175 مزارعًا في عبري بشمال السودان يواجهون عقوبة السجن نتيجة فشل الموسم الشتوي
مزارع في عبري بشمال السودان- وسائل التواصل الاجتماعي
عبري: الثلاثاء 26 مايو 2026م – راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
تشهد مدينة عبري بالولاية الشمالية حالة من الترقب والحذر، بعد هدوء الأحوال الأمنية في أعقاب التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية بسبب انقطاع الكهرباء، وخروج الأهالي في احتجاجات سلمية، ما دفع السلطات إلى حشد قوات من محليتي وادي حلفا ودنقلا (حاضرة الولاية)، ووصول قوات ما يُعرف بـ”أبو طيرة”. وفي الوقت ذاته، شرعت السلطات في جمع السلاح من المستنفرين ولجان المقاومة الشعبية.
ويعتمد سكان منطقة عبري بشكل أساسي على الكهرباء في مشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني، إلا أن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي تسبب في خسائر كبيرة للمزارعين. ويعتقد البعض أن انقطاع الكهرباء كان السبب الرئيس في فشل الموسم الشتوي، بينما يواجه ما يقارب 175 مزارعًا عقوبة السجن بسبب العجز عن سداد التمويل البنكي.
تقول مصادر محلية من مدينة عبري لـ”راديو دبنقا” إن السلطات شرعت في جمع السلاح والعربات التابعة لقوات المستنفرين كإجراء احترازي، خوفًا من انحيازهم إلى الأهالي باعتبارهم أبناء المنطقة. فيما عادت القوات التي تم استقدامها من محليتي وادي حلفا ودنقلا إلى مواقعها بعد أن قامت بفض الاحتجاجات وقمع المحتجين.
واستنكرت قطاعات واسعة من لجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني قمع الشرطة للمظاهرات السلمية في عبري، وإطلاق الغاز المسيل للدموع، ومداهمة الأحياء السكنية، وملاحقة المحتجين داخل المنازل، والاعتداء على النساء والأطفال، واعتقال أعداد كبيرة منهم.
واعتبر بيان لجان المقاومة المعروفة بـ”ترس السكوت” أن ما حدث من اعتداءات وانتهاكات ضد المواطنين الذين خرجوا مطالبين بأبسط حقوقهم هو محاولة لترهيبهم، مؤكدين أنها لن تكسر إرادة أهل السكوت، وأن حراكهم سلمي، وأن التصعيد سيستمر حتى تُسمع أصوات المواطنين وتتحقق مطالبهم العادلة.
ساعات القطوعات:
يرى الناشط الشبابي الفاضل شبلي أن قطوعات الكهرباء تؤثر على الأطفال الرضع واحتياجات حديثي الولادة، وكذلك على أصحاب الأمراض المزمنة مثل السكري، خاصة في حفظ الأدوية مثل “الأنسولين”. كما أن ارتفاع أسعار أنبوبة الغاز، التي وصلت إلى 1200 جنيه، دفع الأسر للاعتماد على الكهرباء في الطهي.
ويقول إن حكومة الولاية الشمالية كانت تعتمد على كهرباء سد مروي قبل استهدافه من قبل “الدعم السريع” بالطائرات المسيّرة، ما دفعها إلى إعادة توزيع الكهرباء القادمة من مصر على عدد من المحليات الأخرى، بينها دنقلا ودلقو والبرقيق والدبة وحتى مروي، الأمر الذي أدى إلى زيادة ساعات القطوعات في عبري خلال الأشهر الأخيرة، خاصة قبل نهاية الموسم الزراعي الشتوي، حيث تجاوزت فترات الانقطاع ست ساعات يوميًا.
ويشير إلى أن التأثير الأكبر لقطوعات الكهرباء ظهر في الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي، مؤكدًا أن مشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني تعتمد كليًا على الكهرباء باعتبارها عصب الحياة.
ويؤكد أن انقطاع الكهرباء المتواصل تسبب بشكل مباشر في فشل الموسم الشتوي، وألحق خسائر فادحة بالمزارعين الذين حصلوا على تمويل من البنك الزراعي على أساس السداد بعد الحصاد، لكنهم الآن يواجهون الإعسار.
175 مهددون بالسجن:
يوضح الناشط المدني الفاضل شبلي أن هناك ما لا يقل عن 175 بلاغًا في مواجهة المزارعين في عبري بسبب العجز عن سداد التمويل البنكي، ما قد يعرضهم للسجن أو مصادرة ممتلكاتهم، نتيجة فشل الموسم الشتوي بسبب انقطاع الكهرباء.
ويرى أن مدينة وادي حلفا تحصل على إمداد كهربائي مستقر على مدار 24 ساعة، إلى جانب مناطق التعدين، بينما تعاني عبري من قطوعات تصل إلى 12 ساعة مقابل ست ساعات فقط من الإمداد.
وأضاف: “المواطنون صبروا بما فيه الكفاية، إذ خرجوا من الموسم الزراعي بخسائر، وأصبحوا مهددين ببلاغات من المصارف وفقدان ممتلكاتهم، فماذا تبقى أمامهم غير الاحتجاج؟”.
ويقول إن المواطنين في عبري تعاملوا بوعي، ولم يلجؤوا للاحتجاج إلا بعد استنفاد كل وسائل التواصل مع المسؤولين، حيث توصلوا إلى قناعة بعدم وجود حلول جدية، مما دفعهم للتصعيد السلمي.
التواصل مع المسؤولين:
تواصل أهالي المنطقة عبر وفد رسمي مع مدير الوحدة الإدارية بعبري، لكنه أفاد بأن القضية أكبر من صلاحياته، ناصحًا بالصبر. ثم توجه الوفد إلى المدير التنفيذي لمحلية وادي حلفا، دون نتائج تُذكر، ما دفعهم لمخاطبة إدارة الكهرباء ووالي الولاية، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل.
ويقول شبلي إن المدير التنفيذي تعهد بالسفر إلى دنقلا لمقابلة الوالي ومسؤولي الكهرباء، واتُّفق على مرافقة الوفد له، إلا أنه سافر دون إخطارهم، في إخلال واضح بالاتفاق.
كما أشار إلى واقعة أخرى تعهد فيها نائب المدير التنفيذي بترتيب زيارة للوفد إلى دنقلا، لكنه لم يستجب لاتصالاتهم لاحقًا.
“الكهرباء” تنفي علمها:
يضيف شبلي أن الوفد التقى وزير التخطيط العمراني في دنقلا، الذي تواصل مع مسؤولي شركة الكهرباء، لكنهم نفوا علمهم بمشكلة عبري، رغم وعدهم بإجراء معالجات فنية، لم تُنفذ لاحقًا.
ويخلص إلى عدم وجود مؤشرات جدية لحل الأزمة، مما أدى إلى تصاعد الغضب الشعبي وخروج احتجاجات سلمية.
واتهم السلطات باستخدام القوة المفرطة، وإطلاق الغاز المسيل للدموع، ووقوع إصابات بين المحتجين، بينهم أطفال. كما أشار إلى فتح بلاغات جنائية قبل إطلاق سراح المعتقلين بالضمان.
الأهالي قدموا حلولًا:
يرى القيادي المدني رمزي المصري أن الاحتجاجات جاءت نتيجة تراكمات طويلة، مؤكدًا أن الأهالي قدموا حلولًا، منها تخصيص الكهرباء للمزارعين نهارًا، وتشغيل أنشطة التعدين ليلًا.
وأوضح أن استهلاك عبري يبلغ نحو 6 ميغاواط، بينما تستهلك أنشطة التعدين نحو 4 ميغاواط، ما يستدعي إعادة توزيع عادل.
الكهرباء أساس الحياة:
أكد المصري أن الكهرباء تمثل أساس الحياة في المنطقة، خاصة مع اعتماد الزراعة عليها بشكل شبه كامل، في ظل ارتفاع أسعار الوقود.
وقال: “نحن لا نبحث عن الكهرباء للرفاهية، بل للحياة، فزراعتنا تعتمد عليها بشكل كامل”.
كما أشار إلى أن صغار المزارعين غير قادرين على توفير بدائل مثل الطاقة الشمسية، مما يهدد مصدر رزقهم.
مسؤولية السلطات:
حمّل المصري السلطات المحلية المسؤولية الكاملة، منتقدًا ما وصفه بالتسويف وعدم الجدية، مؤكدًا أن الأوضاع مرشحة للتصعيد إذا لم تُعالج الأزمة سريعًا.
وطالب بإيجاد حل عاجل وعادل لأزمة الكهرباء في عبري ومناطق السكوت.


and then