جيل بلا مستقبل.. مأساة طالب شهادة سودانية حوّلته الجغرافيا إلى مدان خلف القضبان
الحرب والجغرافيا تحولان عمر من طالب إلى سجين.
منتدى الإعلام السوداني
تقرير : فتح الرحمن حمودة
دنقلا، 21 فبراير 2026 (صحيفة التغيير)- كان الطالب عمر (21 سنة) يحمل قلمه وكراسة بيضاء ودفاتر للامتحان، لكن أقدار الحرب قادته إلى أن يكون محكوما عليه بالسجن خمس سنوات. لا لشيء سوى انتمائه إلى جغرافيا يشتبه الجيش السوداني في سكانها، ويضعهم مكان ريبة في ظل الحرب المندلعة منذ ثلاث سنوات وحتى الآن.
وعلى الرغم من المناصرة الإعلامية والحقوقية المستحقة، ما يزال تلميذ الثانوي الذي أصبح طالبا جامعيا رهن الاحتجاز داخل الزنازين دون توجيه تهمة محددة.
تبرز مأساة عمر القليل جدا من الواقع المأساوي الذي عايشه هو وأترابه في إقليم دارفور، الذين تخلفوا لثلاث سنوات عن حياة التمدرس وانتهى بهم الحال قتلى أو لاجئين ونازحين بسبب حرب الجيش مع قوات الدعم السريع، وذلك على النقيض من طلاب آخرين جلسوا للامتحانات في مناطق أخرى من البلاد تعد آمنة نسبيا.
وفي الواقع، تستعد وزارة التربية والتعليم لعقد امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في أبريل/ نيسان المقبل، لدفعة (2025–2026)، لتكون الثالثة منذ اندلاع الحرب.
لم تتوفر بيانات دقيقة حول عدد المدارس الثانوية أو الطلاب والطالبات أو مراكز الامتحانات في إقليم دارفور (خمس ولايات)، بيد أن البيانات القديمة تشير إلى وجود أكثر من 500 مدرسة، لكن هذا الرقم تغير كثيرا في الثلاث السنوات الماضية.
وفي ظل هذا الواقع، يحرم أعداد كبيرة من الطلاب في مناطق سيطرة (قوات الدعم السريع) ومناطق النزاع من الجلوس للامتحانات، الأمر الذي من شأنه تحويل التعليم إلى أداة من أدوات الحرب، تستخدم لتفتيت البلاد واستهداف وحدتها، فضلا عن تهديد مستقبل مئات الآلاف من الطلاب وتحويلهم إلى وقود للصراع.
حلول فردية
كان السجين عمر (21 سنة) يدرس في المرحلة الثانوية في المساق العلمي قبل أن تقوده الأقدار إلى هذا المصير، وبسبب الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع اتجه من مسقط رأسه، بغرب البلاد إلى الشمال من أجل الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، وكان ذلك بمثابة حله الفردي للمعضلة، إذ أن الامتحانات لم تعقد منذ اندلاع الحرب في ولايات دارفور.
ولكن بعد تحرك الطالب خلف حلمه وأحلام أسرته انتهت به الرحلة خلف القضبان.
يرى مراقبون أن إمتحانات الشهادة السودانية المقررة في أبريل/ نيسان المقبل غير عادلة، باعتبار أن أعدادا كبيرة من الطلاب لن تسمح لهم ظروفهم بالجلوس للامتحانات، لا سيما الطلاب المقيمين في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، وكذلك يخشى الأهالي على أولادهم مصائر قاتمة.
وبما أن الحكومة السودانية قررت إقامة الامتحانات في ظل ظروف الحرب الحالية، فإن ذلك يفترض أن يقابله إيجاد حلول لهؤلاء الطلاب، لكن ليست على طريقة السجين عمر.
يروي شقيق الطالب السجين من إقليم كردفان لـ«التغيير» المأساة الإنسانية التي تعرض لها شقيقه الأصغر عمر قبل نحو عامين ويقول إنه كان من بين آلاف الطلاب الذين حرموا من مراكز امتحانات في ولاياتهم بسبب الحرب.
وفي ذلك الوقت وبالتحديد عام 2024 كانت مناطق غرب كردفان ومنها أم صميمة والخوي تشهد اشتباكات عنيفة بين الجيش وقوات الدعم السريع ما أدى إلى إلغاء مراكز الشهادة السودانية في الولاية.
وأمام هذا الواقع كانت الأسرة قررت إرسال عمر إلى مركز جلوسه المعتمد في مدينة دنقلا بالولاية الشمالية، يواصل الشقيق في الحديث: كان الوالد مصرا على أن يمتحن أخي رغم الحرب، وطول الطريق. ويضيف موضحا: إن عمر تحرك يوم 8 أكتوبر 2024 من مدينة الخوي عبر الطريق الصحراوي المؤدي إلى الدبة ثم دنقلا حاملا كتبه ومستنداته، وكان على تواصل دائم مع أسرته عبر الهاتف.
توقفت رحلة عمر عند ارتكاز القولد، حيث أوقفته مجموعة من (المستنفرين) المقاتلين في صفوف الجيش، يقول الشقيق: سألوا أخي: أنت من أين ؟ فأجابهم من غرب كردفان، من الخوي. ويضيف الشقيق: بعد تفتيشه كان قد سئل عن وجهته، فأجاب بأنه متجه إلى دنقلا للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، ولكن هذا الجواب لم يكن كافيا بالنسبة لهم.
ويمضى الشقيق في الحديث: بعد ذلك انقطعت الاتصالات لساعات طويلة، قبل أن يتلقى أهل عمر اتصالا من أحد المستنفرين حيث أبلغهم فيه أن هناك إجراءات تحقيق جارية. ويواصل: لاحقا فوجئت الأسرة بأن عمر قدم لمحاكمة بتهمة الانتماء إلى قوات الدعم السريع، فقط لأنه من غرب كردفان ودرس في المدرسة القطرية بمدينة لقاوة.
وبحسب الشقيق كانت الجهة التي احتجزته قد طالبت بمستند يثبت أنه ذاهب فعلا للامتحان، ويقول تواصلنا مع إدارة مركز دنقلا واستخرجنا إفادة رسمية وسلمناها لهم لكنهم قالوا رغم ذلك لا بد ان يقدم للمحاكمة.
ويحكي الشاب بأن القضية تعقدت أكثر عندما عثر بحوزة عمر على بطاقات «ستارلينك» منتهية الصلاحية، ويضيف: قالوا إن هذه البطاقات تحدد مواقع قوات الدعم السريع، رغم أن الاستارلنك في غرب كردفان كان الوسيلة الوحيدة للحصول على الإنترنت.
يؤكد شقيق الطالب أن المحكمة طلبت شاهدا من منطقته (غرب كردفان) ليحلف اليمين بأن عمر غير منتمٍ للدعم السريع، وبالفعل أرسلت الأسرة شقيق والده من الخوي إلى دنقلا في رحلة استغرقت خمسة أيام ظل خلالها عمر في السجن بينما كانت الامتحانات تقترب، ويروى بأن عمه حلف اليمين وقال إنه مستعد لاحضار «500» شاهد ليشهدوا بأن ابن أخيه طالب وليس لديه علاقة بأي جهة عسكرية.
وعلى الرغم من ذلك يقول الشقيق صدر الحكم على أخيه بخمس سنوات سجن بتهمة التعاون مع الدعم السريع، من دون أدلة، كما صودرت بعد ذلك كتب عمر ووسائطه الدراسية لكنه لم يستسلم.
ويشير إلى أنه بعد ذلك سمحت له السلطات لاحقا بالجلوس للامتحانات من داخل السجن، حيث كان ينقل مكبلا إلى مركز الامتحان ويعاد بعده مباشرة حتى حقق نسبة نجاح 55% في المساق العلمي رغم الضغط النفسي والظروف القاسية التي كان قد تعرض لها.
ويقول لم يتوقف الأمر عند ذلك فقد تقدم عمر للقبول الجامعي من داخل السجن وقبل في (كلية علوم الحاسوب بجامعة دنقلا) وحتى اليوم يواصل دراسته تحت الحراسة، حيث ينقل يوميا من السجن إلى الجامعة مقابل رسوم تتحملها الأسرة وسط غياب أي استجابة لطلبات الاستئناف أو الإفراج.
ويضيف الشقيق: حاولنا بكل الطرق عبر محامين واسترحامات. مشيرا إلى أن الحكم خفض لاحقا إلى ثلاث سنوات دون تقديم مبررات قانونية واضحة. ومع اشتداد الحرب في كردفان كانت قد نزحت أسرتهم بأكملها إلى دنقلا لتكون قريبة منه.
لم يتسن الحصول على تعليق من السلطات الرسمية المختصة، لكن قصة عمر تعكس واقعا أوسع للطلاب السودانين الذين دفعوا ثمن الحرب والانقسام حيث تحول التعليم من حق أساسي إلى معركة إضافية في ظل الحرب حتى باتت الشهادة السودانية نفسها شاهدا على أزمة لا تزال مفتوحة.
يقول شمس الدين ضو البيت، مدير مشروع الفكر الديمقراطي (منظمة غير حكومية)، الذي يتنبى حملة لتلافي (مستقبل مئات الآلاف من الطلاب) رفقاء عمر، إن الطلاب والطالبات في المراحل التعليمية المختلفة هم واحدة من أكثر الفئات تضررا من حالة الاحتراب الماثلة في السودان… للعام الثالث على التوالي الآن”.
ويستنهض ضو البيت مسئولية الآباء والأمهات والإخوان والأخوات تجاه الطلاب والطالبات، انطلاقا من مسئولية وطنية وإنسانية “تحتم بذل كل ما في الوسع لضمان حق هؤلاء الطلاب في العودة لمقاعد الدرس، وجلوسهم مع رفاقهم في كل السودان لامتحان الشهادة السودانية الموحد لهذا العام”.
ويضيف في بيان يعكس مضامين الحملة التي ابتدرها: “منذ العام الماضي، تحسن الوضع لأعداد معتبرة من هؤلاء الطلاب والطالبات في مناطق كثيرة في السودان… مع ذلك لا زال مئات الألوف من أبنائنا وبناتنا محرومين من العملية التعليمية، خاصة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى.. وعلى رأس هؤلاء يأتي الممتحنون للشهادة السودانية الذين لم يتمكنوا من الجلوس لامتحان الشهادة للعام الثالث تباعا”.
ويحذر ضو البيت من “النتائج الوخيمة المترتبة على هذا الوضع، وليس أقلها انفجار معدلات التسرب وما يترتب عليها من آثار اجتماعية ووطنية كارثية.. إن إزدياد معدلات الانخراط في أنشطة العنف، لانسداد الأفق، وفي الأنشطة الاقتصادية العشوائية المدمرة للبيئة، وزواج القاصرات، وانعكاس كل ذلك تفكيكاً للمجتمعات المحلية ونسفاً لاستقرارها وتهديداً للتماسك الوطني”.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (التغيير) لتعكس واقع جيل من الطلاب السودانيين الذين دفعوا ثمن الحرب على طريقتهم الخاصة. من بين هؤلاء كان عمر يعيش تراجيديا خاصة، حيث انتقل سريعا من طالب يكافح للحاق بامتحانات الشهادة السودانية إلى سجين بالولاية الشمالية. إن قصة عمر هي قصة انتقام الجغرافيا والحرب من طلاب أبرياء في دارفور وكردفان.
ننشر هذه المادة لأننا إزاء مأساة تخص مئات الألوف من أبناء وبنات السودان، ظلوا محرومين من العملية التعليمية، خاصة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى.. وعلى رأس هؤلاء يأتي الممتحنون للشهادة السودانية الذين لم يتمكنوا من الجلوس لامتحان الشهادة للعام الثالث تباعا.



and then