آثار الحرب ومخاطر الإدمان تتصدر نقاشات اليوم العالمي للصحة النفسية في السودان
مركز صحة للصحة النفسية ومحاربة الإدمان في كسلا- ارشيف- وسائل التواصل الاجتماعي
أمستردام، 14 أكتوبر 2026م – راديو دبنقا
يصادف العاشر من اكتوبر من كل عام اليوم العالمي للصحة النفسية، حيث تصدر النقاش هذا العام قضايا الحرب ومخاطر الإدمان وتأثيرها على الصحة النفسية.
حذرت الصحافية نون إبراهيم والمهندسة فاطمة عبدالمنعم دياب، عضو لجنة المرأة بمنظمة عبيدي لمحاربة المخدرات بمنطقة كرمة في الولاية الشمالية، من تنامي التحديات المرتبطة بالصحة النفسية وتعاطي المخدرات وسط الشباب في السودان، مشيرتين إلى الآثار النفسية للحرب، والضغوط الاقتصادية، والبطالة، والفراغ، وصعوبات الحصول على العلاج، بوصفها عوامل تستدعي تعزيز الاستجابة الصحية والمجتمعية.
وجاءت الإفادتان لراديو دبنقا ضمن برنامج «قضايا الشباب»، بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف العاشر من أكتوبر من كل عام، حيث تناولت إبراهيم أوضاع الصحة النفسية ومخاطر المخدرات في ولاية كسلا، بينما ركزت دياب على أسباب التعاطي في شمال السودان، وسبل الوقاية والعلاج والتأهيل، ودور الأسرة والمجتمع في حماية الشباب.
ارتفاع الإقبال على خدمات الصحة النفسية في كسلا
قالت الصحافية نون إبراهيم إن ولاية كسلا تشهد تحديات متزايدة في مجال الصحة النفسية، في ظل الآثار النفسية للحرب وانتشار تعاطي المخدرات وسط الشباب، مشيرة إلى ارتفاع الإقبال على قسم الأمراض النفسية والعصبية بمستشفى كسلا التعليمي، وفق ما أُعلن خلال فعاليات اليوم العالمي للصحة النفسية بالولاية.
وأوضحت إبراهيم أن مجموعة عمل الشركاء في كسلا، التي تضم منظمات وطنية وأممية بالتعاون مع وزارة الصحة، نظمت فعاليات بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، بدأت في الأول من أكتوبر وشملت مستشفيات تضم أقساماً للأمراض النفسية والعصبية، قبل أن تختتم في الحادي عشر من الشهر بمشاركة الجهات والمنظمات المعنية.
وأضافت أن المدير العام المكلف لوزارة الصحة بالولاية، الدكتور علي آدم، أشار خلال الفعالية الختامية إلى ارتفاع أعداد المترددين على قسم الأمراض النفسية والعصبية بمستشفى كسلا التعليمي، لافتاً إلى معاناة أعداد كبيرة من آثار نفسية مرتبطة بالحرب.
ولم تتضمن الإفادة إحصاءات رسمية محددة بشأن أعداد المتأثرين بهذه الآثار النفسية.
المخدرات تهدد الشباب والأطفال في كسلا
وحذرت إبراهيم من تنامي تعاطي المخدرات في ولاية كسلا، معتبرة أن الظاهرة تمثل خطراً على الشباب والأطفال والفتيات، وتتطلب جهوداً رسمية ومجتمعية متكاملة، إلى جانب توفير خدمات العلاج والدعم النفسي.
وقالت إن الولاية تضم أكثر من 14 مبادرة مجتمعية تنشط في توعية السكان داخل الأحياء بمخاطر المخدرات، مشيرة إلى أن الحملات الأمنية أسفرت عن ضبط كميات من المخدرات ومركبات وأسلحة خفيفة بحوزة أشخاص قالت إنهم مرتبطون بالترويج.
وأوضحت أن الفقر والظروف الاقتصادية الصعبة يسهمان في تفاقم المشكلة، مشيرة إلى أن انخفاض أسعار بعض أنواع المخدرات يجعلها في متناول شرائح من الشباب محدودة الدخل. كما لفتت إلى أن الفراغ وقلة الأنشطة التي تستوعب طاقات الشباب، بمن فيهم طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية، يزيدان من تعرضهم للمخاطر.
وفي ما يتعلق بتعاطي المخدرات وسط الفتيات، قالت إبراهيم إن هناك مؤشرات على وجود حالات، لكن لا تتوفر أرقام واضحة ودقيقة تحدد حجم الظاهرة.
الحرب والضغوط النفسية والفراغ من أسباب التعاطي في الشمال
وفي الولاية الشمالية، قالت المهندسة فاطمة عبدالمنعم دياب، عضو لجنة المرأة بمنظمة عبيدي لمحاربة المخدرات بمنطقة كرمة، إن أزمة المخدرات لم تعد مجرد قضية أمنية، بل أصبحت مشكلة إنسانية ومجتمعية ونفسية واقتصادية وصحية معقدة، تتطلب معالجة شاملة تتجاوز المكافحة الأمنية إلى الوقاية والعلاج والتأهيل وحماية مستقبل الشباب.
وأوضحت دياب، في إفادة لراديو دبنقا ضمن برنامج «قضايا الشباب» بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، أن مواجهة عصابات التهريب والترويج، على أهميتها، لا تكفي وحدها لحماية الشباب من التعاطي، ما لم تصاحبها معالجة للأسباب والظروف التي تدفعهم إلى المخدرات.
وأشارت إلى أن محاولة الهروب من الواقع المؤلم، خاصة في ظل الحرب والنزوح وفقدان الأحبة والأمل في المستقبل، تعد من أبرز أسباب لجوء الشباب إلى المخدرات. كما لفتت إلى تأثير الفضول وضغط الأصدقاء، سواء بدافع الخوف من الاختلاف عن المجموعة أو محاولة إثبات ما وصفته بالرجولة الزائفة.
وأضافت أن البطالة والفراغ وغياب الأنشطة المفيدة وانعدام الأمل في مستقبل واضح، إلى جانب ضعف الحوار الأسري، تمثل عوامل أخرى قد تدفع الشباب نحو التعاطي، خاصة عندما لا يجد الأبناء بيئة آمنة للتحدث عن مشكلاتهم ومخاوفهم دون التعرض للحكم عليهم أو إهانتهم.
ولفتت دياب إلى أن سهولة الوصول إلى المخدرات تمثل تحدياً إضافياً، في ظل تغير أساليب الترويج واستغلال بعض المروجين للعلاقات الاجتماعية ووسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الشباب.
آثار الإدمان تمتد إلى الأسرة والمجتمع
وحذرت دياب من أن تعاطي المخدرات ينعكس سلباً على دراسة الشباب وعملهم وصحتهم وعلاقاتهم الأسرية، ويهدد مستقبلهم، مشيرة إلى أن ما يبدأ أحياناً كتجربة بسيطة قد يتطور إلى إدمان يصعب التوقف عنه، حتى عندما يكون المتعاطي مدركاً للأضرار التي تلحق به.
وأضافت أن آثار المشكلة تمتد إلى الأسر، التي قد تتحمل خسائر مادية ومعنوية، فضلاً عن فقدان الثقة واضطراب الاستقرار الأسري وتفاقم المشكلات النفسية والاجتماعية.
وشددت على ضرورة التمييز بين المروج الذي يستغل الشباب ويكسب المال من نشر المخدرات، والمتعاطي الذي وقع في دائرة الإدمان ويحتاج إلى المساعدة والعلاج.
وقالت إن المتعاطي يحتاج إلى الدعم والرعاية، وليس الإهانة أو الوصمة الاجتماعية أو الطرد من المنزل، محذرة من أن طرد الأبناء بسبب تعاطي المخدرات قد يدفع بعضهم إلى العمل في الترويج، بما يزيد من تعقيد المشكلة بدلاً من معالجتها.
ودعت الأسر إلى التعامل مع حالات التعاطي باعتبارها مشكلات تستدعي التدخل والمساعدة، والابتعاد عن ردود الفعل القائمة على الغضب والصراخ، والتركيز على فهم ما يحدث للأبناء والبحث عن السبل المناسبة لمساندتهم.
صعوبات العلاج والوصمة الاجتماعية في كسلا
وفي ما يتعلق بخدمات علاج الإدمان في كسلا، ذكرت إبراهيم أن الولاية تضم نحو ثلاثة مراكز رسمية، من بينها مركز «عافية» التابع لوزارة الصحة، إلى جانب مراكز أخرى.
وأوضحت أن ارتفاع تكاليف العلاج في بعض المراكز الخاصة يمثل عبئاً على الأسر، وقد يحول دون استمرار بعض المرضى في العلاج، ما يعرضهم للانتكاس.
وأضافت أن الخوف من الوصمة الاجتماعية يدفع بعض الأسر إلى تجنب اللجوء إلى المراكز الرسمية أو الجهات التي قد تكشف حالة أبنائها، الأمر الذي يزيد صعوبة التعامل مع المشكلة.
وشددت على أهمية رفع الوعي المجتمعي بأن الإدمان يحتاج إلى العلاج والمتابعة، وأن دعم الأسرة عنصر مهم في مساعدة المتعافين على الاستمرار في العلاج.
وأشارت إلى أن من أبرز العلامات التي قد تثير قلق الأسر تغير السلوك، وتدهور الصحة، وفقدان بعض الممتلكات من المنزل، في حالات قد يلجأ فيها المتعاطي إلى الحصول على المال لشراء المخدرات.
الحدود المفتوحة وتجارة المخدرات
وربطت إبراهيم انتشار المخدرات، وفقاً لإفادتها، بالحدود المفتوحة وصعوبة السيطرة على حركة التهريب، مشيرة إلى الحدود الشمالية والشرقية للسودان.
وأضافت أن الضبطيات التي تنفذها الشرطة والقوات المشتركة في المناطق الحدودية تشير، بحسب تقديرها، إلى دخول المخدرات عبر تلك المناطق، لكنها لم تقدم أرقاماً تحدد حجم التهريب أو مصادره بدقة.
ودعت إلى تجنب توجيه اتهامات غير مستندة إلى أدلة بشأن الجهات التي تقف وراء انتشار المخدرات، معتبرة أن الظاهرة تحولت إلى تجارة يستفيد منها مروجون يسعون إلى تحقيق الأرباح.
التدخل المبكر والوقاية ودعم الشباب
وأكدت دياب أهمية التدخل المبكر من خلال متابعة التغيرات التي قد تطرأ على سلوك الأبناء، بما في ذلك التراجع في الدراسة أو العمل، والتغير في دائرة الأصدقاء وأنماط النوم والمزاج.
وأوضحت أن ملاحظة هذه التغيرات ينبغي أن تدفع الأسرة إلى البحث عن أسبابها وكيفية مساعدة الابن، بدلاً من اللجوء مباشرة إلى الاتهام أو العقاب، مشددة على أهمية بناء علاقة أسرية تقوم على الحوار والثقة وتتيح للشباب التعبير عن مشكلاتهم دون خوف أو خجل.
كما دعت إلى توفير فرص حقيقية للشباب للمشاركة في الأنشطة الرياضية والثقافية والتطوعية، إلى جانب دعم التعليم والتدريب المهني وفرص العمل والمبادرات الشبابية، بما يسهم في الحد من الفراغ وتعزيز شعورهم بالقدرة على بناء مستقبلهم.
من جانبها، أكدت إبراهيم أهمية توسيع حملات التوعية المجتمعية في كسلا عبر المحاضرات والأفلام التثقيفية والأعمال الدرامية، وتنفيذ المبادرات في الأندية والأسواق والمنتديات، إلى جانب تكثيف الحملات الأمنية لاستهداف أوكار الترويج المعروفة.
ودعت الأسر إلى البقاء على تواصل وثيق مع أبنائها وبناتها، ومتابعة دوائرهم الاجتماعية والتغيرات غير المعتادة في سلوكهم، مع تجنب التعامل مع المشكلة باعتبارها مصدراً للعار الاجتماعي.
دعوات إلى مراكز علاج وتأهيل مجانية وسرية
وشددت دياب على ضرورة إنشاء وتفعيل مراكز لعلاج الإدمان، وتوفير خدمات مجانية وسرية للإرشاد النفسي والعلاج والتأهيل، على أن تكون ميسرة وتحترم خصوصية المتعاطي وأسرته.
وأكدت أن مواجهة المخدرات مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمجتمع والجهات الأمنية والصحية، بحيث تتكامل جهود الوقاية والتوعية والمكافحة مع توفير العلاج والدعم النفسي والاجتماعي.
كما أشارت إلى أن معالجة الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية للتعاطي تمثل جانباً مهماً من حماية الشباب، إلى جانب مواجهة التهريب والترويج.
رسائل إلى الشباب والأسر
ووجهت دياب رسالة إلى الشباب دعتهم فيها إلى عدم السماح للآخرين بتضليلهم أو دفعهم إلى تجربة المخدرات، مؤكدة أنها ليست حلاً للمشكلات أو وسيلة للهروب من الواقع، بل قد تترتب عليها آثار تمتد لسنوات، مشيرة إلى أن بعض القرارات قد تُتخذ في دقائق، بينما تستمر عواقبها لفترات طويلة.
كما دعت الأسر إلى عدم السماح للخوف أو الخجل الاجتماعي بمنعها من طلب المساعدة لأبنائها، مؤكدة أن اللجوء إلى العلاج ليس عيباً، وأن الاعتراف بوجود مشكلة لا ينبغي أن يُعامل باعتباره فضيحة.
من جانبها، وجهت إبراهيم رسالة إلى الشباب حذرت فيها من مخاطر المخدرات وانعكاساتها على صحتهم ومستقبلهم، داعية الجهات المعنية في ولاية كسلا إلى تعزيز جهود مكافحة الترويج وتوسيع الاستجابة المجتمعية للحد من الظاهرة.
وأكدت دياب أن الوقاية مسؤولية مشتركة، وأن العلاج يتطلب الرحمة والدعم، وأن حماية مستقبل الشباب تستلزم تضافر جهود الأسر والمجتمع والجهات المعنية.

and then