تصاعد وتيرة الإمداد بالسلاح.. هل تغيّر موازين القوة في كردفان ودارفور؟
طائرة بيرقدار قالت قوات الدعم السريع إنها اسقطتها في نيالا-يماير 2026-إعلام الدعم السريع
أمستردام: 15 يناير 2026 – راديو دبنقا
على الرغم من النداءات الدولية المتكررة لوقف تزويد طرفي الحرب في السودان بالسلاح، تواصل جهات مختلفة إمداد الأطراف المتحاربة بمختلف أنواع العتاد الحربي، ما أدى إلى اتساع نطاق الحرب في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وتصاعد وتيرتها، وسقوط المزيد من المدنيين مع تبادل موازين القوة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وفقاً لوصول أسلحة جديدة.
وتوسعت رقعة المعارك في كردفان منذ نهاية أكتوبر الماضي، حيث يتبادل الجيش وقوات الدعم السريع السيطرة على عدد من المناطق في شمال وجنوب دارفور، بينما كثفت القوات المسلحة ضرباتها بالطائرات المسيّرة لمناطق سيطرة الدعم السريع في كردفان ودارفور والنيل الأزرق. وتميزت تلك الهجمات بالدقة، إذ استهدفت قيادات عسكرية بارزة في محلية الفردوس، وتجمعات للقوات في يابوس، إلى جانب استهداف مطار نيالا بصورة متكررة، ما يدل على تراجع القدرات الدفاعية لقوات الدعم السريع. كما تمكنت القوات المسلحة من إسقاط مسيّرة استراتيجية، اليوم الخميس، في مدينة الأبيض.
ومنذ أكتوبر الماضي، تراجعت هجمات قوات الدعم السريع بالطائرات المسيّرة على الخرطوم، مع استمرار الحكومة في إعادة تأهيل المرافق، ومن بينها مطار الخرطوم، الذي قال رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس إنه سيعود للعمل خلال الأيام المقبلة. كما توقفت الهجمات بالطائرات المسيّرة على العاصمة الإدارية بورتسودان منذ يونيو من العام الماضي، بعد استجلاب القوات المسلحة مضادات أرضية وجوية متطورة تمكنت من تأمين المدينة.
وتواصل قوات الدعم السريع الهجمات بالطائرات المسيّرة على شمال ووسط السودان، وكان آخرها الهجوم على مقار الجيش في كوستي وسنجة، حيث استهدف الهجوم على سنجة اجتماعاً لولاة ولايات سنار والنيل الأبيض والجزيرة والنيل الأزرق، ما أدى إلى مقتل 27 شخصاً من بينهم قيادات. ويتوقع مراقبون أن تنطلق هذه الهجمات بالطائرات المسيّرة من مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع والحركة الشعبية في النيل الأزرق، فيما كشفت صور الأقمار الاصطناعية عن معسكرات يجري إنشاؤها داخل الأراضي الإثيوبية.
صفقة أسلحة
نقلت وكالة رويترز الأسبوع الماضي عن مسؤول سابق كبير في القوات الجوية وثلاثة مصادر، أن باكستان في المراحل النهائية لإبرام صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لتزويد السودان بأسلحة وطائرات.
وقال مصدران من بين المصادر الثلاثة، طلبا عدم نشر اسميهما، إن الصفقة مع باكستان تتضمن عشر طائرات هجومية خفيفة من طراز «كاراكورام-8»، وأكثر من مئتي طائرة مسيّرة للاستطلاع والهجوم، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة.
وقال أمير مسعود، المارشال المتقاعد الذي خدم سابقاً في القوات الجوية الباكستانية، إن الصفقة تتضمن أيضاً طائرات تدريب من طراز «سوبر مشاق»، وربما تشمل بعض المقاتلات من طراز «JF-17» التي جرى تطويرها بالتعاون مع الصين وتنتج في باكستان، لكنه لم يقدم أرقاماً أو مواعيد للتسليم.

صعبة الاستخدام وعالية التكلفة
من جانبه، نقل الخبير العسكري اللواء (م) هاشم أبو رنات، في مقابلة مع راديو دبنقا، عن خبير عسكري باكستاني قوله إن قيمة الصفقة تبلغ نحو ملياري دولار، مبيناً أن الطائرات صينية الصنع، أجرت عليها باكستان تعديلات، حيث تستورد المحركات وأجزاء أخرى وتجري التعديلات اللازمة قبل بيعها، كما تفعل مع بنغلاديش ودولة أخرى. وأكد أن الصفقة التي يجريها السودان لا تزال قيد التفاوض والنقاش.
وحول المواصفات الفنية للطائرات، قال أبو رنات: «هي قريبة من طائرات ميغ 21، وصعبة الاستخدام وعالية التكلفة، وتحتاج إلى مدرج طويل، وتستهلك كميات كبيرة من الوقود، وفترة طيرانها قصيرة، كما تحتاج إلى تغيير الإطارات بعد عدد محدود من الرحلات، وتتطلب تدريباً طويلاً بسبب تصميمها دلتا وينغ». وأضاف: «ربما اضطر الجيش لشرائها بسبب إشكاليات التمويل والإمكانات».
تساؤلات
وتساءل أبو رنات عن أسباب النشر المكثف حول صفقة السلاح الباكستانية ذات المنشأ الصيني–الباكستاني، رغم أن هذا النوع من الصفقات عادة ما يتم بسرية.
وأكد أن الطائرات وحدها لا يمكن أن تحسم المعارك، بل تحتاج إلى جنود محترفين على الأرض، موضحاً أن الحسم العسكري يتم عبر التخطيط المشترك بين الطيران والمشاة والمدفعية، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بالأرض، مشدداً على أن العمل العسكري وحده لا يحسم المعركة بصورة نهائية، وأن الحل السياسي يظل ضرورياً.
وقال إن السودان كان يمتلك طائرات حربية، لكن معظم تلك الطائرات سقطت أو تعطلت، مبيناً أن الطائرات المسيّرة هي الأكثر فعالية في الحرب الدائرة مقارنة بالطائرات التقليدية.
وكانت القوات الجوية السودانية تمتلك قبل الحرب 191 طائرة، منها 45 مقاتلة، و37 طائرة هجومية، و25 طائرة شحن. كما كان الجيش السوداني يمتلك نحو 170 دبابة، وقرابة 7 آلاف مركبة عسكرية، و379 مدفعاً، وهي أسلحة ثقيلة تصب في مصلحة الجيش.
لكن الخبير العسكري أبو رنات يرى أن ميزان القوة يميل لصالح قوات الدعم السريع من حيث عدد المقاتلين ونوعهم وتوحيد عملهم، مشيراً إلى أن هذا الجانب غير منظم تنظيماً دقيقاً داخل القوات المسلحة، إلا أن المساعدات من بعض الدول قد تحسم بعض المعارك.
ويربط مراقبون بين صفقة السلاح مع باكستان والتدهور في العلاقات بين السعودية والإمارات بعد التطورات في اليمن، ما يزيد من احتمالات تمويل الأولى للصفقة في مواجهة قوات الدعم السريع التي تدعمها الإمارات.
ضرورة ملحة
من جانبه، قال الخبير العسكري اللواء محمد النعمة لراديو دبنقا إن هذه الصفقة تمثل «ضرورة ملحة» للسودان، مؤكداً أن قيمتها ليست مادية فقط، بل تتعلق بالإرادة السياسية في ظل التقلبات العالمية وتغير موازين القوى.
ويرى أن القوات المسلحة السودانية، التي صمدت رغم الغدر وتوازن القوى غير المواتي، جديرة باستلام هذه الصفقة وتوظيفها بشكل سليم لتحقيق الأهداف الوطنية.
ويعتبر الخبير العسكري أن جميع المبادرات والأطروحات التي خرجت عن إطار «إعلان جدة» لحل الأزمة مرفوضة، موضحاً أن الحل العسكري لا يعني بالضرورة استمرار القتال، بل قد ينتهي بالاستسلام، وهو مبدأ معروف في الأدبيات العسكرية.
ويؤكد في ختام حديثه أن السنوات الثلاث الماضية شكّلت المشهد السوداني بشكل كامل، وتطلبت تفكيراً استراتيجياً عميقاً لنهضة السودان.
تصاعد وتيرة الإمداد بالسلاح
وتتصاعد وتيرة الإمداد بالسلاح، حيث رصد الخبير الاستراتيجي تيد ريتش خلال يناير الجاري طائرة شحن من طراز بوينغ 747-409F تابعة لشركة «بيكوتوكس إير» المرتبطة بحكومة الإمارات العربية المتحدة، أقلعت من مطار العين، ويرجح أنها اتجهت إلى مطار نجامينا في تشاد. كما وصلت طائرة بوينغ 747-281F التابعة لشركة «فلاي برو إيرلاينز» من باكو في أذربيجان إلى مطار نجامينا، وهي رحلة الشحن الجوي المباشرة الرابعة عشرة من باكو إلى نجامينا خلال الأشهر الأربعة الماضية.
وخلال الأسبوع الجاري، اتفق السودان وأذربيجان، خلال اجتماعات اللجنة السياسية بين الخرطوم وباكو برئاسة مسؤولين من وزارتي الخارجية في البلدين، على تفعيل وتحديث الاتفاقيات المشتركة والبروتوكولات القائمة وتحويلها إلى برامج عمل واضحة وفعالة، ما يشير إلى رغبة الجيش أيضاً في استجلاب أسلحة وعتاد حربي.


كما وصلت طائرة نقل عسكرية ثقيلة من تابعة للقوات الجوية الأميرية القطرية إلى بورتسودان قادمة من قاعدة العديد الجوية خلال يناير الجاري. وتُعد قطر إحدى الدول المناصرة للقوات المسلحة خلال الحرب الدائرة.
وفي التاسع من يناير، أفادت تقارير بأن القوات الجوية المصرية استهدفت قافلة عسكرية في منطقة الحدود الثلاثية بين مصر وليبيا والسودان، وذكرت أن القافلة كانت تحمل مساعدات عسكرية، من بينها مركبات مدرعة، لقوات الدعم السريع. ونقلت صحيفة «العربي الجديد» عن مسؤول مصري أن الضربة جاءت قبل يومين من زيارة نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر إلى القاهرة للقاء وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد المجيد صقر.
ووصل نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، الفريق صدام حفتر، إلى القاهرة مؤخراً، حيث ناقش مع وزير الدفاع المصري الأوضاع في منطقة المثلث السوداني التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، في إطار مساعي مصر لمنع وصول الإمدادات العسكرية إلى قوات الدعم السريع عبر الأراضي الليبية.
ورصد مراقبون تراجع الإمدادات العسكرية من ليبيا بعد الضربة الجوية، في مقابل رصد استقبال مطار نيالا لطائرات بصورة شبه يومية رغم تعرضه للقصف.

العفو الدولية ترصد
ورصد تقرير لمنظمة العفو الدولية في يونيو الماضي كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية الحديثة الصنع التي ترد من بلدان مثل روسيا والصين وتركيا والإمارات العربية المتحدة.
وأشار التقرير إلى وجود أسلحة خفيفة وذخائر حديثة الصنع أو نُقلت حديثاً من دول مثل صربيا واليمن والصين، يستخدمها مختلف أطراف النزاع في ميدان القتال. كما استخدم الطرفان أجهزة متقدمة للتشويش على الطائرات المسيّرة، وقذائف هاون، وبنادق مضادة للعتاد صينية الصنع في مناطق من بينها دارفور. واستخدمت قوات الدعم السريع في دارفور أيضاً أنواعاً مختلفة من ناقلات الجند المدرعة الحديثة المستوردة من الإمارات العربية المتحدة.
واكتشفت منظمة العفو الدولية اتجاهاً مقلقاً يتمثل في تحويل وجهة الأسلحة الخفيفة المتداولة عادة في الأسواق المدنية إلى القوات الحكومية وجماعات المعارضة المسلحة. كما صدّرت شركات في تركيا وروسيا أنواعاً من الأسلحة الخفيفة، مثل بنادق «تيغر» المخصصة للرماية وبنادق «سايغا»، لتجار أسلحة تربطهم صلات قوية بالجيش السوداني.
بيرقدار التركية
منذ نهاية عام 2024، حصل الجيش السوداني على عدد من طائرات «بيرقدار» التركية التي لعبت دوراً كبيراً في معارك الخرطوم.
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد نشرت معلومات تفيد بأن الجيش حصل على ست طائرات مسيّرة من طراز «بيرقدار تي بي 2».
وبحث رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال زيارة الأول إلى تركيا في ديسمبر الماضي، التعاون الدفاعي بين البلدين دون الإعلان عن تفاصيل.
وتمكنت قوات الدعم السريع خلال الأشهر الماضية من إسقاط تسع طائرات مسيّرة من طراز «بيرقدار»، كان آخرها في مدينة نيالا مطلع الأسبوع الجاري.
مواصفات المسيّرات
يبلغ سعر طائرة «بيرقدار أقينجي» نحو 30 مليون دولار، بينما يبلغ سعر «بيرقدار تي بي 2» حوالي 4.5 ملايين دولار.
ووفقاً لصحيفة «لو باريزيان» الفرنسية، صُممت «بيرقدار تي بي 2» كطائرة مسيّرة تكتيكية متوسطة الارتفاع وطويلة المدى، وتتميز بقدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والهجوم المسلح بدقة عالية. ويمكنها التحليق لأكثر من 20 ساعة متواصلة على ارتفاع يصل إلى 27 ألف قدم، وتدار من محطات تحكم أرضية، كما زُودت بنظام نقل صور فوري يتيح توجيه الضربات في الوقت الحقيقي.
وأثبتت هذه المسيّرة فعاليتها في عدة ساحات صراع، مثل سوريا وليبيا وناغورنو قره باغ وأوكرانيا.
أما «بيرقدار أقينجي» فتتميز بوزن إقلاع أقصى يزيد على 5.5 أطنان، منها أكثر من 1350 كيلوجراماً حمولة، وهي مزودة بمحركين توربينيين بقوة 450 حصاناً لكل منهما، وبأنظمة دعم إلكترونية وحرب إلكترونية واتصالات عبر الأقمار الصناعية، إضافة إلى رادارات متقدمة. ويبلغ طول جناحيها 20 متراً، ويمكنها التحليق حتى ارتفاع 12,192 متراً والبقاء في الجو لأكثر من 25 ساعة، كما تستطيع حمل مجموعة متنوعة من الأسلحة.

مسيّرة صينية
، تستخدم قوات الدعم السريع طائرات مسيّرة استراتيجية صينية من طراز FH-95.
وفي أبريل الماضي، استدعت وزارة الخارجية السودانية القائم بأعمال السفارة الصينية في بورتسودان، واستوضحته بشأن كيفية حصول قوات الدعم السريع على طائرات مسيّرة صينية استراتيجية.
وتُعد المسيّرة الصينية FH-95 طائرة استطلاع وهجوم مسلحة متوسطة الارتفاع وطويلة المدى، تتميز بقدرات متقدمة في الاستطلاع والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة، مع مدة طيران تصل إلى 24 ساعة، وحمولة قصوى تبلغ 250 كيلوجراماً، وقدرة على التشويش على الأهداف المعادية وتوفير غطاء لمسيّرات أخرى. وتعمل على ارتفاعات تصل إلى 7,000 متر، وتستخدم نظام اتصال عبر الأقمار الصناعية للتحكم عن بُعد، ما يمنحها كفاءة عالية في البيئات القتالية شديدة التشويش.
خلاصة القول إن استمرار الإمدادات العسكرية سيؤدي إلى استمرار العمليات القتالية وتصاعدها، واستمرار سقوط ضحايا من المدنيين واستهداف المرافق الحيوية في ظل مطالبات متزايدة بتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء البلاد.


and then