أمستردام:9 فبراير 2026:راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري

أكد خبير الطيران والمدير الأسبق لسلطة الطيران المدني إبراهيم عدلان أن الترتيبات اجارية لتنفيذ خطة “الهدنة الإنسانية” انطلاقاً من استخدام الأمم المتحدة لمطار الخرطوم كمحور أساسي لأغراض إنسانية ؛ محدداً ثلاث سيناريوهات لإدارة وتشغيل مطارات إقليم دارفور محذراً من الإدارة بطواقم مستوردة من الخارج، ما يهدد بفشل الهدنة.

وقال في حديثه لـ”راديو دبنقا” إنَّ مايجري في مطار الخرطوم لا يمكن فهمه كإجراء لوجستي أو استثناء إنساني مؤقت، بل بوصفه بداية مرحلة جديدة في إدارة الأزمة السودانية؛

أشار إلى أن مطار الخرطوم يعد المؤسسة السيادية الأولى التي تعود للحياة، مشيراً إلى أن نزول أول طائرة مدنية تجارية في مطار الخرطوم، في ظل حرب لم تُعلن نهايتها، يشكّل حدثاً ذا دلالة سياسية وتشغيلية بالغة العمق.

وقال عدلان إنَّ الطيران المدني يعمل وفق معايير صارمة تتطلب تحييداً أمنياً فعلياً وترتيبات للمجال الجوي وقبولاً ضمنياً من أطراف النزاع.

ورأى المدير الأسبق لسلطة الطيران المدني إبراهيم عدلان أن اختيار قوات الدعم السريع عدم التعامل العدائي مع هذا التطور، رغم امتلاكها أدوات التعطيل، مقابل استمرار تحليق المسيّرات في بقاع أخرى، يشير بوضوح إلى تفاهم غير معلن على تحييد مطار الخرطوم.

وقال خبير الطيران إنَّ هذه التفاهمات تؤكدها قراءة طلب الأمم المتحدة استخدام المطار للأغراض الإنسانية، وهو طلب لا يُفهم إلا كخطوة سيادية مقنعة، تعيد تعريف وضع المطار كمرفق محايد يخضع لإدارة دولية ناعمة.

وأضاف قائلاً: بهذا المعنى، يصبح مطار الخرطوم أول مؤسسة سيادية تعود للعمل خارج منطق الشرعيات المتصارعة، وبداية انتقال الخرطوم من “مدينة حرب” إلى “مركز إدارة”.

النموذج الدولي: البلقان وكابول

تطرق خبير الطيران والمدير الأسبق لسلطة الطيران المدني إبراهيم عدلان إلى الحديث عن النموذج الدولي الذي تم تطبيقه في البلقان وكابول، وقال هذه المقاربة ليست بدعة سودانية، بل إعادة إنتاج لنماذج مجرّبة في مطارات البلقان عام 1998، تم تحييد المطارات قبل حسم القضايا السياسية، وجرى تأجيل الحديث عن السيادة لصالح تشغيل مرافق الدولة.

كما أشار إلى أنه في مطار كابول عام 2001، أُعيد تشغيل المطار في غياب دولة مكتملة، باعتباره شريان الإغاثة ونقطة الاتصال بالعالم.

واعتبر خبير الطيران أن القاعدة في كل هذه التجارب واحدة، حين يستحيل الاتفاق على من يحكم، يُتفق على ما يجب عمله.

ورأى أن تشغيل مطار الخرطوم يفرض تشغيل مطارات أخرى، وقال لا يمكن لمطار الخرطوم أن يعمل كجزيرة معزولة. فالتشغيل المنتظم يفرض بالضرورة وجود مطارات بديلة، كما يفرض نقاط تحويل للطوارئ، وشبكة توزيع إنساني فعّالة.

وأضاف قائلاً: في السياق السوداني، هذا يعني تلقائياً مطارات مثل الفاشر، الجنينة ونيالا
مشدداً بالقول: خصوصاً إذا كان الهدف المعلن هو الدعم الإنساني من منظور الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن الخرطوم ستكون المحور، بينما تمثل مطارات دارفور الأذرع في نموذج تشغيلي معروف.

ثلاث سيناريوهات


وطرح خبير الطيران والمدير الأسبق لسلطة الطيران المدني إبراهيم عدلان “السؤال الجوهري” حول من يدير الملاحة الجوية، وتابع قائلاً:” هنا تتكشف النوايا الحقيقية للخطة.

وتوقع في معرض الإجابة على هذا التساؤل عدة سيناريوها وقال إنَّ السيناريو الأول يتمثل في أن الطيران المدني السوداني هو الجهة الوحيدة المخوّلة بإدارة المجال الجوي والملاحة، والمعترف بها لدى منظمة “الإيكاو”. والجهة الملتزمة بالقانون الدولي.

وأشار عدلان إلى أن الكادر موجود، والخبرة متراكمة، بالنسبة للطيران المدني، لكن الواقع يفرض تحديات تشظي المؤسسات، غياب الحماية، تدهور البنية التحتية، ومع ذلك، إذا توفرت حماية دولية للمرافق، تمويل تشغيلي طارئ، إدارة فنية مستقلة، فإن هذا السيناريو يظل الأقل كلفة على السيادة والأكثر استدامة.

بينما اعتبر السيناريو الثاني يتمثل في إدارة مشتركة وهو (الأرجح) مؤكداً على أنه السيناريو الأكثر تداولاً في التجارب المقارنة، مشيراً إلى أن الطيران المدني السوداني يبقى في الواجهة القانونية، بينما تتولى فرق دولية، تقديم الدعم الفني، مراقبة الالتزام بمعايير السلامة، وأحياناً التشغيل المؤقت لبعض الوظائف.

وقال عدلان: إنّ هذا النموذج، المعروف بـ “الإدارة الظلية” لا يُعلن صراحة لكنه يتحكم فعلياً في الجودة والسلامة، وقد استُخدم في البلقان وأفغانستان والعراق.

ومضى خبير الطيران إلى الحديث عن السيناريو الثالث والمتمثل في استجلاب طواقم أجنبية مستوردة بالكامل من خارج السودان، محذراً من أنه أخطر السيناريوهات، ويُستخدم عادة كحل مؤقت جداً في حالات انهيار كامل، مشيراً إلى أن مخاطره كبيرة وتتمثل في تقويض ما تبقى من السيادة المهنية، وتهميش الكادر الوطني وخلق تبعية طويلة الأمد.

وقال في حالة السودان، خصوصاً دارفور، فإن استبعاد الكوادر المحلية يعني عملياً فشل الخطة، لأن المعرفة والخبرة بالبيئة والتضاريس والواقع الأمني لا تُستورد.

تشغيل حذر


وأشار إلى أهمية تشغيل مطارات دارفور، بأن هذا التشغيل حذر وليس استعراض سيادي ورجح أن يبدأ تشغيل مطارات دارفور بشكل محدود، وفق شروط محددة لخصها في عمليات نهارية، وخدمات أو استشارات بدلاً عن مراقبة كاملة، ووجود دولي داعم في المراحل الأولى، لكنه رهن نجاح أي ترتيب بإشراك أبناء الطيران المدني السوداني، لا استبدالهم.

وخلص إلى القول بأن ما يجري ليس انتصاراً سياسياً ولا تسوية نهائية، بل بداية انتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الأزمة، معتبراً أن مطار الخرطوم هو البوابة الأولى، وتشغيله يفتح تلقائياً ملف شبكة المطارات والمجال الجوي بأكمله.

وقال: السؤال الحقيقي لم يعد من يملك الشرعية بل من يعيد تشغيل الدولة وبأي كلفة على السيادة ولمصلحة من، وتابع قائلاً: “الامتحان القادم” سيكون واضحاً” وأردف: هل يعود أبناء الطيران المدني السوداني إلى أبراجهم وغرف عملياتهم أم يُدار المجال الجوي السوداني بعقود مستوردة ووصاية مفتوحة، مبيناً بأن هنا، لا تُقاس السيادة بالشعارات، بل بمن يمسك مفاتيح الفضاء.

Welcome

Install
×