دراسة: مشاركة الشباب في عمليات السلام السودانية ظلت أوسع حضورًا من تأثيرها في صناعة القرار


امستردام: 30 سبتمبر 2026: راديو دبنقا
خلصت دراسة بحثية أعدتها الشبكة الشبابية للمراقبة المدنية إلى أن الشباب السودانيين شاركوا بدرجات وأشكال مختلفة في عمليات السلام التي شهدها السودان خلال العقدين الماضيين، إلا أن حضورهم لم يتحول بصورة منتظمة إلى مشاركة هادفة ومؤثرة في صناعة القرار.


واجرت الدراسة ــ التي حملت بحثًا حول الانتقال من الحضور إلى التأثير ــ مقارنة بين أربع عمليات سلام رئيسية هي اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، واتفاق أبوجا للسلام في دارفور لعام 2006، ووثيقة الدوحة للسلام في دارفور لعام 2011، واتفاق جوبا للسلام لعام 2020، بهدف بحث مدى إتاحة هذه الاتفاقيات فرصًا حقيقية للشباب للمشاركة والتأثير، وليس مجرد حضورهم في المؤتمرات والمشاورات والوفود.


واعتمدت على منهج دراسة الحالة المقارنة النوعية، من خلال تحليل نصوص اتفاقيات السلام ووثائق التفاوض والتنفيذ، إلى جانب التقارير والدراسات ذات الصلة ومقابلات شبه منظمة مع أشخاص لديهم معرفة مباشرة أو تحليلية بعمليات السلام. وترتكز الدراسة على التمييز بين الحضور، والمشاركة، والتأثير، إذ ترى أن وجود الشباب في مؤتمر أو وفد أو مشاورات لا يكفي لإثبات مشاركتهم في صناعة القرار، ما لم تكن لديهم قدرة فعلية على التأثير في الأجندة والمفاوضات والقرارات والنتائج.

مشاركة الشباب تخذت طابعا رمزياً تشاورياً
دون أن تتحول إلى نفوذ مستدام داخل مؤسسات صناعة القرار


من الحضور إلى التأثير


تقول الدراسة إن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يكون فقط: (هل شارك الشباب في عملية السلام؟)، وإنما أيضًا: من شارك؟ وكيف تم اختيار ممثلي الشباب؟ وفي أي مراحل شاركوا؟ وهل امتلكوا قدرة فعلية على التأثير؟ وهل استمرت مشاركتهم خلال تنفيذ الاتفاقات ومتابعتها ؟
وتشير الدراسة ــ التي اطلع عليها راديو دبنقا ــ إلى أن المشاركة الشبابية في عمليات السلام السودانية لم تكن غائبة تماما، لكنها اتخذت في كثير من الحالات طابعًا محدودا أو تشاوريا أو رمزيا، دون أن تتحول بالضرورة إلى نفوذ مستدام داخل مؤسسات صناعة القرار. كما تكشف عن فجوة بين الوزن الاجتماعي والديموغرافي للشباب من جهة، وموقعهم الفعلي داخل مؤسسات التفاوض وصناعة القرار من جهة أخرى. وتشير نتائج المقابلات إلى أن الشباب ليسوا كتلة سياسية متجانسة، إذ تختلف فرص مشاركتهم بحسب الموقع الجغرافي والانتماء السياسي والتنظيمي والوضع الاجتماعي والاقتصادي.ز

اتفاق السلام الشامل: مشاركة عامة بلا تمثيل شبابي مستقل


بحسب الدراسة، لم يتضمن اتفاق السلام الشامل لعام 2005م ترتيبا صريحا يمنح الشباب تمثيلًا مستقلًا في عملية السلام أو مؤسسات تنفيذ الاتفاق، كما لم يحدد حصة للشباب في مؤسسات الحكم أو آليات التنفيذ والمراقبة. واعتمد الاتفاق بصورة أساسية على قنوات المشاركة السياسية والمدنية العامة، مثل الانتخابات، والأحزاب السياسية، وحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، إلى جانب المجتمع المدني والمشاركة العامة في العملية الدستورية. كما أتاح الاتفاق آليات للمشاركة والتشاور العام، من بينها التجمعات العامة وورش العمل والندوات والاجتماعات والبرامج الإعلامية، إضافة إلى المشاورات الشعبية في جنوب كردفان/جبال النوبة والنيل الأزرق. وترى أن هذه الترتيبات وفرت للشباب قنوات غير مباشرة للمشاركة، لكنها لم تؤسس لتمثيل الشباب باعتبارهم فئة مستقلة داخل مؤسسات الاتفاق.


وتلفت الدراسة إلى وجود فجوة بين النص والممارسة، مشيرة إلى أن الأدلة المبكرة على تنفيذ الاتفاق أظهرت ضعفا في الوعي العام بأحكامه والعملية الدستورية، إلى جانب استمرار قيود على بعض جوانب المجال المدني والسياسي. وبذلك، خلص تحليل اتفاق السلام الشامل إلى أنه وفر مساحات للمشاركة السياسية والمدنية العامة، لكنه لم يؤسس مشاركة شبابية مؤسسية مباشرة.

اتفاق السلام الشامل لعام 2005م لم يحدد حصة للشباب في مؤسسات الحكم أو آليات التنفيذ والمراقبة.


اتفاق أبوجا: اعتراف صريح بالشباب داخل آلية تشاورية


تقدم اتفاقية أبوجا للسلام في دارفور لعام 2006م، نموذجا مختلفًا نسبيًا، إذ تضمنت نصوصا أكثر وضوحا بشأن توسيع المشاركة لتشمل قطاعات مختلفة من المجتمع الدارفوري. وتبرز الدراسة بصورة خاصة آلية (الحوار والتشاور الدارفوري-الدارفوري) التي صُممت لتوسيع المشاركة خارج الأطراف التي شاركت في مفاوضات أبوجا. وذكرت الدراسة أن الاتفاق تضمن نصا صريحا بشأن المشاركة الفاعلة والمرئية للشباب، إلى جانب اشتراط التمثيل العادل للنساء والشباب في وفود الحوار والتشاور، وضمان التمثيل الكافي والفاعل لهم في المؤتمر النهائي. فضلا عن اتاحته فرصة لمشاركة الشباب في مناقشة قضايا السلام والمصالحة والأراضي والأمن والقضايا الاجتماعية، وتقديم التوصيات والملاحظات إلى السلطات المحلية والوطنية. لكن الدراسة تشدد في الوقت نفسه على أن هذه المشاركة كانت في الأساس تشاورية، ولم تمنح المشاركين سلطة اتخاذ القرار السياسي بصورة مباشرة. وترى الدراسة أن تجربة أبوجا كشفت أيضا عن مشكلة أوسع، تمثلت في محدودية مشاركة قطاعات من سكان دارفور في عملية التفاوض الأصلية، وهو ما انعكس على قبول الاتفاق وملكيته الاجتماعية. وبالتالي، تصف الدراسة اتفاقية أبوجا بأنها مثلت انتقالًا من المشاركة العامة غير المباشرة إلى الاعتراف الصريح بالشباب داخل آلية تشاورية، دون أن يصل ذلك بالضرورة إلى تمثيل شبابي مؤسسي يمتلك سلطة القرار.

الدوحة: توسيع نطاق المشاورات


أما وثيقة الدوحة للسلام في دارفور لعام 2011م، فتشير الدراسة إلى أن الوثيقة تبنت مفهوما أوسع للمشاركة، خاصة من خلال الحوار والتشاور الداخلي في دارفور، الذي صُمم كعملية متعددة المستويات تبدأ من المستوى المحلي، ثم الولايات، وصولًا إلى مستوى دارفور. وشملت العملية، وفق الدراسة، مشاورات استهدفت فئات ومجتمعات مختلفة، بما في ذلك اللاجئون والشتات، وتشير المادة البحثية إلى تنفيذ 77 مشاورة للتوعية والوصول، إلى جانب 68 مشاورة على مستوى المحليات. وترى الدراسة أن هذه الأرقام تعكس اتساعا تنظيميا في فرص التشاور والوصول، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن المشاركة كانت شاملة أو مستقلة أو مؤثرة في القرارات النهائية. وتشدد الدراسة على أن وجود ممثلين للشباب أو المجتمع المدني في المشاورات يثبت إتاحة مساحة للتعبير والمشاركة، لكنه لا يثبت بالضرورة استقلالية هؤلاء الممثلين أو امتلاكهم تفويضا كاملًا من الفئات التي يمثلونها، ولا يثبت أن توصياتهم انعكست مباشرة في القرارات النهائية. وخلصت الدراسة إلى أن اتفاقية الدوحة مثلت تطورا في تصميم فرص المشاركة مقارنة بالأطر السابقة، لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بالجزم بأن هذه المشاركة كانت مستقلة أو مؤثرة بصورة مباشرة في صناعة القرار.

اتفاق جوبا يمثل مرحلة أكثر تطورا في تصميم
مشاركة الشباب مقارنة باتفاقيات السلام السابقة

جوبا: تطور أكبر في النص وفجوة في التنفيذ



وتصف الدراسة اتفاق جوبا للسلام لعام 2020م، بأنه يمثل مرحلة أكثر تطورا في تصميم مشاركة الشباب مقارنة باتفاقيات السلام السابقة. ويبرز ذلك في اعتراف الاتفاق صراحة بالدور الذي لعبه الشباب وقوى المقاومة في ثورة ديسمبر 2018م، إلى جانب النص على مشاركة جميع السودانيين في مستويات الحكم ومؤسسات الدولة، ووجود ترتيبات أكثر تحديدا لمشاركة الشباب في بعض المسارات، خاصة في شرق السودان. ونص الاتفاق على ضمان مشاركة الشعب السوداني في مستويات الحكم ومؤسسات الدولة، لكنه لا يحدد على المستوى الوطني حصة مستقلة للشباب، بخلاف بعض الترتيبات المتعلقة بالنساء.


وفي المقابل، يقدم مسار شرق السودان مثالًا أكثر تحديدا، إذ يتضمن نصا بشأن مشاركة الشباب في السلطة بنسبة محددة، إلى جانب ترتيبات لتطوير قدراتهم ومهاراتهم. كما يتضمن الاتفاق (مؤتمر شرق السودان) باعتباره مساحة رسمية للتشاور مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، إلى جانب نصوص بشأن الشفافية والوصول إلى المعلومات، ومشاركة المواطنين في العملية الدستورية. وتشير الدراسة إلى أن مؤتمر شرق السودان يتضمن آلية يمكن أن تربط المشاركة بالتأثير؛ إذ تنص الترتيبات ــ التي راجعتها الدراسة ــ على أن توصيات المؤتمر التي لا يغطيها الاتفاق تصبح جزءا مكملًا له، مع التزام الحكومة بتنفيذها. لكن الدراسة تحذر في الوقت ذاته من الخلط بين وجود هذه الآليات في النص وبين إثبات نجاحها عمليا، معتبرة أن تقييم تنفيذ التوصيات يحتاج إلى أدلة مستقلة.


كما يشير تحليل الدراسة إلى أن اتفاق جوبا امتلك مصفوفة تنفيذ تحدد الأنشطة والجداول الزمنية والجهات المسؤولة، لكن معظم المصفوفة، لم تُنفذ وفق الجدول الزمني المحدد، كما لم تُفعّل العديد من الآليات التي كان يمكن أن تدعم التحول الديمقراطي والمشاركة بصورة فعالة. وتبرز هنا، الفجوة بين قوة النص والممارسة؛ إذ إن إدخال أطراف عملية السلام إلى مؤسسات الحكم الانتقالي لا يعني بالضرورة أن المشاركة المجتمعية، بما فيها مشاركة الشباب، أصبحت فعالة ومستدامة في صناعة القرار.

ثورة ديسمبر: قوة في الحشد مقابل محدودية النفوذ المؤسسي



أولت الدراسة أهمية خاصة لتجربة ثورة ديسمبر 2018م، في فهم العلاقة بين الشباب وعمليات السلام. واشارت إلى أن الثورة كشفت عن قدرة واسعة للشباب على الحشد والتنظيم والتعبئة والعمل السياسي خارج الأطر الحزبية التقليدية، لكنها أظهرت في الوقت نفسه مفارقة تتمثل في صعوبة تحويل هذه القدرة على التعبئة الجماهيرية إلى نفوذ سياسي ومؤسسي مستدام. وترى الدراسة أن هذه المفارقة مهمة عند تحليل عملية سلام جوبا، التي جرت في مرحلة انتقالية شهدت إعادة تشكيل مؤسسات السلطة وتنافس قوى سياسية ومسلحة ومدنية متعددة على التمثيل والنفوذ. وبالتالي، لا تعتبر الدراسة الوزن الديموغرافي للشباب أو حضورهم الكبير في الثورة دليلا تلقائيا على امتلاكهم نفوذا مماثلًا داخل هياكل التفاوض وصناعة القرار.


الشباب ليسوا كتلة سياسية واحدة


تكشف نتائج المقابلات التي أجرتها الدراسة عن أن أحد التحديات الأساسية لا يتمثل فقط في غياب الشباب عن عمليات السلام، وإنما في من يمثلهم وكيف يتم اختيار ممثليهم. واشارت الإفادات التي اعتمدت عليها الدراسة إلى غياب معايير واضحة وشفافة لاختيار الشباب المشاركين في بعض عمليات السلام، مع احتمال تأثر الاختيار بعلاقات القرب من الوسطاء أو القوى السياسية أو الجهات الدولية والمنظمات، بدلًا من الاعتماد على تفويض واضح من القواعد الاجتماعية. وأكدت الدراسة أن الشباب ينتمون إلى أحزاب وحركات مسلحة ومناطق وجماعات اجتماعية ومهنية مختلفة، وبالتالي فإن تحديد عدد أو نسبة المشاركين لا يكفي للحكم على شمول التمثيل. كما تبرز فجوة في فرص المشاركة بين الشباب المنتمين إلى الحركات المسلحة والتنظيمات السياسية، وبين الشباب المستقلين وشباب المجتمع المدني والإدارات الأهلية والشباب في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح والتهميش. وتنبه النتائج إلى محدودية فرص مشاركة الشباب النازحين، والشباب في مناطق النزاعات والمناطق الطرفية، والمجموعات المهمشة، والشباب الذين يفتقرون إلى الموارد السياسية والاقتصادية.


الحضور العددي لا يعني التأثير


تفرق الدراسة بين ثلاثة مستويات للمشاركة: الحضور، ويعني وجود الشباب في المؤتمرات أو الوفود أو الفعاليات المرتبطة بالسلام. والمشاركة، التي تعني إتاحة الفرصة للشباب للنقاش وطرح القضايا والمقترحات. والتأثير، ويعني امتلاك القدرة على التأثير في الأجندة والمفاوضات والقرارات وانعكاس الرؤى في مخرجات عملية السلام.
وبينت المقابلات أن الفجوة تصبح أكثر وضوحًا عند الانتقال من المشاركة إلى التأثير. كما أوردت إفادات في الدراسة تقديرا يقارب 90% من الشباب في بعض وفود حركة العدل والمساواة في أبوجا والدوحة، إلا أن الدراسة تؤكد أن هذه النسبة إفادة من المشاركين وليست تقديرا إحصائيا مستقلًا. وتشير الدراسة إلى أن ارتفاع الحضور العددي لم يكن بالضرورة مصحوبا بقضايا شبابية واضحة ومستقلة في نصوص الاتفاقيات، بما يعكس الفارق بين التمثيل العددي والتمثيل النوعي المؤثر.


من التعبئة إلى التنظيم السياسي


توضح نتائج المقابلات أن الأدوار الأكثر شيوعا التي يؤديها الشباب في عمليات السلام تتمثل في التوعية والإعلام والتعبئة والنقاش العام وتسليط الضوء على الانتهاكات، بينما ظلت أدوار الوساطة والتفاوض وصناعة القرار أكثر محدودية. وتربط الإفادات ذلك بعوامل من بينها نقص أدوات الضغط والخبرة والتفويض السياسي. وتؤكد الدراسة أن تمكين الشباب لا ينبغي أن يقتصر على التدريب في القيادة والتفاوض، لأن التدريب وحده لا يكفي من دون فرص للمشاركة السياسية، وبناء التنظيمات والتحالفات، وصياغة أجندة مستقلة، والوصول إلى مواقع صناعة القرار. وتنوه الدراسة إلى أن الاستقطاب السياسي والمناطقي والديني والاجتماعي أثر في قدرة الشباب على صياغة مواقف مشتركة تجاه قضايا السلام.

ثورة ديسمبر أظهر مفارقة تتمثل في صعوبة
تحويل القدرة على التعبئة الجماهيرية إلى نفوذ سياسي ومؤسسي مستدام.


المشاركة تتراجع بعد توقيع اتفاقات السلام


من أبرز النتائج التي توصلت إليها مقابلات الدراسة، وجود فرق بين مشاركة الشباب خلال مراحل التفاوض وبين مشاركتهم في تنفيذ الاتفاقات ومتابعتها. وذكرت أن بعض الشباب المنتمين إلى الحركات والكتل السياسية شاركوا في التنفيذ، بينما ظلت مشاركة شباب المجتمع المدني والإدارات الأهلية محدودة. وترى أن هذا التفاوت يكشف أن المشاركة التي تحدث خلال التفاوض لا تضمن استمرار مشاركة جميع فئات الشباب بعد توقيع الاتفاق. وأن استمرار المشاركة بعد التوقيع يمثل أحد الاختبارات الأساسية لمعرفة ما إذا كانت المشاركة الشبابية جزءا مستداما من عملية السلام، أم أنها تظل مرتبطة بالمفاوضات والمؤتمرات والمشاورات.


توصيات لتعزيز مشاركة الشباب


تقترح الدراسة مجموعة من الإجراءات للانتقال من المشاركة الرمزية إلى المشاركة المؤثرة، أبرزها بناء أجندة وطنية شبابية للسلام، عبر عملية تشاور واسعة بين الشباب في مختلف مناطق السودان وخلفياتهم السياسية والاجتماعية. كما دعت إلى ربط تمثيل الشباب بآليات واضحة تمنحهم فرصا فعلية للتأثير في الأجندة والقرارات والنتائج، وإشراكهم في جميع مراحل عملية السلام، من المشاورات والحوار والوساطة والتفاوض وصياغة الاتفاق، وصولًا إلى التنفيذ والمراقبة والتقييم.


واوصت كذلك بإنشاء آليات تمثيل ديمقراطية وشاملة من القاعدة إلى القمة، تراعي التنوع الجغرافي والاجتماعي والسياسي، بما في ذلك الشباب في مناطق النزاع، والنساء، والنازحين واللاجئين، والطلاب، والشباب في المناطق الطرفية والمهمشة. وتطرح الدراسة إمكانية إنشاء أطر تمثيلية وطنية للشباب، مثل البرلمان الشبابي، بشرط أن تقوم هذه الأطر على قواعد واضحة للتمثيل والاختيار والتفويض وألا تتحول إلى أطر رمزية إضافية. ودعت كذلك إلى الانتقال من التمكين التدريبي إلى التمكين السياسي والتنظيمي، ودعم انتقال الشباب من النشاط المدني إلى الفعل السياسي المنظم، وبناء تحالفات ومساحات مشتركة بين الشباب والمجتمع المدني والإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية. وشددت على ضرورة ضمان استدامة المشاركة بعد توقيع اتفاقات السلام، وإنشاء مؤشرات لقياسها لا تقتصر على عدد الشباب المشاركين، وإنما تقيس مدى وصولهم إلى مواقع صنع القرار، ومشاركتهم في صياغة الأجندة، ووصول مقترحاتهم إلى صناع القرار، وانعكاس مطالبهم في الاتفاقات، ومشاركتهم في التنفيذ والمراقبة.

العدالة الجغرافية شرط للشمول


تضع الدراسة العدالة الجغرافية والشمول كأولوية عابرة لجميع توصياتها، محذرة من أن زيادة مشاركة الشباب على المستوى الوطني لا تعني بالضرورة تحقيق مشاركة شاملة إذا ظلت فرص الوصول إلى عمليات السلام مركزة لدى الشباب الأقرب إلى المؤسسات السياسية أو الحركات المسلحة أو المنظمات الدولية. وتدعو إلى إعطاء اهتمام خاص للشباب في المناطق المتأثرة بالحروب والنزوح والتهميش، باعتبار أن تصميم آليات المشاركة المستقبلية ينبغي أن يراعي التنوع الجغرافي والاجتماعي والسياسي للشباب السودانيين. واقترحت أربعة محاور للسياسة المستقبلية تتمثل في (ضمان الحقوق والمشاركة السياسية، والتمثيل المؤسسي، والمشاركة المستمرة في دورة السلام، والشمول والعدالة الجغرافية)


وخلصت الدراسة إلى أن تجربة عمليات السلام الأربع تظهر أن قضية مشاركة الشباب في السودان لا يمكن اختزالها في سؤال الحضور أو الغياب. فالشباب كانوا حاضرين بدرجات مختلفة في عمليات السلام، لكن حضورهم لم يتحول بصورة منتظمة إلى مشاركة هادفة في صناعة القرار، وتظهر الفجوة بصورة أكبر عند الانتقال من المشاورات والحضور إلى التفاوض وصياغة القرارات، ثم إلى تنفيذ الاتفاقات ومراقبتها. وتؤكد الدراسة أن الشباب ليسوا فئة متجانسة، وأن فرص مشاركتهم تختلف بحسب الانتماء السياسي والتنظيمي والموقع الجغرافي والاجتماعي والوضع الاقتصادي. وذكرت الدراسة أن ضعف المشاركة لا يرتبط فقط بغياب الفرص داخل عمليات السلام، وإنما يتصل أيضا بالبيئة السياسية والاستقطاب وضعف التنظيم والتمثيل المستدام ومحدودية الموارد والقدرات، إضافة إلى الفجوة بين الأجيال السياسية.


وبناءً على ذلك، ترى الدراسة أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في إدخال الشباب إلى عمليات السلام، وإنما في إعادة تصميم شروط مشاركتهم داخلها، عبر آليات واضحة لاختيار ممثليهم وتفويضهم، ومنحهم فرصا فعلية للتأثير في الأجندة والقرارات، وضمان تمثيل التنوع الجغرافي والاجتماعي والسياسي، واستمرار مشاركتهم في التنفيذ والمتابعة. واكدت على أن التمثيل لا يصبح ذا معنى إلا عندما يقترن بالتفويض والتأثير والاستمرارية، بحيث ينتقل النظر إلى الشباب من كونهم مستفيدين أو مشاركين في فعاليات السلام إلى اعتبارهم شركاء في تصميم السلام وصناعته واستدامته.

Welcome

Install
×