أسواق السودان بين الجبايات والركود واتساع الاحتجاجات
اضراب التجار يغلق سوق عطبرة
أمستردام: كسلا: كمبالا/ الأربعاء 23 سبتمبر 2026: راديو دبنقا
خلال أسابيع قليلة، شهدت أسواق في عدد من المدن السودانية سلسلة من الإضرابات والإغلاقات والاحتجاجات، اختلفت أسبابها المباشرة بين الضرائب والرسوم والجبايات وتنظيم الأسواق، لكنها التقت عند ضغوط اقتصادية متزايدة تواجه التجار والعاملين في القطاع التجاري.
ومن الدويم إلى عطبرة وكسلا وشندي، تكررت التحركات في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية، ما فرض إلى الواجهة أسئلة حول قدرة الأسواق على الاستمرار تحت هذه الضغوط، وما إذا كانت المطالب المحلية المتفرقة يمكن أن تتقاطع مستقبلاً في إطار احتجاج أوسع.
الدويم.. الضرائب في الواجهة
في الدويم بولاية النيل الأبيض، بدأ التجار إحدى أبرز هذه التحركات بإضراب شامل يومي 4 و5 أغسطس احتجاجاً على الرسوم والجبايات، قبل الدعوة إلى جولة ثانية كان مقرراً تنفيذها يومي 12 و13 أغسطس. غير أن قراراً بتجميد الغرفة التجارية بالمدينة صدر قبيل موعد الإضراب الثاني، ما أدى إلى توقف الخطوة الاحتجاجية.
وقال الناطق باسم الغرفة التجارية بالدويم، حاتم علوب، إن قرار تجميد الغرفة صدر قبل ساعات من الإضراب، وإن الغرفة التزمت به وأصبحت منذ ذلك الوقت بلا صلاحيات أو دور في إدارة النشاط التجاري أو التفاوض باسم التجار. لكنه أكد أن تجميد الغرفة لم يغير الأسباب التي دفعت التجار إلى الاحتجاج، موضحاً أن الرسوم والجبايات ظلت قائمة ولم تنخفض “جنيهاً واحداً” .
وأوضح علوب في تصريح لـ(دبنقا) أن المشكلة لا ترتبط بوجود الغرفة أو غيابها بقدر ارتباطها بارتفاع الرسوم والجبايات وتعدد جهات التحصيل، مشيراً إلى أن هذه الأعباء أصبحت تثقل النشاط التجاري في وقت تعاني فيه الأسواق من ضعف القوة الشرائية.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل والتحصيل ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع، بما يضع التاجر والمستهلك معاً تحت ضغط متزايد. وشدد على أن معالجة الأزمة لا تكون، من وجهة نظره، بتجميد الغرفة التجارية، وإنما بمراجعة منظومة الرسوم والجبايات وإنهاء تعدد جهات التحصيل وفتح حوار مباشر مع التجار.

عطبرة.. إغلاقات متكررة
ومن الدويم انتقلت الاحتجاجات إلى ولاية نهر النيل، حيث تكررت الإغلاقات بصورة لافتة في عطبرة خلال فترة زمنية قصيرة، قبل أن تمتد لاحقاً إلى شندي.
شهدت عطبرة إغلاقاً في 24 أغسطس على خلفية الرسوم والجبايات وتجديد عقود المحال، ثم تجددت الاحتجاجات في 30 أغسطس. وبعد أقل من أسبوع دخل التجار في إضراب واسع يومي 6 و7 سبتمبر احتجاجاً على التقديرات الضريبية والرسوم والجبايات، لتصبح المدينة من أكثر الأسواق التي شهدت تكراراً للتحركات خلال تلك الفترة.
وفي أعقاب الاحتجاجات، عقدت الغرفة التجارية في عطبرة اجتماعاً تنويرياً جمع التجار ومدير عام الضرائب بالولاية ومدير إدارة الشؤون الاقتصادية، لمناقشة القضايا المتعلقة بالتقديرات الضريبية والاستئنافات.
وقال الأمين العام للغرفة التجارية بعطبرة، سيف الدين مقلد، لـ(دبنقا) إن الاجتماع ناقش عدداً من استفسارات ومطالب التجار، وجرى خلاله الاتفاق على تسهيل إجراءات دخول التجار في الاستئنافات الضريبية وإزالة العقبات التي تحول دون ذلك.
وأوضح أن الاجتماع أمّن كذلك على العمل على تسهيل دفع نسبة الـ25 في المائة المطلوبة للدخول في الاستئناف، مع إمكانية خفضها، وفق ما تسمح به الإجراءات، بما يمكّن التجار من الوصول إلى لجان الاستئنافات.
وأضاف مقلد أن من بين النقاط التي جرى التوافق حولها أيضاً التوسع في المظلة الضريبية، بما يساعد، بحسب ما طُرح في الاجتماع، على تخفيف التقديرات الضريبية بصورة عامة وتوزيع العبء على قاعدة أوسع من الممولين.
وأشار إلى أن الغرفة التجارية ستتابع تنفيذ ما خرج به الاجتماع، في محاولة لمعالجة الخلافات التي دفعت التجار إلى الإغلاق والاحتجاج.

كسلا.. احتجاجات الصاغة
وبينما كان محور الاحتجاج في الدويم وعطبرة مرتبطاً بدرجة كبيرة بالضرائب والرسوم والجبايات، اتخذت التحركات في كسلا مساراً مختلفاً، إذ ارتبط بعضها بتنظيم سوق الذهب، بينما تعلق بعضها الآخر بمصير مواقع العاملات في سوق النسوان.
في سوق الذهب بكسلا، دخل أصحاب المحال في إضراب مفتوح على خلفية ما وصفه الصاغة بممارسات غير قانونية تقوم بها مجموعات تعمل خارج الأطر الرسمية أو تنتحل صفة الصاغة.
وقال شيخ الصاغة بسوق ولاية كسلا، عبود أحمد عيسى، في حديثه مع ( دبنقا) إن محال الذهب أغلقت أبوابها أمام حركة البيع والشراء احتجاجاً على نشاط مجموعات من الأفراد تعمل خارج الأطر القانونية وتنتحل صفة الصاغة أو تمارس النشاط باسمهم.
وأوضح أن المشكلة، بحسب إفادته، تعود إلى عام 2019 واستمرت خلال السنوات التالية، مع وجود مجموعات قال إنها تمارس عمليات احتيال باسم الصاغة، الأمر الذي ألحق أضراراً بالتجار النظاميين وأثر على سمعة السوق وثقة المواطنين.
وأضاف عيسى أن استمرار هذه الممارسات جعل من الصعب أحياناً، بحسب قوله، التمييز بين التاجر الذي يعمل وفق الإجراءات القانونية ومن يمارس النشاط خارج الأطر الرسمية، مشيراً إلى أن الصاغة النظاميين ظلوا يتحملون تبعات تصرفات أشخاص لا يمثلونهم.
وأشار إلى أن تدخل حكومة وسلطات الولاية جاء بعد تصاعد الأزمة وإغلاق المحال، وأن تفاهمات جرت مع التجار أسهمت في إعادة فتح الأسواق واستئناف البيع والشراء.
لكنه شدد على أن المطلوب، من وجهة نظره، لا يقتصر على إنهاء الإضراب، وإنما يشمل وضع حد للممارسات غير القانونية وتنظيم سوق الذهب ومنع انتحال صفة الصاغة وحماية التجار والمواطنين واستعادة الثقة في القطاع.
احتجاجات سوق النسوان
ولم تتوقف الاحتجاجات في كسلا عند سوق الذهب. ففي 13 سبتمبر احتجت بائعات وعاملات في سوق النسوان، المعروف محلياً بسوق السكسك، على إجراءات إزالة مواقعهن بعد بيع الموقع والشروع في ترتيبات لنقلهن إلى مكان آخر.
وقالت مصادر لـ(دبنقا) إن العاملات لم يتسلمن الموقع البديل حتى ذلك الوقت، ما أثار مخاوف من فقدان مصدر دخل تعتمد عليه أعداد كبيرة منهن في إعالة أسرهن.

شندي.. من الإضراب إلى التفاهم
وبالتزامن مع هذه التطورات في كسلا، كانت شندي تشهد بدورها إضراباً واسعاً أعاد ملف الضرائب والتقديرات المالية إلى صدارة مطالب التجار في ولاية نهر النيل.
دخل تجار سوق شندي في إضراب يومي 9 و10 سبتمبر، وسط إغلاق شبه كامل بلغت نسبة الالتزام به، بحسب تجار تحدثوا لـ(دبنقا)، نحو 98 في المائة، قبل أن ينتهي الإضراب بعد التوصل إلى تفاهمات مع مسؤولي الضرائب والجهات الحكومية بالولاية.
وقال التجار إن سبب الإضراب تمثل في الزيادات الكبيرة في التقديرات الضريبية والرسوم والجبايات، مؤكدين أن بعض التقديرات ارتفعت إلى نحو ستة أضعاف مقارنة بالسابق.
وكشفوا عن مطالبات ضريبية وصلت في بعض الحالات إلى تريليون جنيه، وأخرى إلى 275 مليار جنيه، معتبرين أنها لا تتناسب مع حجم النشاط التجاري أو الأرباح التي تحققها المحال.
كما اشتكى التجار من رسوم التصاديق وتصاريح العمل ومطالبات الزكاة. وقال أحدهم لـ«دبنقا» إن بعض مطالبات الزكاة تبدأ بمبالغ تتراوح بين خمسة وسبعة مليارات جنيه، قبل أن تنخفض بعد المراجعة إلى نحو مليار و200 مليون جنيه، وهو ما اعتبره مؤشراً على تفاوت كبير في التقديرات.
وأكد التجار أن احتجاجهم لا يستهدف مبدأ الضرائب أو الزكاة، وإنما طرق التقدير والتحصيل، مطالبين بأن تستند المطالبات المالية إلى أسس واضحة تراعي حجم النشاط والدخل الفعلي وحالة الركود في الأسواق.
وأسفر اجتماع ضم مسؤولين في حكومة ولاية نهر النيل وديوان الضرائب وممثلين للغرفة التجارية والتجار عن الاتفاق على رفع الإضراب فوراً، إلى جانب التوسع في المظلة الضريبية ومنح التجار مهلة للدخول في لجان الاستئنافات الضريبية ومواصلة الطعون على التقديرات المفروضة عليهم.
ومع تكرار الاحتجاجات في هذه المدن خلال فترة قصيرة، برزت تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل مجرد تحركات مطلبية منفصلة، أم أنها تعكس ضغوطاً أوسع داخل القطاع التجاري ترتبط بتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف النشاط.

تطور جديد
وفي هذا السياق، يرى عضو الحزب الشيوعي قرشي عوض أن دخول التجار إلى دائرة الاحتجاج يمثل تطوراً جديداً، لأن التجار، بحسب قراءته، كانوا في السابق قادرين على تمرير جزء من ارتفاع التكلفة إلى المستهلك عبر زيادة الأسعار، إلا أن التراجع الحاد في القوة الشرائية جعل هذه الآلية أقل قدرة على معالجة الأزمة.
وقال عوض إن الاقتصاد السوداني دخل، بحسب وصفه، في مرحلة من “الركود الانكماشي” ، مع تراجع كبير في قدرة المواطنين على الشراء، الأمر الذي جعل التجار أنفسهم غير قادرين على التعامل مع ارتفاع الضرائب والأسعار بمجرد زيادة أسعار السلع.
ويرى أن ذلك يدفعهم إلى المطالبة بحلول تتعلق بالسياسات المالية والاقتصادية للدولة، وليس فقط بمعالجة رسوم أو جبايات محددة.
واعتبر عوض أن هذه التحركات يمكن أن تشكل نواة لاحتجاجات أوسع إذا استمرت الأزمة الاقتصادية دون حلول، مشيراً إلى أن القرارات والإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها مؤسسات الدولة، بحسب تقييمه، لم تنجح في معالجة جذور الأزمة.
ويرى أن الحلول المطلوبة لا تقتصر على الإجراءات الفنية، وإنما ترتبط، وفق تحليله، بالسياسات العامة وربط الاقتصاد بالإنتاج ومعالجة التضخم.
كما توقع استمرار واتساع الاحتجاجات طالما ظلت أسباب الأزمة قائمة، معتبراً أن الإجراءات الأمنية وفتح البلاغات ضد الناشطين والنقابيين والسياسيين لا تقدم حلاً اقتصادياً للمشكلات التي تدفع إلى الاحتجاج.
وتبقى هذه قراءة تحليلية لعوض، في وقت تظهر فيه الوقائع الميدانية أن لكل مدينة مطالبها المباشرة وظروفها الخاصة، لكنها تتقاطع جميعاً عند تصاعد الضغوط على النشاط التجاري وتراجع قدرة الأسواق على استيعاب تكاليف إضافية.

and then