خبراء: الحكومة عبارة عن متحصل ونصيبها من عائدات انتاج الذهب لايتعدى الـ 8%
طاحونة كرتة الذهب ـ المصدر ـ مواقع التواصل الاجتماعي
امستردام: السبت 3 بناير 2026: راديو دبنقا
نقرير: سليمان سري
خلال اليومين الماضيين، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة عن تحقيق طفرة في إنتاج الذهب، بانتاج 70 طناً، بنسبة انجاز وصلت إلى 113% عن تقرير الأداء للعام 2025م، مقارنة بالمستهدف للعام 2025م، كأعلى انتاجية خلال الخمس سنوات السابقة. بينما بلغت جملة الإيرادات العامة ترليون و87 مليار جنيه سوداني، بنسبة إنجاز بلغت 132% من الربط المخطط له للعام.
وفي كل عام تثير التقارير الصادرة عن الشركة السودانية حول الكميات المنتجة من الذهب جدلاً واسعاً، حول الأرقام الحقيقية لانتاج الذهب، بينما تكشف تقارير دولية عن فجوة واسعة بين ما يُنتَج فعليًا وما يُصدَّر ويُسجَّل رسميًا أرقاماً محدودة للانتاج والصادر.
ويشكك مراقبون في تلك الأرقام لعدم انعكاس تلك “الطفرة الانتاجية” وعائداتها على معاش الناس أو في الميزان التجاري وأسعار العملة، ويظل الوضع الاقتصادي يراوح مكانه، بينما تذهب كل عائدات الذهب للانفاق على تمويل الحرب.
ويرى مراقبون أن قطاع الذهب لازال يعاني من التهريب والفساد على كل المستويات في جهاز الدولة، وعدم كفاءة الرقابة وفشل سياسات الدولة في منع التهريب وعدم الاستفادة من العائدات
انتاج 70 طن من الذهب وتصدير 12.5:
من جهته يقول الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي في مقابلة مع راديو دبنقا إنَّ التقرير الختامي الصادر عن الشركة في 28 ديسمبر 2025. يشير إلى أن الإنتاج الفعلي للذهب وصل إلى 70.10 طن خلال العام، بالمقارنة بما كان مخططًا له بنحو 62 طنًا، أي بزيادة قدرها 8 أطنان في الإنتاج الفعلي، بما يعادل نسبة 113%.
ويضيف بأن التقرير يشير أيضًا إلى أن مصادر هذا الإنتاج خلال العام جاءت من القطاع التقليدي الفعلي، الذي ساهم بالنصيب الأكبر بإنتاج 58.4 طنًا، شركات معالجة المخلفات 5.7 طن، وشركات الامتياز 6 أطنان. وقد ساهم ذلك في تغذية الإيرادات العامة بنحو 1.1 تريليون جنيه.
وأوضح لراديو دبنقا أن ما تم تصديره لايتجاوز الـ 12.5 طن، بما يعادل 1.3 مليار دولار أمريكي، عبر القنوات الحكومية والمصرفية الرسمية، أما باقي الكميات تشير التقارير الأخرى إلى أن باقي الكميات تم تداولها محليًا أو تهريبها عبر القنوات غير الرسمية.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن الذهب ساهم بأكثر من 65% من إجمالي الصادرات السودانية، بعد تراجع الصادرات الزراعية والحيوانية بسبب الحرب، بينما بلغت عائدات الذهب، كما ذكرنا، نحو 1.3 مليار دولار، دون معالجة العجز المتفاقم الناتج بسبب زيادة الواردات الاستراتيجية.
وفيما يتعلق بتغذية الاحتياطيات الدولية لبنك السودان، يقول فهمي: بحسب التقرير فقد تبنى البنك سياسة اقتناء الذهب عينًا بالشراء بالجنيه السوداني، ساهم ذلك في تخفيف الضغط على الاحتياطي لدعم الجنيه السوداني. هو إلزام بنك السودان للمصدرين بتوريد حصائل الصادر بالكامل خلال 30 يومًا، بما ساهم في توفير سيولة من النقد الأجنبي لتمويل عمليات الواردات الاستراتيجية.
ويعتبر فهمي أن هناك استقرار نسبي في الاحتياطيات، بحسب التقرير، بما يمنع من الانهيار الشامل للاحتياطيات النقدية، رغم أنها ليست كافية لزيادتها بشكل كبير، نظرًا لأن معظم العائدات ما زالت تُستهلك فورًا لتمويل فاتورة السلع الاستراتيجية مثل القمح والوقود وغيرها.

الفجوة بين المنتج والمصدر:
ويقول الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي: رغم ذلك، تشير التقارير الأجنبية أيضًا إلى أن حجم الذهب المصدر إليها كدول مستقبِلة للذهب السوداني أكثر مما هو منتج بالفعل، بأكثر من 70 طن على سبيل المثال.
ووفقًا لهذه التقارير، يقول فهمي، فإن مصر وحدها، استوردت حوالي 60 طنًا من ذهب شمال السودان، شاملًا الذهب غير المسجل رسميًا، في حين استوردت الإمارات أكثر من 29 طنًا خلال الفترة من 2020 إلى 2025، بينما بلغت الكميات المصدرة 18 طنًا لتشاد، وتسعة أطنان إلى ليبيا. كما لا توجد تقديرات للكميات التي استلمتها كل من جنوب السودان وإريتريا، إضافة إلى دول أخرى غير محددة الكميات مثل سويسرا والصين.
ويضيف بأن إجمالي ما تم تصديره يتجاوز ما بين 130 إلى 160 طنًا عملياً. ومبيناً أن هذا يعني أن الإنتاج الفعلي، إذا تم خصم الكميات المتداولة داخليًا الـ 70 طن، ويشير إلى أن الصادارات دائماً تكون أقل من الإنتاج الفعلي، لعدم حصر ما تم تداوله فعليًا داخل السودان.
وبناءً على ذلك، يرى فهمي، بحسب التقرير، بأن الحقائق قد تتجاوز كثيرًا مما تم تداوله، وتابع: يمكن القول إن حجم الإنتاج الفعلي قد يتراوح بين 180 إلى 200 طن أو أكثر بالنسبة للمنتج الفعلي.
ويرجح أن القطاع التقليدي بالأخص، لا يُسجِّل ما تم إنتاجه بالفعل، وهذه ظاهرة معروفة لدى المواطنين والخبراء على حد سواء، بما في ذلك الشركة السودانية للموارد المعدنية، فلاتقوم بتسجيل كل الكميات المنتجة فعليًا.
وتشير تقارير، بحسب فهمي، إلى أن الدول المستوردة للذهب السوداني لوتم تجميعها مع بعض فإن 160 طنًا يعد رقماً كبيراً، ما يعني ضعف المعلن في التقرير الرسمي الصادر عن الشركة السودانية للموارد المعدنية، والتي قدّرت الإنتاج بنحو 70.1 طن من الذهب. وهذا إعلان الدول عن وارداتها من الصادرات السودانية وهي تتجاوز، أو ما يعادل ضعف الإنتاج الفعلي لما حصرته الشركة السودانية.
هجرة رؤوس الأموال:
وبالعودة إلى التقرير الحكومي، كما يقول الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي: “ووقفنا على أسباب الزيادة البالغة ثمانية أطنان عن الربط المخطط له والبالغ 62 طنًا، نجد أن هذه الأسباب تكاد تكون واضحة تتمثل في استقرار وأمان الولايات المنتجة للذهب، وهجرة رؤوس الأموال المتضررة من الحرب في ولاياتها إلى الاستثمار في مجال التعدين بالولايات الآمنة.
ويعتقد بأن من بين أسباب الزيادة في الانتاج أيضاً، تسهيل إجراءات الصادر بالسياسات المرنة، إلى جانب التوسع في معالجة المخلفات (الكرتة)، بالإضافة إلى سياسة الحكومة في الرقابة على هذا الإنتاج من خلال الرقمنة. ويقول هذه من أبرز العوامل الخمسة التي أمكن حصرها من خلال التقارير المختلفة.
غير أنه يقول: يظل هنالك تحدٍ كبير لهذا الفرق الشاسع في الأرقام ما بين تقارير الدول بشأن وارداتها من الذهب السوداني، بالمقارنة مع تقرير الشركة السودانية للموارد المعدنية، وهذا الفرق يكاد يكون أكثر من ضعف ما تعلنته التقارير السودانية.
ويشير فهمي إلى أن هذه الخطوة تحتاج إلى مراجعة كبيرة أو إجراءات حادة في إنه كيف، كيف يحصر هذا الذهب ويقلص من التهريب المهول لهذه الكمية المنتجة في السودان. ووفقًا لبعض التقارير، تقول بأنه لو تمكنت الحكومة السودانية من حصر هذا الذهب، لكانت قد حققت فائضًا في الميزان التجاري يغنيها عن الاقتراض وعن كثير من الاحتياجات الأخرى، وهو ما ذهبت إليه بعض التقارير.
وبناءً على ذلك، يرى الخبير الاقتصادي، إنه كان من الأفضل أن تكون هناك قوة مراقبة تماماً لعمليات الإنتاج الفعلي للذهب في الولايات الآمنة، أو التي يتم فيها إنتاج الذهب.
مابين المعلن والمنتج:
ويقول فهمي: طبعًا، نحن لايمكن أن نحصر ما بين 140 إلى 160 طنًا من صادرات الذهب بحسب تقارير الدول المستوردة، غير أن هذه الكميات تشمل أيضًا الذهب الصادر من مناطق تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
ويضيف بأن هذه المناطق، بطبيعة الحال، لا يتم فصلها داخل التقارير الدولية، إذ تُدرج الصادرات باسم السودان وهم يتعاملون مع السودان كدولة واحدة، دون التمييز بين مناطق سيطرة الدعم السريع ومناطق سيطرة الجيش السوداني.
ويوضح أن ما أعلن في التقرير، في تقدير الشخصي، هو ما يتعلق بشمال السودان، حيث تشير حتى تقارير الدول الأجنبية إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الكميات غير مسجل لدى الحكومة السودانية الحالية الموجودة في شمال السودان، أي في المناطق التي تقع تحت سيطرة الجيش.
ويقول فهمي، وفقًا لهذه التقارير، ما زالت هناك كمية كبيرة جدًا غير محصورة، إذ تشير الأرقام إلى أن مصر لوحدها استوردت نحو 60 طنًا، فيما استوردت الإمارات قرابة 30 طنًا، وهو ما يعادل وحده نحو 90 طنًا، دون احتساب باقي الدول مثل سويسرا والصين وجنوب السودان وإريتريا هذه كلها غير محسوبة.
محاصرة التهريب:
وبناءً على ذلك، كما يقول الخبيرالاقتصادي د. وائل فهمي في المقابلة مع راديو دبنقا : لو اعتبرنا الفارق المقدر يتراوح ما بين 70 إلى 100 طن، هذه نحو 30 طنًا يُفترض أنها صادرة من مناطق تقع تحت سيطرة الجيش، خاصة أن دولًا مثل إريتريا ومصر، إضافة إلى حركة الصادر إلى الإمارات، تقع ضمن مناطق نفوذ الجيش السوداني.
ويقول إن مايثير التساؤلات عدم حصر هذه الكميات حتى الآن، ومازال هنالك جهد كبير جدًا على الشركة السودانية للموارد المعدنية لمحاصرة هذا التهريب بشكل مكثف أكثر مما هو عليه في الوقت الراهن.
ويعتقد فهمي بأن هذا يعكس أن تهريب الذهب يرتبط بعمليات تسجيل الكميات المنتجة، حيث تظهر مؤشرات واضحة على وجود فساد، سواء من بعض المنتجين أو من بعض العناصر ضعيفة الرقابة في الجهات المختلفة، فيما يتعلق بحصر الحجم الفعلي للإنتاج.
وخلص إلى أنه ما زال هناك جهود ضخمة جدًا يجب أن تُبذل، خاصة في ظل ظروف الحرب الراهنة، إذ تحتاج الدولة إلى موارد مالية ضخمة جداً لتمويل المجهود الحربي القائم حاليًا، وإذا لم يتم إنجاز ذلك، “سنظل في حالة مديونية دائمة”، على حد تعبيره

الحكومة مجرد متحصل:
يصف الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لسلطة أسواق المال بالسودان د. شوقي عزمي أن يحدث تطور في قطاع التعدين بـ”الأمر الجيد”، ولكنه يرى أنه لا زال السودان بعيداً عن تحقيق “الهدف الأسمي” وهو القضاء علي التهريب بصورة كاملة مع وجود خلل في طريقة انتاج وسياسات الذهب.
ويقول في مقابلة مع “راديو دبنقا”: إنَّ خروج بعض مناطق الانتاج المهمة وسيطرة “المليشيات المسلحة” عليها يؤكد ما ذهبنا اليه سابقا بأن الانتاج الحقيقي للذهب يتجاوز 120 طناً في العام بالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة تؤكد أو تنفي هذا الأمر”.
ويضيف بقوله: يذكر أن القيمة الإجمالية للذهب المنتج والبالغ 70 طن حسب مصادر وزارة المعادن تبلغ قيمتها وفقاً لأسعار البورصة العالمية حوالي 9.8 مليار دولار أمريكي، تعادل وفقاً للسعر الرسمي حوالي 23.5 ترليون جنيه سوداني.
ويشير إلى أن نصيب الحكومة منها كان حوالي 1.87 مليار جنيه فقط وهو مايعادل حوالي 8٪ فقط من المنتج، بينما يتمتع القطاع الخاص والشركات والاجنبية بنسبة 92٪ من حصيلة الانتاج، الأمر الذي يفترض أن يؤدي بالضرورة إلي دخول الدوله عبر شركاتها إلى الانتاج بدلاً من أن تتحول إلى متحصل رسوم أو تاجر فقط.
ويشدد بأن ضرورة قيام بورصة بمواصفات تقنية عالية ترتبط بالمؤسسات ذات الصلة بجانب تخفيض الرسوم المفروضة من قبل الحكومة سوف ينهي عمليات التهريب بصورة كبيرة. مما ينعكس إيجاباً علي سعر الصرف.
ويقول رئيس سلطة أسواق المال لراديو دبنقا : هناك سؤال يطرح نفسة لماذا يعاني الميزان التجاري في السودان من خلل كبير في ظل انتاج 70 طن من الذهب .. وتابع قائلاً: “ولا يوجد إجابة لذلك إلا بعدم دخول قيمة الذهب إلى المنظومة المصرفية، مما يؤكد وجود خلل في سياسات صادر الذهب.
ويضيف بأن الأمر الذي يحتم ضرورة معرفة هذا الخلل ويعتقد بأن الأمر الطبيعى بتدفق قيمة الـ 70 طن ذهب في دورة الاقتصاد السوداني أن تنخفض أسعار العملات الأجنبية بصورة كبيرة بينما يحدث العكس، في الواقع، بل تنخفض قيمة العملة المحلية.
يعتقد بأن سياسات انتاج وتسويق الذهب تحتاج الي ثورة تصحيحية حتي تنعكس إيجاباً علي حياة ومعيشة كل الشعب السوداني، وتابع قائلاً: “خاصة إذا علمنا أن قيمة الذهب المصدر تفوق حجم الاستيراد الرسمي في السودان”.


and then