم المجموعات السلعية والخدمية، مثل: الأغذية والمشروبات، والتبغ، والملابس والأحذية، والتجهيزات والمعدات المنزلية، والصحة، والنقل، والاتصالات، والمطاعم والفنادق، والتعليم، والترويح والثقافة”.
وأوضحت أن معدل التغير السنوي يُحسب بقسمة الفرق بين الرقم القياسي للأسعار لشهر أغسطس 2026م والرقم القياسي لشهر أغسطس 2025م على الرقم القياسي لشهر أغسطس 2025م، مضروباً في 100.
وبالحديث عن مجموعة الأغذية والمشروبات، أشارت إلى أن الرقم القياسي لهذه المجموعة سجل 322,538.55 نقطة لشهر أغسطس 2026م مقارنة بـ 267,270.16 نقطة في أغسطس 2025م، بارتفاع قدره 55,268.39 نقطة، وبمعدل تضخم سنوي بلغ 20.68%، مما يعكس استمرار الزيادة في أسعار هذه المجموعة مقارنة بالعام السابق.
المناطق الريفية والحضرية
وأشارت رئيسة قسم الأرقام القياسية إلى أن الرقم القياسي لأسعار المستهلك في المناطق الحضرية سجل 579,447.56 نقطة لشهر أغسطس 2026م مقارنة بـ 419,723.50 نقطة في أغسطس 2025م، بارتفاع قدره 159,724.06 نقطة، وبمعدل تغير سنوي بلغ 38.05%، مما يدل على استمرار ارتفاع الأسعار في الحضر على أساس سنوي.
أما في المناطق الريفية، فسجل الرقم القياسي 918,225.72 نقطة لشهر أغسطس 2026م مقارنة بـ 769,919.37 نقطة في أغسطس 2025م، بارتفاع بلغ 148,306.35 نقطة، وبمعدل تغير سنوي بلغ 19.26%، وهو ما يؤكد استمرار ارتفاع الأسعار ريفياً على أساس سنوي ولكن بنسبة أقل مقارنة بالحضر.

and then