خبراء: سياسات تمويل بنك السودان أهملت قطاع التجارة المحلية


امستردام: الأربعاء 28/ يناير/2026م: راديو دبنقا
مع عودة بنك السودان المركزي لاستئناف نشاطه من العاصمة، الخرطوم، في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، أكدت المحافظ د. آمنة ميرغني أن البنك بدأ فعلياً في مباشرة مهامه من مقره بالعاصمة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد قرارات حاسمة لدعم الاستقرار النقدي، وتعزيز الرقابة على المصارف، وتوجيه التمويل نحو أولويات الإنتاج والخدمات الأساسية، بما يخدم المواطن ويعيد للدولة هيبتها المالية.


وكان بنك السودان المركزي قد أصدر سياساته المالية والنقدية للعام 2026 وترتكز على إصلاح الجهاز المصرفي وإعادة هيكلته، تحديث البنى التحتية لنظم الدفع، كما تركز على توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والأنشطة ذات الأولوية، بما يساهم في خفض التضخم ومرونة واستقرار سعر الصرف لدعم استعادة التوازن الكلي وتبني مبادئ التمويل المستدام والتمويل الأخضر بما يتماشى مع التوجهات العالمية، وتحسين إدارة العملة الوطنية.

توجه حكومي

ويقول المحلل المصرفي أحمد بن عمر في هذا السياق: ” في تقديري، قرار بنك السودان المركزي بحظر تمويل عدد من الأنشطة في موجهات 2026 هو جزء من توجه حكومي أوسع لإعادة توجيه التمويل نحو ما هو حقيقي ومنتج، خاصة في ظل الضرر الكبير الذي لحق بالقطاعات الاقتصادية بسبب الحرب وهي نوعاً ما ايجابية لفكرة إعادة إعمار و تشغيل البلاد بعد التأثر الكبير للعاصمة و الولايات .

ويعتقد في حديثه لـ”راديو دبنقا” أن توجه البنك المركزي لا ينطلق في موجهات التمويل للعام 2026 من توصيف سلبي لتجربة التمويل في السنوات السابقة بقدر ما يرتبط برؤية ما بعد الحرب، التي تسعى إلى توظيف الجهاز المصرفي كأداة فاعلة في قيادة عملية التعافي والتنمية.

ويضيف: “ففي ظل مستهدف نمو اقتصادي يبلغ نحو 9% ضمن موازنة 2026، ترى السلطات النقدية أن توجيه التمويل المصرفي نحو القطاعات الإنتاجية أصبح شرطًا أساسيًا لتحقيق هذا الهدف، بما يضمن أن يسهم الائتمان في توسيع الطاقة الإنتاجية، وإعادة تشغيل القطاعات المتضررة، وتحفيز الاستثمار الحقيقي، بدل أن يظل محصورًا في أنشطة قصيرة الأجل محدودة الأثر التنموي”.

رفع كفاءة التمويل


ويرى المحلل المصرفي أحمد إبن عمر أن الحكومة تسعى عبر البنك المركزي إلى رفع كفاءة التمويل الممنوح، أي أن كل جنيه يخرج من الجهاز المصرفي يجب أن يذهب إلى نشاط قادر على تشغيل عمالة، أو زيادة انتاج، أو دعم الصادرات، أو إعادة تشغيل مشروع متضرر. لذلك جرى تضييق التمويل على الأنشطة غير المنتجة، مقابل فتحه وتفضيله للزراعة، والصناعة، والصادر، والطاقة، ومشروعات إعادة الإعمار.

ويؤكد أن الفائدة الأساسية من هذه الخطوة أنها تعيد الربط بين التمويل والاقتصاد الحقيقي،ويقول: عندما يذهب الائتمان إلى قطاعات متأثرة فعليًا بالحرب، فإن أثره لا يكون نقديًا فقط، بل هيكليًا بتشغيل سلاسل إنتاج، تخفيف الاستيراد، وتحسين الميزان الخارجي، وفي الوقت نفسه، يقل الضغط على سوق الصرف لأن جزءًا من الطلب على الدولار كان مرتبطًا بأنشطة مضاربية ممولة مصرفيًا.

ويشير إلى أن هذا التوجه قد يخلق ضغطًا على بعض الأنشطة التجارية في المدى القصير، وقد يشعر السوق بشح نسبي في السيولة، وتابع قائلاً: “لكن هذا في رأيي أثر جانبي لتصحيح ضروري. المشكلة الحقيقية ليست في نقص التمويل، بل في سوء توجيهه، وهذه السياسات تحاول معالجة هذا الخلل”.

وخلص المحلل المصرفي أحمد بن عمر إلى أن ما يجري هو محاولة لتحويل التمويل المصرفي من أداة تُغذّي التضخم والأزمات، إلى أداة تُستخدم في إعادة بناء القطاعات المتضررة ورفع الإنتاج الحقيقي، نجاح هذه الخطوة سيعتمد في النهاية على صرامة التطبيق، وتوسيع المحافظ التمويلية الانتاجية، والتنسيق مع السياسة المالية، حتى لا يبقى التوجيه نظريًا فقط.

إهمال قطاع التجارة المحلية


وأبدى الخبير المصرفي والمالي وسياسات التمويل عبداللطيف علي إبراهيم بعض الملاحظات على هذه الموجِّهات لعام 2026م والتي صدرت في السنوات السابقة، والتي يرى أنها أهملت قطاع التجارة المحلية، وتابع : إنَّ الإخوة في بنك السودان قد ينظرون إليها باعتبارها قطاعًا هامشيًا، لكن أنا أقول أنه قطاع مؤثر جداً في الاقتصاد”.

واعتبر إبراهيم في مقابلة مع “راديو دبنقا”،أن قطاع التجارة المحلية هو الذي يدفع الضرائب ورسوم المحليات، كما ينشّط ويحرك قطاع النقل، ويُسهم في دعم العديد من الخدمات المصاحبة وأن عدد العاملين في هذا القطاع كبير جدًا، إذ إن أي سوق في السودان يضم أعدادًا كبيرةً من المتعاملين في التجارة المحلية”.

ويؤكد إبراهيم أن تمويل التجارة المحلية ليس تمويلًا هامشيًا، بل هو تمويل يُسهم بصورة مباشرة في تنشيط الاقتصاد، كما يشير إلى ملاحظة أخرى تتعلق بالموجِّهات، حيث سمحت بتمويل استيراد بعض السلع االتي تعتبر كسلع أساسية، مثل سلع الطاقة الشمسية، ومدخلات الإنتاج، والماكينات والمعدات الرأسمالية.

وتساءل عن سبب السماح بتمويل استيراد هذه السلع، رغم تكلفتها من العملات الصعبة، لماذا لايتم السماح بتمويل قطاع التجارة المحلية للتعامل في السلع نفسها. ويبين أن السماح بتمويل التجارة المحلية في قطاع الطاقة الشمسية من شأنه تنشيط التعامل في هذه السلع وتوفيرها للمواطنين بصورة أكثر كفاءة وفاعلية.

السلع الرأسمالية


ويشير الخبير المصرفي والمالي عبداللطيف علي إبراهيم إلى أهمية السلع الرأسمالية ومدخلات الإنتاج، خاصة بالنسبة للصناعات الصغيرة، مبيناً أن يتم السماح لقطاع التجارة المحلية بالتعامل في مدخلات الانتاج يمكن أن يتيح توفيرها للصناعات الصغيرة في مناطق مختلفة من السودان.

وبناءً على ذلك، يعتقد الخبير المصرفي عبداللطيف علي إبراهيم أن السماح بتمويل التجارة المحلية يُعد أمرًا ضروريًا للغاية، وألا يُترك هذا الأمر فقط للتمويل الأصغر، إذ إن بعض هذه السلع تحتاج إلى مبالغ كبيرة لتوفيرها في الأسواق المختلفة.

وتطرق كذلك إلى تجارة الأدوية ، معتبرًا أنه ينبغي إيلاء اهتمام خاص بتمويل الصيدليات، نظرًا للأمراض المنتشرة في السودان والحاجة الملحّة لتوفير الأدوية في مناطق متعددة من البلاد.

وأوضح الخبير المصرفي أن الصيدليات هي الجهة المسؤولة عن توفير الأدوية، سواء عبر الشراء من المستوردين أو من مصانع الأدوية المحلية، ما يجعل التجارة المحلية في الأدوية ذات أهمية كبيرة.

ويضيف قائلاً: أن التجارة المحلية تساعد أيضًا في تنشيط المصانع المحلية، وتساعد في زيادة سرعة دوران السلع المنتجة محليًا، ودعا الإخوة في بنك السودان إلى أخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، ومنح قطاع التجارة المحلية ما يستحقه من اهتمام.

ويرى حتى وإن كان ذلك عبر تحديد نسبة من السقف التمويلي للبنوك، أن تُخصص نسبة تتراوح بين 20% و25% من إجمالي التمويل المصرفي للتجارة المحلية، بما يسهم في انسياب السلع في مختلف الأسواق وتوفيرها للمواطنين في أماكنهم.

الحرب فرضت تحديات


ويعتقد الخبير المصرفي والمالي عبداللطيف علي إبراهيم بأن هذه الحرب قد فرضت تحديات كبيرة بالنسبة للاقتصاد السوداني، معتبراً أن الآثار السالبة لهذه التحديات لن تكون راكدة بل ستنعكس خلال السنوات القادمة خلال الفترة القصيرة والمدى المتوسط والطويل.

ويقول إبراهيم الذي يشغل حالياً مدير عام المركز العالمي لتطوير الأعمال بالخرطوم، إن وضع سياسات تحد من هذه الآثار السالبة يصبح أمراً ضرورياً، مضيفاً بأن تكامل وتناغم السياسات، المالية من ناحية والتي تضعها الحكومة والمتمثلة في الموازنة العامة للدولة، والسياسة النقدية والتي يضعها البنك المركزي من ناحية أخرى، لابد أن يكون هنالك توافق تام بينهما حتى يتم تعزيز الاستقرار الاقتصادي.

ويضيف قائلاً: بالتالي إذا كان هنالك استقرار اقتصادي سيكون هنالك نمو اقتصادي وسيكون هنالك معدلات موجبة بالنسبة للاقتصاد، معتبراً أن السياسة التمويلية والتي هي جزء من السياسة النقدية التي يصدرها البنك المركزي، وهي عبارة عن مرشد أو موجه لكيفية استغلال الجهاز المصرفي وبيوت التمويل بالنسبة للموارد المتاحة.

أولوية وضوابط التمويل

ويشير إلى أن السياسة التمويلية تصدر وتستصحب معها أهداف العام والقطاعات ذات الأولوية هي التي تؤثر بصورة كبيرة على الآداء الاقتصادي، وهي في السياسة التمويلية محددة بالإسم مثال القطاع الصناعي، الزراعي وقطاع الصادر.

ويؤكد أن كل هذه القطاعات ذات أولوية والسياسة التمويلية توجه للتركيز عليها وتمنحها بعض الأفضليات في التعامل وما شابه ذلك، ويرى أن هذه السياسة تسهم بشكل مباشر بتوجيه الموارد نحو هذه القطاعات.

وحول الضوابط التمويلية يرى الخبير المصرفي أنها تستخدم لتوجيه موارد المصارف المحدودة، توجيهها نحو الاستخدام الأفضل اقتصادياً، ولكي يتم ذلك يجب تحديد القطاعات ذات الأولوية، ويضيف: “كما ذكرت آنفاً أن السياسة التمويلية حددت تلك القطاعات المتمثلة في الزراعة بشقيها الحيواني والنباتي والقطاع الصناعي وقطاع الصادر وغيره”.

ويعتقد أن تحديد هذه القطاعات أوالأنشطة فذلك يمنع تبعثر الموارد إلى أنشطة أخرى، كذلك حظر بعض القطاعات هذا يعني تلقائياً توجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية.

وحول المخاطر داخل الجهاز المصرفي يعتقد الخبير المصرفي عبداللطيف إبراهيم أن أي تمويل فيه مخاطر بشكل عام ويقول: إنَّ هنالك نوعين من المخاطر، مخاطر السوق ومخاطر الائتمان ويرى أن من ناحية مخاطر السوق فإن السياسة التمويلية حظرت بعض الأنشطة التي لديها مخاطر سوقية عالية مثل أنشطة تجارة الأسهم وحتى تجارة الذهب.

وفي الجانب الثاني يضيف بأن المخاطر المتعلقة بالتمويل ولكي يتم تقليل المخاطر لابد أن تكون هنالك ضمانات، يمكن تسييلها في حالة تعرض التمويل لأي مخاطر أوتعسر، مشيراً إلى أن المخاطر لاتنمع التمويل لكن يمكن التقليل منها عبر إجراءات وضعتها السياسة التمويلية للحد من المخاطر.

السلامة المصرفية


وبالنسبة لكيفية تحقيق التوازن بين متطلبات السلامة المصرفية وتلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية والخدمية، يقول الخبير المصرفي عبداللطيف علي إبراهيم: ” حين نأتي لتعريف السلامة المصرفية، فإنها ضرورية لسيرورة واستمرارية المصارف، إذ إن غيابها يعني أن المصرف سينهار خلال فترة زمنية معينة”.

ويعتقد أن وجود السلامة المصرفية يهدف في الأساس إلى ضمان استمرارية البنك ورفع كفاءته، ويرى أن هنالك مجموعة من الإجراءات والضوابط التي تستهدف تحقيق استقرار المصارف.

ولفت إلى أن هنالك متطلبات أساسية للحفاظ على السلامة المصرفية، تتمثل في “مقررات بازل” وما تلاها من مقررات، وتشمل هذه المتطلبات كفاية رأس المال، وجودة الأصول، وإدارة المخاطر، والرقابة والالتزام وغيرها من المعايير التي وُضعت بهدف الحفاظ على السلامة المصرفية.

وهنا المهم هو جودة الأصول، كما يرى الخبير المصرفي إبراهيم، ويقول: وهي النقطة المرتبطة مباشرة بالسؤال المطروح. فالمحافظة على جودة الأصول تتطلب الموازنة بين هدفين أساسيين؛ الأول هو الحفاظ على السلامة المصرفية، والهدف الثاني يتمثل في تلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية المختلفة، وذلك من أجل تحقيق الربحية في نهاية المطاف.

التحفظ وتقليل المخاطر

ويؤكد مدير عام و مالك المركز العالمي لتطوير الأعمال الخرطوم عبداللطيف علي إبراهيم أن السلامة المصرفية تميل بطبيعتها إلى التحفظ، وتقليل المخاطر، وتشديد الضوابط. وفي المقابل، فإن عملاء القطاعات الإنتاجية يحتاجون إلى تمويل مرن، وغالبًا ما يتطلب ذلك آجالًا زمنية طويلة وتحمل بعض المخاطر المحسوبة. ومن هنا، فإن الموازنة بين هذين الجانبين هي التي تفرض الوضع الأمثل للمصارف.

ويشير إلى أن موارد المصارف تتكون أساسًا من ودائع العملاء، والتي قد تكون ودائع جارية، أو استثمارية، أو إدخارية. وكل هذه الودائع يتم تحويلها إلى أصول تمويلية، لكن في النهاية هذه الأصول لابد من إعادتها، لكن لابد أن تكون وفق ضوابط تساعد على عودة هذه الأموال وفي الوقت نفسه تسهم في تحقيق الربحية للبنك.

ويرى أن الأدوات أو الضوابط التي يمكن أن يستخدمها البنك لتحقيق جودة الأصول فهي عديدة، ويمكن الإشارة هنا إلى مجالين أساسيين للضمانات؛ إذ ينبغي توفر ضمانات قابلة للتسييل في حال تعثر التمويل أو هنالك المخاطر عالية بالنسبة للتمويل.

“يمكن للبنك اتباع إجراءات أخرى، مثل زيادة هوامش الأرباح، أو زيادة هوامش المشاركة في عمليات التمويل، إلى جانب اتباع بعض الإجراءات الإضافية التي تهدف إلى الحفاظ على سلامة التمويل. وفي هذا الإطار، يجب أن تتوافر آليات واضحة للتوزيع بما يتيح تحقيق الهدفين معًا في الوقت ذاته” وفقاً لإبراهيم.

ويرى الخبير المصرفي أن الالتزام بتنفيذ السياسات هو المحك الأساسي بالنسبة لنجاحها وتابع: “حينما نأتي للتنفيذ نجد أن بعض المصارف قامت ببعض التجاوزات وتعرضت بعض المصارف للتحذيرات والعقوبات من البنك المركزي”، لكنه يعتبر أنه تحدث بعض الممارسات وهذه حالات استثنائية.

ويشير إلى أن وجود تحديات يواجهها الجهاز المصرفي خلال العام، وقد تنشأ نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتغيرة، مثل سعر الصرف، التضخم، إضافة إلى طبيعة العمليات المصرفية نفسها. هذه العوامل تضع البنوك أمام مواقف صعبة إلى حد ما.

Welcome

Install
×