خبير مصرفي: توزيع “تأسيس” فئات جديدة من العملة محاولة للانتقال إلى اقتصاد الدولة
فئة الألف جنيه التي يتم تداولها في مناطق سيطرة تأسيس- يونيو 2026- راديو دبنقا
أمستردام- 4 يونيو 2026م – راديو دبنقا
اتخذت حكومة “تأسيس” العديد من الخطوات المتعلقة بتنظيم الجانب الاقتصادي والمالي في مناطق سيطرتها، والمتمثلة في إنشاء مجلس للعملة، واستمرار عمل مصرف المستقبل، بجانب طباعة فئات من العملة الوطنية القديمة (فئة الألف وفئة الخمسمائة جنيه).
وتأتي هذه الخطوات في ظل حالة العزلة الاقتصادية والمالية التي تعاني منها تلك المناطق، وما يواجهه المواطنون من صعوبات كبيرة في إجراء المعاملات التجارية والمالية. فقد أدى توقف فروع البنوك وبنك السودان المركزي في تلك المناطق إلى نقص حاد في السيولة النقدية، وتدهور حالة الأوراق النقدية المتداولة، وارتفاع تكاليف الحصول على النقد. كما أصبحت التحويلات الواردة عبر التطبيقات المصرفية، وعلى رأسها تطبيق “بنكك”، تخضع لخصومات وعمولات مرتفعة في السوق غير الرسمية، وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 25% من قيمة التحويل، نتيجة صعوبة الحصول على النقد الورقي.
ليبرز التساؤل البديهي: هل يمكن لحكومة “تأسيس” أن تؤسس نظامًا اقتصاديًا دون الاعتراف الرسمي بها؟
الانتقال لاقتصاد الدولة
هذا السؤال وأسئلة أخرى وجّهها “راديو دبنقا” للخبير المصرفي والمالي والمحلل الاقتصادي الأستاذ عمر سيد أحمد، الذي قال في مستهل حديثه إن هذه الخطوات تشير إلى أن حكومة “تأسيس” بصدد الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الدولة، وهي تطورات تعكس تحولًا في طبيعة المشروع الذي تتبناه، من الصرف على أوجه الغنائم والرسوم إلى بناء دولة مؤسسات.
وأضاف أن هذا التطور، بصرف النظر عن تقييمه السياسي، يأتي في إطار السعي لامتلاك الشرعية من قبل حكومة “تأسيس”، ولا يشير إلى إصدار عملة انفصالية جديدة كليًا، مشيرًا إلى أن العملات المطبوعة تحمل توقيع ” حسين يحيى جنقول”، آخر محافظ لبنك السودان قبل الانقلاب والحرب، والذي تم تعيينه مؤخرا محافظ للبنك المركزي بواسطة حكومة تأسيس.
وأشار إلى أن استمرار عمل مصرف المستقبل يمثل الذراع التشغيلية التي تترجم هذا الإطار إلى خدمات مالية.
وكان بنك السودان المركزي قد حذر من التعامل مع تطبيق أطلقته “شركة المستقبل للصرافة والخدمات المالية المحدودة”، في مناطق سيطرة تأسيس بداية العام الجاري بالتزامن مع بدء إجراءات فتح حسابات مصرفية .
وحول العملة التي يتم تداولها في مناطق تأسيس أضاف الخبير عمر سيد أحمد أن الجهة التي تقف وراء طباعة الأوراق المالية الجديدة مجهولة حتى الآن، وهناك عدة احتمالات: إما أن تكون منهوبة من مطابع العملة أثناء الحرب وتم تخزينها في مكان ما، أو أنها طُبعت حديثًا باستنساخ التوقيع الرقمي من الإصدارات السابقة، أو بواسطة مصدر ثالث لم يُكشف عنه.
عملة مبرئة للذمة داخل مناطق “تأسيس”
أما فيما يتعلق بسؤال ما إذا كانت هذه الأوراق الجديدة مبرئة للذمة، فيوضح عمر سيد أحمد أن قبول الناس بها، بحكم الواقع، في التداول والدفع يمنحها اعترافًا عمليًا كوسيلة دفع مقبولة داخل منظومة محددة، لكنه ينبه إلى أنها غير مبرئة للذمة خارج مناطق سيطرة “تأسيس”.
وقال إن بنك السودان المركزي لا يعترف بها ولا يلتزم باستبدالها، وأن أي معاملة تستند إليها في المحاكم والتسويات الرسمية تواجه إشكالات قانونية جوهرية، بافتراض أن الجهة الضامنة لهذه العملة، مثل البنك المركزي، لا توجد بالمعنى الحقيقي. إضافة إلى أن مجلس العملة الانتقالي لا يملك الاحتياطات اللازمة، ولا يحظى بالاعتراف الدولي، ولا يرتبط بأي منظومة ضمان، وأن الضمان الفعلي الوحيد هو الإكراه السياسي والعسكري في مناطق سيطرة “تأسيس”.
تجارب أخرى
وأوضح عمر سيد أحمد أن جملة هذه التطورات تمثل أكثر من مجرد انتقال من مرحلة الصراع العسكري إلى خطوات بناء الدولة، وهو نوع من الصراع أطول أمدًا وأعمق تأثيرًا، مشيرًا إلى أن التاريخ يثبت أن كيانات أخرى غير معترف بها تمكنت من بناء اقتصاديات ومنظومات مالية ومصرفية ونقدية فعالة على المستوى المحلي، مثل تجربة “جمهورية أرض الصومال”.
وأضاف أن هذا ما يمكن لحكومة “تأسيس” أيضًا فعله في مناطق سيطرتها، من خلال تقديم خدمات مصرفية أساسية للمواطنين، لكن هناك عقبات لا يمكن تجاوزها دون اعتراف دولي، مثل إجراء التحويلات المالية في الخليج وأوروبا، وعدم الوصول إلى مؤسسات مثل صندوق النقد والبنك الدولي، ما يعني عدم الحصول على تمويلات من هذه المؤسسات لإحداث تنمية أو تنفيذ برامج إصلاح منظمة.
وأوضح أن ذلك يعني عمليًا العزل عن منظومات الدفع العالمية بسبب عدم الاعتراف، كما حدث في تجربة أرض الصومال.
وختم بالقول إن مجمل موضوع العملة الجديدة التي تمت طباعتها، والمؤسسات المالية الوليدة في مناطق “تأسيس”، تحيط به قيود عديدة، أبرزها غياب الاعتراف الدولي، وغياب الاحتياطي، وغياب الشفافية حول مصدر العملات، الأمر الذي يضيف بعدًا قانونيًا خطيرًا، مشيرًا إلى أن أي مفاوضات قادمة يجب أن تربط الملف الاقتصادي بالملف السياسي، لتفادي الانفصال النقدي على أرض الواقع.


and then