تحذيرات من فشل الموسم الزراعي الحالي بمشروع الجزيرة
عمليات توسعة قنوات الري بمشروع الجزيرة - إرشيف
الجزيرة: 11 يونيو 2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
حذّرت سكرتارية تحالف مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل من تكرار الإخفاقات التي صاحبت الموسم الزراعي السابق (2025–2026)، والتي أدت إلى تدني الإنتاج في العروتين الصيفية والشتوية، مؤكدة أن المؤشرات الحالية تنذر بفشل الموسم الجديد ما لم تتخذ الدولة إجراءات وتدابير عاجلة لمعالجة المشكلات الهيكلية التي تواجه المشروع.
وقال عضو سكرتارية التحالف والرئيس السابق للجنة الطوارئ، فاروق البدوي الحسن، لـ”راديو دبنقا”: إن الموسم الزراعي السابق، بعروتيه الصيفية والشتوية، بدأ متعثراً جداً، في ظل غياب الاستعدادات الفنية والإدارية من قبل إدارتي الري والمشروع، رغم الوعود والتصريحات الرسمية من قبل وزير الري السابق ومحافظ مشروع الجزيرة الحالي، المتعلقة بالتعاقد مع بعض الشركات لتنفيذ عمليات تطهير القنوات وإزالة الحشائش والإطماء.
وأوضح البدوي أن معظم المزارعين لا يملكون قوت يومهم، خاصة بعد خروج قوات الدعم السريع من المناطق التي كانت تسيطر عليها في مشروع الجزيرة، بعد أن نهبت ممتلكاتهم ومدخراتهم ومحاصيلهم الزراعية ومواشيهم.
موسم بلا استعدادات
وأوضح فاروق البدوي أن تكلفة مدخلات الإنتاج الزراعي شهدت ارتفاعاً كبيراً، شمل التقاوي والأسمدة والمبيدات وتكاليف إيجار العمالة وتحضير الأراضي، ما فاقم أوضاع المزارعين. وقال إن إدارة المشروع والري من جهة، والحكومة من جهة أخرى، لم تقم بواجبها تجاه المشروع والمزارع، ولم تقدم أي مساعدة تُذكر لإنجاح الموسم الزراعي، بل تُرك المزارع يواجه مصيره وحده، رغم ظروفه وعدم قدرته على مواجهة تكاليف العملية الزراعية.
وأكد البدوي أن بعض المزارعين، الذين حالفهم الحظ، تكفلوا على نفقتهم الخاصة، وبـ”السداد نقداً”، بحفر وتطهير قنوات الري الفرعية المعروفة بـ”أبوعشرين”، بينما لجأ آخرون إلى استئجار آليات أو تنظيف القنوات يدوياً بـ”المناجل”. ومنهم من تنازل عن جزء من حقه في المشروع بمقدار “قصاد وقصادين” لأصحاب الجرافات “الكراكات”، حيث يعادل القصاد 20% من المساحة الكلية للحواشة.
عدم التزام الحكومة
وعبّر عضو سكرتارية تحالف المزارعين، فاروق البدوي، في المقابلة مع “راديو دبنقا”، عن أسفه لأن كل هذه المعاناة تعود إلى عدم التزام إدارة الري بالقيام بواجبها في تطهير القنوات والمجاري، قائلاً: “هذا من واجب إدارة الري، ولكنهم لم يفعلوا، وهذه أسوأ سابقة في تاريخ مشروع الجزيرة، لذلك تعرض الموسم لمشاكل كبيرة جداً”.
ووجّه البدوي انتقادات شديدة لإدارة مشروع الجزيرة للسماح بزراعة مساحات خارج الدورة الزراعية المقررة، رغم قرارات سابقة من مجلس إدارة المشروع بإلغاء تصاديق جميع الأراضي خارج الدورة الزراعية، وعدم السماح بزراعتها، وإلزام إدارتي الري والمشروع بتنفيذ القرار كاملاً.
وأشار إلى أن تلك الأراضي تمثل مشروعاً زراعياً موازياً، موضحاً أن مساحتها تُقدّر بأكثر من 200 ألف فدان كحد أدنى، وهي من ضمن الأسباب التي أدت إلى عدم انتظام الري ودخول المشروع في حالة جفاف (“العطش”) في كثير من أقسامه، بالإضافة إلى التأخير في مواعيد الزراعة الموصى بها من قبل البحوث الزراعية.
زراعة دون تحضير
وقال البدوي إن ارتفاع أسعار الأسمدة وعدم قدرة المزارعين على شرائها أدى إلى عدم تمكنهم من القيام بعمليات التسميد، فيما تمت زراعة مساحات واسعة دون تحضير كافٍ للأراضي أو استخدام تقاوٍ محسّنة، الأمر الذي انعكس سلباً على مستويات الإنتاجية.
وأكد أن كثيراً من المزارعين لم يقوموا بعملية “حراثة” أراضيهم، بل تمت زراعتها دون تحضير نتيجة لارتفاع تكلفة تحضير الفدان، وعدم توفر التقاوى المحسّنة إلا في نطاق ضيق، بعد توزيع منحة تقاوى الذرة من المنظمات.
ولفت إلى أن مساعدات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) من التقاوى وصلت متأخرة عن المواقيت الزراعية، وكانت بكميات محدودة بواقع كيلو ونصف للفدان.
وبيّن أن معظم المزارعين الذين زرعوا في هذا التوقيت المتأخر تعرضت محاصيلهم لآفة الطيور، ما أدى إلى تلفها، ولم يحصدوا منها شيئاً، مضيفاً أن هذه الأسباب أدت إلى خروج كثير من المزارعين من دائرة الإنتاج، وأصبحوا عرضة للمجاعة وفقدان الأمن الغذائي في العروة الصيفية.
العروة الشتوية
وقال فاروق البدوي إن أوضاع المزارعين في العروة الشتوية لم تكن أفضل حالاً من العروة الصيفية، إذ تكررت المشكلات نفسها دون معالجة أو تفادٍ. وأضاف أن زراعة المحاصيل الشتوية تأخرت عن موعدها بسبب عدم تطهير القنوات، وغياب التمويل اللازم والتحضير الجيد، بل وانعدامه في كثير من الأحيان.
وأشار إلى أن بعض الأقسام لم تصلها المياه في الوقت المناسب، خاصة في القسم الشمالي الغربي، وقسم أبوقوتة، وأجزاء من القسم الشمالي، وقسم وادي شعير، وقسم الهدي، وغرب المناقل، والقسم الجنوبي، وقسم د. حبوبة وغيرها، ما أدى إلى تأخر الزراعة في بعض المناطق وعدم زراعتها في مناطق أخرى.
وذكر أنه رغم هذه الإخفاقات والقصور الواضح من إدارتي المشروع والري والحكومة، فقد فُرضت رسوم وضرائب باهظة جداً دون وجه حق، بلغت نحو 45 ألف جنيه للفدان في العروة الصيفية و50 ألف جنيه للفدان في العروة الشتوية، ما شكّل أعباء مالية إضافية على المزارعين، متسائلاً عن أوجه صرفها، طالما أنها لم تنعكس في شكل خدمات حقيقية داخل المشروع.
التحصيل قسراً
وعبّر البدوي عن أسفه لتحصيل هذه الرسوم قسراً، دون مراعاة لظروف الحرب والمجاعة في الولاية، التي أقرتها تقارير منظمات الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن المساحات المزروعة بلغت نحو 1.6 مليون فدان، بينما تجاوزت جملة الرسوم المحصلة 70 مليار جنيه، أي ما يعادل 17 مليون دولار.
وأضاف أن ما زاد من تكلفة الإنتاج هو عدم تحديد سعر تركيز محصول القمح، ما جعل المزارع تحت رحمة التجار وأسعار السوق، وأدى إلى تعرضه للابتزاز والخسائر الفادحة، ودخول كثير من المزارعين في ديون، خاصة الممولين من البنك الزراعي، ما دفع عدداً منهم إلى الخروج من دائرة الإنتاج نهائياً.
وأوضح أن هذه الأسباب أدت إلى تدني الإنتاج في العروتين، حيث بلغ متوسط إنتاج الذرة أربعة جوالات، والعدسية ثلاثة جوالات، والفول السوداني 12 جوالاً، والقطن سبعة قناطير. أما في العروة الشتوية، فبلغ متوسط إنتاج القمح خمسة جوالات للفدان، والحمص ثلاثة جوالات، والفول المصري ثلاثة جوالات.
محاصيل لم تغطِّ التكاليف
ولفت إلى أن أسعار المحاصيل لم تغطِّ التكلفة، حيث بلغ سعر جوال القمح 120 ألف جنيه، والذرة 120 ألف جنيه، والحمص 220 ألف جنيه، والعدسية 250 ألف جنيه، والفول المصري 350 ألف جنيه، وقنطار القطن 250 ألف جنيه، والفول السوداني 50 ألف جنيه.
وأضاف أن أسعار مدخلات الإنتاج مرتفعة، إذ بلغ سعر جوال اليوريا 150 ألف جنيه، والداب 250 ألف جنيه، وجوال تقاوي القمح 250 ألف جنيه، بينما بلغ تحضير الفدان 150 ألف جنيه، والحصاد 120 ألف جنيه للفدان، وسعر الجوال الفارغ 240 جنيهاً، إلى جانب تكاليف المبيدات والأعمال الأخرى، ما رفع جملة تكلفة الفدان إلى أكثر من مليون و200 ألف جنيه.
وطالب فاروق البدوي الحسن بتشكيل لجنة مستقلة لمراجعة ومحاسبة الجهات المسؤولة عن الأموال التي تم تحصيلها من المزارعين، وكشف أوجه صرفها، ومحاسبة أي جهة قصّرت في أداء واجباتها تجاه المشروع والمزارعين.


and then