رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف (صمود)، الدكتور عبد الله حمدوك : مصدر الصورة : راديو دبنقا

حمدوك في حوار مفتوح مع ( دبنقا): كيف يخرج السودان من أزمته الوجودية؟

جولتنا الأوروبية بهدف حشد الدعم الدولي لإنهاء حرب صنعت أكبر مأساة إنسانية في السودان

طرحنا ثلاثة مسارات لوقف الحرب ونقلنا معاناة النزوح واللجوء لمراكز القرار وصناعة الرأي في أوروبا

السودان أمام خيارين دولة جديدة أو استمرار الفشل و(70) عامًا من الفشل تفرض عقدًا اجتماعيًا جديدًا

أمستردام: السبت 31 يناير 2026: راديو دبنقا

في ظل الحرب المستمرة التي دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، وتسببت في انهيار واسع لمقومات الحياة، استضاف راديو دبنقا رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف (صمود)، عبد الله حمدوك، في حوار مطول تناول تطورات الأوضاع في السودان، وأهداف جولته الأوروبية، ورؤيته لوقف الحرب ومعالجة جذور الأزمة، ودور القوى المدنية والمجتمع الدولي في الوصول إلى سلام مستدام وانتقال مدني ديمقراطي.

جولة أوروبية لحشد التأييد للسلام

قال حمدوك في المقابلة مع راديو دبنقا إن وجوده الحالي في أوروبا، وتحديدًا في هولندا بعد زيارة فرنسا، يأتي ضمن جولة تهدف بالأساس إلى حشد التأييد للسلام في السودان، موضحًا أن الجولة تشمل خمس دول هي فرنسا، هولندا، النرويج، ألمانيا، وتُختتم بالمملكة المتحدة.

وأوضح، لـ(راديو دبنقا)، أن الهدف من هذه الزيارة هو أن يشعر العالم بحجم الأزمة السودانية الحقيقية، في وقت أصبح فيه السودان جزءًا مما وصفه بالصراعات المنسية، رغم أن ما يجري فيه اليوم يمثل أكبر أزمة إنسانية في العالم، بل يفوق أزمات أخرى تحظى بتغطية واهتمام أوسع.

وقال إن هذه الجولة جاءت استجابة لمعاناة أهل السودان، المواطنين المكتوين بنيران النزوح واللجوء، والفاقدين للمأوى والغذاء والمياه والتعليم والخدمات الصحية، في وقت تراجعت فيه إمكانات العالم مقارنة بما كان متاحًا في السابق، وهو ما يفرض بذل جهد أكبر للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الفاعلين.

القوي المدنية لاتملك السلاح ولكنها تملك الشارع

وأشار إلى أن لقاءاتهم في أوروبا شملت مسؤولين رسميين، ومؤسسات لتكوين الرأي، ومراكز بحث، ووسائل إعلام، ومنظمات مجتمع مدني، مؤكدًا أن المدخل الأساسي في كل هذه اللقاءات هو معاناة المواطن السوداني، وأن الهدف هو حشد التأييد للناس في هذه الظروف القاسية، حتى يشعر العالم بحجم المأساة، ويدرك أن أزمة السودان لا يمكن تجاهلها.

وفي ما يتعلق بتساؤلات يطرحها السودانيون حول كيفية إيقاف الحرب في ظل أن القوى المدنية لا تملك السلاح، قال حمدوك لراديو دبنقا إنهم جزء من الفضاء المدني الذي يشكل الغالبية العظمى من الشعب السوداني، وإنهم وإن كانوا لا يملكون البنادق، إلا أنهم يملكون قوة أهلهم وشعبهم والشارع العريض، وهو سلاح مجرّب أسقط دكتاتوريات في أعوام 1964 و1985 و2019. وأضاف أن السودانيين عندما يتوحدون ويصبح لهم صوت عالٍ، يكون بمقدورهم تحقيق ما يشبه المعجزات.

صورة جماعية لوفد من تحالف صمود برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك وسط وبجواره مديرعام الشؤون الإفريقية بوزارة الخارجية الفرنسية ايمانويل بلاتمان عقب مباحثات اجراها الوفد في باريس يوم الثلاثاء 20 يناير 2026 : وسائل التواصل الاجتماعي

مسارات حل الأزمة

وأوضح أن تحالف (صمود) طرح رؤيته لحل الأزمة عبر ثلاثة مسارات متكاملة. المسار الأول هو وقف إطلاق النار، لأن استمرار الحرب والتراشق لا يتيح القيام بأي عمل مفيد. والمسار الثاني هو المسار الإنساني، مؤكدًا أن الإنسان أهم من أي شيء آخر، وأن هذا هو المدخل الأساسي لأي حل. أما المسار الثالث فهو المسار السياسي، الذي طرح له التحالف أداة أطلق عليها اسم المائدة المستديرة.

وقال حمدوك في المقابلة مع راديو دبنقا إن هذه المائدة تقوم على استعداد تحالف (صمود) للجلوس مع كل القوى المدنية، بما في ذلك تحالف تأسيس، والكتلة الديمقراطية، وقوى أخرى خارج هذه الأطر، مثل عبد الواحد محمد نور، والمؤتمر الشعبي، وحزب البعث، من أجل تشكيل لجنة تحضيرية تمثل هذه الأطراف كافة. وأوضح أن مهمة هذه اللجنة هي ترتيب أجندة المؤتمر، والاتفاق على قضاياه، والتوصل إلى مسودة سلام للسودان، والتوافق على تركيبة وشكل الانتقال، ثم عقد مؤتمر للحوار السوداني السوداني تُجاز فيه هذه القضايا، وينطلق بعدها مسار الانتقال.

وفد تحالف صمود برساسة حمدوك يلتقي وزير الخارجية الألماني-يناير 2026-إعلام تحالف صمود

تشتت الصف المدني

وأقر بأن القوى المدنية في الوضع الراهن تعاني من التشتت بين (صمود) وتأسيس والكتلة الديمقراطية والجذريين والإسلاميين ومنظمات المجتمع المدني، ولا توجد رؤية موحدة، وهو ما أضعف الوجود المدني. لكنه شدد على أن المطلوب ليس وحدة كاملة، لأن الوحدة الكاملة غير ممكنة، وإنما وحدة معقولة أو تنسيق واسع تحت مظلة واحدة، يتم فيها الاتفاق على قضايا أساسية، وهو أمر ليس صعبًا وقد تحقق في تاريخ السودان أكثر من مرة.

وأضاف أن هذا النوع من التنسيق يخلق صوتًا قويًا قادرًا على الضغط على طرفي الحرب، مشيرًا إلى أن نتائج إيجابية بدأت تظهر، مثل إعلان نيروبي الذي جمع تحالف (صمود) مع حركة عبد الواحد محمد نور، وحزب البعث، والمؤتمر الشعبي وكذلك ميثاق القاهرة ، واعتبر حمدوك هذه الخطوات بانها بداية جيدة في اتجاه توحيد القوى المدنية.

وقال لراديو دبنقا إن السودان يواجه أزمة وجودية حقيقية، محذرًا من أن استمرار الخلافات قد يقود إلى ضياع البلاد نفسها، داعيًا السودانيين إلى الاتفاق على المشتركات أولًا لإنقاذ الوطن، ثم ترك المجال لاحقًا للتنافس السياسي.

حمدوك متحدثا في الندوة التي اقامها وفد صمود خلال زيارته الى هولندا بمدينة لاهاي : الاحد 25 بنابر 2026 : راديو دبنقا

استثناء المؤتمر الوطني المحلول

وأوضح أن الاستثناء الوحيد من مبدأ الانفتاح السياسي في السودان يظل مرتبطًا بالقوى التي “خرّبت البلاد”، في إشارة إلى المؤتمر الوطني المحلول قانونًا خلال الفترة الانتقالية، والحركة الإسلامية المرتبطة به. وأشار في المقابلة مع راديو دبنقا إلى أن الهدف هو استبدال دولة الحزب ببناء دولة الوطن التي تتسع للجميع، مؤكدًا أن هذا الاستحقاق يمثل الأساس لأي تسوية سياسية حقيقية.

وأضاف أن السودان بلد ذو أغلبية مسلمة، ولا يوجد أي تهديد للإسلام أو خوف عليه، مشيرًا إلى أن القوى المدنية تعمل بصورة منتظمة مع فصائل داخل الحركة الإسلامية، وعلى رأسها المؤتمر الشعبي، الذي قال إنه يُحسب له قيامه بقطيعة كاملة مع الانقلابات والدكتاتوريات، ودعمه الواضح للحكم المدني، وهو ما يفتح الطريق أمام سودان مختلف.

ترتيب أوضاع السودان

وفي ما يتصل بدور المجتمع الدولي، قال حمدوك إنه لا يمكن ترتيب أوضاع السودان بمعزل عن الصوت السوداني، وإن أي مبادرة لا تستصحب رؤية السودانيين لا معنى لها. وأكد أن الحرب اندلعت بأيدٍ سودانية داخل السودان، وأن حلها الأساسي يجب أن يكون عبر المدنيين السودانيين، على أن يقتصر دور الإقليم والمجتمع الدولي على الدعم والمساندة.

وتطرق حمدوك في المقابلة مع دبنقا إلى الانقسام الحاد الذي خلفته الحرب داخل المجتمع السوداني وحتى داخل البيت الواحد، موضحًا أن هذا الانقسام ليس جديدًا، بل عمّقته الحرب، وأن جذوره تعود إلى تاريخ طويل من التهميش وسوء إدارة التنوع.

وقال إن الحرب الحالية تضع السودانيين أمام خيارين لا ثالث لهما، إما إعادة ترتيب أوضاع البلاد وبناء سودان جديد مختلف يقوم على عقد اجتماعي جديد، أو الاستمرار في مسار الفشل الذي لازم الدولة لأكثر من سبعين عامًا. وأوضح أن القضايا الجوهرية المطروحة تشمل العلاقة بين الدين والدولة، والمواطنة المتساوية، ودور الجيش، وهي قضايا يجب أن تكون في صلب أي مؤتمر دستوري شامل.

وفد تحالف صمود خلال زيارته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي الهولندية - يناير 2026-صفحة تحالف صمود على فيسبوك
وفد تحالف صمود خلال زيارته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي الهولندية – يناير 2026-صفحة تحالف صمود على فيسبوك

لاشراكات مع العسكر

وفي ما يتعلق بالحديث عن شراكات عسكرية جديدة خلال الفترة الانتقالية، اعترف حمدوك في المقابلة مع دبنقا بأنه كان من أكثر المؤمنين سابقًا بالشراكة بين المدنيين والعسكريين، وكان يروّج لها باعتبارها نموذجًا سودانيًا، أملًا في أن يتعلم العسكريون بعد عقود من الحكم أن الحكم العسكري لا يقود إلا إلى الأزمات. لكنه أقر بأن التجربة العملية أثبتت خطأ هذا الرهان، وأنه لا يوجد ما يبرر تكرار التجربة نفسها مرة أخرى.

وأكد أن أي معادلة سلام جديدة يجب أن تضع دورًا واضحًا ومحددًا للمؤسسات الأمنية، يضمن مهنيتها، ويبعدها عن السياسة والاقتصاد، مع الاعتراف بدورها المهم في حماية المجتمع والدستور.

وأشاد بمبادرة الرباعية التي طرحت مبادئ واضحة وخارطة طريق ومواقيت زمنية، ونصّت على انتقال مدني كامل، وإصلاح أمني وعسكري، واستبعاد القوى التي دمّرت الحياة السياسية، معتبرًا أنها تتطابق مع رؤية تحالف (صمود).

عقد اجتماعي جديد ومواطنة متساوية

وفي تشخيصه لأسباب وصول السودان إلى هذه المرحلة، قال حمدوك لراديو دبنقا إن الدولة فشلت في أن تكون متصالحة مع نفسها ومع مواطنيها، وفشلت في إدارة التنوع، وفي بناء أفكار جامعة، ما خلق ظواهر المركز والهامش والتنمية غير المتوازنة، ودفع كثيرين في الهامش إلى حمل السلاح منذ خمسينيات القرن الماضي.

وأضاف أن العقد الاجتماعي القديم فشل، وأن السودان بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد ودستور يشارك في صياغته الجميع، يعالج قضايا الهوية، والتنوع الثقافي والديني، وتوزيع الثروة والسلطة، وبناء جيش قومي يرى فيه كل السودانيين أنفسهم. وقال إن هذا هو جوهر ما يسميه بالسودان الجديد، وهو سودان يقوم على أسس مختلفة.

وفي رسالة أخيرة عبر راديو دبنقا، ناشد حمدوك عبر راديو دبنقا السودانيين التوحد لإنهاء الحرب، ووضع الخلافات جانبًا، مؤكدًا أن أعظم إنجازات السودان تحققت بالوحدة، من الاستقلال إلى الانتفاضات والثورات، وأن الوقت قد حان لإنهاء معاناة الملايين ووقف هذه الحرب.

Abdallah Hamdok inteviewed by RD Editor in Chief Kamal Elsdig in The Hague on Jan 27, 2026 (Photo: RD/Andrew Bergman)

Welcome

Install
×