قبيل افتتاح سد النهضة: السودان يتجاوز مرحلة فيضانات النيل الازرق  


بورتسودان:  30 أغسطس 2025: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري

  مع اقتراب تدشين سد النهضة، انحسرت مياه النيل الأزرق في السودان بصورة غير مسبوقة هذا العام، ما أدى إلى ظهور جزر في مجراه، وهو أمر غير معتاد ولم تشهد البلاد فيضان النيل الأزرق كما كان الحال في موسم الخريف من كل عام خلال الفترة من يوليو وحتى أكتوبر.

وتسببت عمليات ملء سد النهضة الإثيوبي، الذي اكتمل بناؤه وسيتم افتتاحه منتصف سبتمبر القادم، في تأخير واحتجاز كميات كبيرة من مياه الفيضان.

وعادةً ما يشهد السودان في الفترة الممتدة بين يوليو وأكتوبر هطول أمطار غزيرة وفيضانات عارمة سنوياً.

وأعلن وزير الري الإثيوبي هبتامو أتفا اكتمال جميع مراحل بناء وتعبئة سد النهضة، مؤكدا أن بلاده تستعد لتنظيم احتفال وطني .

وأوضح الوزير -في مقابلة مع التلفزيون الإثيوبي الرسمي- أن السد يمثل مشروعا تكامليا بين دول المنبع والمصب، مشددا على أنه أداة للتعاون وتبادل المنافع وإنهاء الخلافات وليس سببا للنزاع كما صوّر في بعض المراحل.

سد النهضة -حساب رئيس الوزراء الإثيوبي على منصة اكس

سد النهضة وأثره على الفيضان

قال الخبير والاستشاري في مجال البنية التحتية والموارد المائية والسدود والبيئة المهندس أبوبكر محمد المصطفى فضل الله إن النقاش حول سد النهضة يرتبط أساساً بفيضان النيل الأزرق، الذي يشكّل نحو 50% من مياه نهر النيل المتدفقة شمالاً حتى المصب في البحر الأبيض المتوسط داخل الأراضي المصرية.

وأوضح في مقابلة مع “راديو دبنقا”: أن لسد النهضة تأثير كبير على السودان، حيث يحتجز المياه القادمة من الهضبة الإثيوبية خلال فترة الفيضان الممتدة من يوليو إلى أكتوبر، وتبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب.

وبيّن أن هذه الكمية تُستغل عبر 13 توربيناً لتوليد الكهرباء، يستهلك كل منها نحو 20 مليون متر مكعب يومياً، ما يجعل تدفقات النهر منظمة على مدار العام بدلاً من اندفاعها الموسمي الكبير، مشيراً إلى أن المياه التي يتم حجزها في الموسم تصل إلى 50 ــ 54 مليار متر مكعب في العام.

وأضاف المصطفى أن عملية الملء بدأت منذ خمس سنوات، وقد وصل السد حالياً إلى منسوب 637 متراً فوق سطح البحر بسعة تخزينية تقارب 69 مليار متر مكعب، بينما يتوقع أن يبلغ السعة القصوى عند 640 متراً بما يعادل 74 مليار متر مكعب، وهي الكمية التي يُتوقع الوصول إليها منتصف سبتمبر المقبل، وهو الموعد الذي تخطط فيه إثيوبيا للإعلان عن اكتماله وافتتاح سد النهضة رسمياً.

سد النهضة من حساب رئيس الوزراء الإثيوبي على منصة اكس

تنسيق سوداني ــ إثيوبي

شدد الخبير في قضايا الموارد المائية والسدود أبو بكر محمد المصطفى على أن التنسيق بين السودان وإثيوبيا تنسيق مستدام بحكم الموقع والامتداد الجغرافي، موضحاً أن المسافة بين سد النهضة وسد الروصيرص لا تتجاوز 150 كيلومتراً، كما أن الظروف المناخية والبشرية في المنطقتين متشابهة.

وأكد أن إثيوبيا حريصة على تزويد السودان بالمعلومات المتعلقة بالسد، مشيراً إلى وجود لجان فنية مشتركة بين إقليم النيل الأزرق وبني شنقول “منطقة السد” منذ أكثر من 20 عاماً، حيث تقدم إثيوبيا معلومات تؤثر مباشرة على سد الروصيرص والأوضاع المائية في السودان سلباً أو إيجاباً.

ويتوافق حديث الخبير أبوبكر مع تصريحات أدلى بها وزير الري الإثيوبي التي قال فيها إن بلاده حرصت على عدم الإضرار بأي طرف خلال مراحل إنشاء السد، لافتا إلى تبادل المعلومات مع السودان بصورة مباشرة، وضمان استمرار تدفق المياه من دون أي نقص.

وأضاف الخبير أبوبكر المصطفى أن العلاقات التاريخية بين البلدين تقوم على التواصل والجوار، بينما يبقى الخلاف الأكبر بين مصر وإثيوبيا، إذ ترى القاهرة أن تشغيل السد تم بصورة أحادية ودون اتفاق ملزم يضمن حصتها المائية، ما يشكل تهديداً لأمنها المائي.

ودعا المصطفى إلى فصل الموقف السوداني عن المصري، وتغليب المصالح الوطنية السودانية التي تقتصر مطالبها على الجوانب الفنية والتشغيلية لضمان سلامة سد الروصيرص وتنظيم التدفقات بعيداً عن التجاذبات السياسية.

فوائد للسودان

أوضح المصطفى في المقابلة مع “راديو دبنقا” أن من أهم فوائد سد النهضة للسودان تنظيم الجريان المائي بحيث تتوزع التدفقات على مدار العام بمتوسط يتراوح بين 170 و200 مليون متر مكعب يومياً، بدلاً من اندفاعها خلال أشهر الفيضان.

وأشار إلى أن التدفق قبل بناء السد كان يصل في ذروته بين 15 أغسطس و15 سبتمبر ليتجاوز 500 مليون متر مكعب. وبيّن أن مفيض المياه عند منسوب 626 متر فوق سطح البحر، بينما المنسوب الأقصى لحجز المياه 640 متراً، وقد بلغ حالياً 637 متراً، متوقعاً أن يصل إلى الحد الأقصى خلال سبتمبر مع افتتاح السد رسمياً.

رسم بياني يوضح تدفق ةالنيل الأزرق قبل السد وبعده

وأكد الخبير في مجال المياه والسدود أن سد النهضة يحقق فائدة كبيرة للسودان، أبرزها احتجاز المياه التي لا يمكن للسودان احتجازها، حيث إن السعة التخزينية في سد الرصيرص تبلغ  7  مليار متر مكعب بينما تبلغ في سد مروي 12 مليار مخصصة أساساً لتوليد الكهرباء وليست للزراعة.

وأضاف أن وجود مياه بمناسيب مرتفعة طوال العام في سد الروصيرص نتيجة التدفقات المنتظمة من سد النهضة، يمكّن السودان من رفع المياه وسحبها بكلفة كهربائية أقل وكميات أكبر، إضافة إلى الاستفادة في سد سنار عبر ترعتي المناقل والجزيرة، ما يعزز التوسع الزراعي وتكثيف الدورات الزراعية خاصة في مشروع الجزيرة والمناقل، فضلاً عن تحسين تشغيل السدود السودانية والاستفادة من الكهرباء الإثيوبية الرخيصة.

تقليل المخاطر وتعزيز التنمية

بيّن الخبير في مجال المياه والسدود والبيئة محمد المصطفى أن السد سيساهم في تقليل مخاطر الفيضانات المدمرة عبر تخزين مياه الفيضان، إلى جانب دعم الملاحة النهرية في النيل الأزرق ونهر النيل، وإتاحة فرص استزراع الأسماك، وزيادة مساحات الجروف الزراعية.

وتابع قائلاً: كما سيوفر فرصاً للتوسع في التخزين الاستراتيجي الذي يستفيد منه السودان دون مقابل، بحيث لا يخشى الفيضانات المدمرة ولا يتأثر بندرة المياه في سنوات الشح، لأن إثيوبيا ستكون مضطرة لإطلاق المياه من أجل توليد الكهرباء.

وأكد أن ذلك يفتح فرصاً للتعاون بين السودان ومصر وإثيوبيا، بل وجميع دول حوض النيل الـ 11، لتحقيق تنمية متوازنة إذا ما تبنّت الدول رؤية إيجابية بعيدة عن النزعة الاستعمارية والسيطرة المنفردة على الموارد.

خزان الروصيرص-من صفحة وزارة الري والموارد المائية على فيسبوك

تحديات بيئية

وفيما يتحدث كثيرون عن تحديات بيئية محتملة، اعتبر المصطفى في المقابلة مع “راديو دبنقا” أن هذه القضايا ثانوية مقارنة بالفوائد. وأوضح أن بناء وتشغيل سد النهضة سيقلل من الطمي بنسبة تصل إلى 50%، ما يحسّن كفاءة تشغيل السدود وقنوات الري خاصة في مشروع الجزيرة.

وأشار إلى أن الأراضي الزراعية أصلاً تحتاج إلى تسميد حديث لزيادة الإنتاجية وتحسين نوعية المنتج، معتبراً أن الحديث عن فقدان خصوبة التربة لم يعد مؤثراً كما في الماضي.

كما استبعد أي تأثيرات بيئية ضارة كبيرة، مؤكداً أن التغييرات البيئية الناتجة عن السد تظل محدودة محلياً ولا ترقى إلى مستوى التأثيرات العالمية أو الإقليمية الواسعة.

واعتبر أن التأثير البيئي في وادي النيل والنيل الأزرق ونهر النيل امتد لأكثر من مئة عام نتيجة إنشاء سد أوين فولز في أوغندا وجبل أولياء وسنار والرصيرص والسد العالي كل هذه السدود أدت إلى تغييرات بيئية.

واعتبر أن التغييرات البيئية لها معايير ورؤى موضحة تتعلق بنطاق عالمي “قلوبال” وإقليمي ومحلي، فالتأثير المحلي يكون التغيير البيئي في حدود (2 ــ 10 ألف) كلم مربع فوق مسطحات المياه.
وقال إنَّ أكثر من ذلك يعتبر تأثير إقليمي، نافياً وجود تأثير لسد النهضة مشيراً إلى أن تأثيره لايتجاوز الألفين ونطاقه ضيق والسد العالي أيضاً كذلك تأثيره محلي لايتجاوز الثلاثة ألف.

وأشار إلى أن التأثير العالمي يحدث تغيير بيئي في مساحات شاسعة حوالي 50 ألف كلم مربع، تكون فيها تغييرات بيئية حتى تؤثر في المناخ العالمي، وهذه لاتحدث إلا في مناطق تنبعث فيها غازات ثاني أكسيد الكربون أو نتيجة الاحتراق الصناعي واستخدام الوقود الأحفوري أوتقليل المساحات المسطحة الخضراء أونتيجة معدلات التبخر وارتفاع سرعة المياه والحرارة وهذه تأثيرات “قلوبال” تكون في المحيطات والمساحات الواسعة.

الحاجة إلى اتفاق قانوني

وشدد الخبير محمد المصطفى في المقابلة مع “راديو دبنقا” على أن غياب اتفاق قانوني ملزم بين دول الحوض يظل من أبرز العقبات، ما يحتم على السودان المطالبة ببروتوكولات واضحة تضمن تبادل المعلومات وتنظيم إدارة السد.

ورأى أن تجربة سد النهضة تعكس حاجة دول حوض النيل إلى تعاون إقليمي عادل يوازن بين المصالح المشتركة في الزراعة والطاقة والملاحة، مؤكداً أن التعاون لا الصراع هو السبيل لتحقيق التنمية المستدامة وضمان الاستفادة المثلى من الموارد المائية المشتركة.

وأضاف أن السودان يمكن أن يغتنم هذه الفرصة بعد توقف الحرب لبناء بنية تحتية واسعة لتطوير القطاع الزراعي، وزراعة ملايين الأفدنة، بما يحقق الاستقرار الزراعي والصناعي، ويرسخ مصالح دول حوض النيل، على غرار تجارب التكامل الإقليمي في أوروبا وآسيا وأمريكا.

مراحل بناء السد

وجهة نظر مغايرة


لكن من وجهة نظر الباحث السوداني د. أحمد عبد الله الشيخ الذي يعتبر أن لسد النهضة مخاطر على السودان، مشيراً إلى أنه حال حدوث فيضان (مثل فيضان سنة 1988) فإنه سيهدد سلامة السد، فلا مفر من أن تفتح بوابات السد وفي هذه الحالة، فإن خطورة الفيضان وأضراره على السكان أسفل النهر تتضاعف في حالة وجود السد بالمقارنة مع حالة عدم وجوده.


وقال الشيخ في دراسة نشرها بموقع “سودانايل” بعنوان “السودان بين وعود ومخاطر سد النهضة”: إنَّ منظمة الأنهار الدولية حذرت فى وقت سابق ، من الاعتقاد بأن بناء السدود الكبيرة يقى  من خطر الفيضانات، واعتبرت المنظمة أن هذا الاعتقاد يعد من أكبر الحيل التي تستخدم من قبل الحكومات لإقناع السكان بجدوى السدود.

ولفت الشيخ إلى أن الغرض – حسبما قالت أديس أبابا – من سد النهضة هو إنتاج الكهرباء، وهذا يعني أن منسوب المياه في بحيرة السد سيكون مرتفعا نسيبا طوال العام، وأن أي زيادة غير معتادة في منسوب الأمطار في المنطقة مصحوبة بفتح بوابات سد النهضة يمكن أن تؤدي إلى فيضانات كبيرة ستكون آثارها غير مسبوقة في مناطق النيل الأزرق والجزيرة والخرطوم.

وأكد الشيخ ، أن السودان في حاجة حقيقية للفيضانات وبخاصةٍ في المناطق التي تقع من شمال الخرطوم إلى الحدود مع مصر لطبيعة تلك المناطق الصحراوية،  إذ تهب كثير من الرياح التي تجرف معها الرمال من الصحراء وتكون كثبان رملية على ضفتي النيل.


وأضاف: لكن في موسم الفيضان يتم جرف تلك الكثبان أمام الفيضان وتستبدل بطمي من النيل، هذا الطمي يجدد التربة في تلك الضفاف مما يسمح بزراعتها،  وبالتالي انقطاع دورة الفيضان عن تلك المناطق يعني عدم تجدد التربة، وانعدام الخصوبة بل والحياة عنها، وتتسارع عمليات التصحر مما يحول الأراضي الي صحراء جرداء مع مرور الزمن.

وعبر عن اعتقاده بأن الطمي يجدد التربة ويزيد من خصوبتها ويمنع عنها الملوحة ما يقلل من استخدام الأسمدة والمخصبات والمبيدات. التي تؤدى الزيادة في استخدامها إلى انتشار الأمراض والأوبئة وتلوث المياه الجوفية وفقدان المنتجات العضوية.

لا خيار سوى التعاون

أكد الخبير السوداني في شؤون المياه، المهندس الدكتور صالح حمد عمر على أنه “لا خيار أمام دول حوض النيل سوى التعاون، إذ يمثل ذلك الطريق الوحيد لتعظيم الفائدة وتجنب الأزمات المستقبلية”.

وحذّر  في مقابلة ضمن برنامج “ملفات سودانية” في راديو دبنقت من تفاقم الصراعات المائية في المنطقة العربية وأفريقيا إذا لم تتبنَّ الدول المشتركة في الأحواض النيلية وغيرها نهج التعاون المشترك والإدارة الفاعلة للمياه.

وأكد ، أن المياه أصبحت سلعة سياسية وورقة دبلوماسية مؤثرة، مشيراً إلى أن الطلب العالمي على المياه يتزايد بسرعة بفعل النمو السكاني والتنمية، مما يضاعف احتمالات النزاعات، خاصة في مناطق مثل الشرق الأوسط الكبير ودول حوض النيل.

واستعرض الخبير نماذج دولية ناجحة لإدارة الموارد المائية المشتركة، مثل اتفاقيات نهر السنغال والميكونغ والسند والدانوب وكولورادو، داعياً دول حوض النيل للاقتداء بها.

وأوضح أن الاستراتيجيات العالمية لإدارة المياه تشمل إدارة المصادر، وترشيد الطلب، وتطوير المؤسسات والقوانين المنظمة، بما يقلل التوترات ويعزز التنمية المشتركة.

Welcome

Install
×