بعثة تقصي الحقائق الحقائق: قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم ابادة جماعية في الفاشر
مؤتمر صحفي لبعثة تقصي الحقائق حول حقوق الانسان في السودان- جنيف-17 يونيو 2025- لقطة شاشة من تسجيل فيديو بموقع الأمم المتحدة-
الفاشر: 19 فبراير 2026:راديو دبنقا
قالت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة في السودان، في تقرير جديد صدر اليوم الخميس، أن قوات الدعم السريع نفذت حملة تدمير منسقة ضد المجتمعات غير العربية في الفاشر ومحيطها، تشير سماتها إلى الإبادة الجماعية. وبينما وثّقت البعثة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فإن الأدلة تثبت ارتكاب ثلاث جرائم إبادة جماعية على الأقل.
وأوضحت البعثة أن هذه الأفعال تشمل قتل أفراد من جماعة عرقية محمية؛ والتسبب في أذى جسدي ونفسي خطير؛ وفرض ظروف معيشية متعمدة تهدف إلى إحداث تدمير مادي للجماعة كليًا أو جزئيًا – وكلها عناصر أساسية لجريمة الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي.
وخلص التقرير المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان، بعنوان “سمات الإبادة الجماعية في الفاشر”، إلى أن نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من النمط المنهجي الذي تتبعه قوات الدعم السريع في عمليات القتل التي تستهدف عرقياً، والعنف الجنسي، والتدمير، والتصريحات العامة التي تدعو صراحة إلى القضاء على المجتمعات غير العربية، ولا سيما الزغاوة والفور.
عملية مخططة ومنظمة
قال محمد شاندي عثمان، رئيس بعثة تقصي الحقائق بشأن السودان: “إن نطاق العملية وتنسيقها وتأييدها العلني من قبل القيادة العليا لقوات الدعم السريع يُظهر أن الجرائم التي ارتُكبت في الفاشر وحولها لم تكن تجاوزات عشوائية للحرب، بل كانت جزءًا من عملية مُخططة ومنظمة تحمل السمات المميزة للإبادة الجماعية“.
وأكدت البعثة أن عملية الاستيلاء على الفاشر ومحيطها، التي خُطط لها ونُفذت بدقة متناهية، سبقها حصارٌ دام ثمانية عشر شهرًا أضعف السكان المستهدفين بشكل ممنهج من خلال التجويع والحرمان والصدمات النفسية والحبس، وهي ظروفٌ حُكم عليها بالقضاء عليهم. وأضاف التقرير:”كان سكان المدينة منهكين جسديًا ويعانون من سوء التغذية، وعاجزين جزئيًا عن الفرار، مما جعلهم عُزّلًا أمام العنف الشديد الذي أعقب ذلك. قُتل أو اغتُصب أو اختفى آلاف الأشخاص، ولا سيما الزغاوة، خلال ثلاثة أيام من الرعب المُطلق. أشادت قيادة قوات الدعم السريع بالسيطرة على المدينة ووصفتها بأنها “انتصار عسكري تاريخي كبير”، مُثنيةً على مقاتليها لـ”تحريرهم” المدينة من “الجيش الإسلامي الإرهابي”.
يوثق التقرير نمطاً من السلوك الموجه تحديداً ضد الجماعات العرقية المحمية، بما في ذلك عمليات القتل الجماعي، والاغتصاب واسع النطاق، والعنف الجنسي، والتعذيب والمعاملة القاسية، والاحتجاز التعسفي، والابتزاز، والاختفاء القسري خلال عملية الاستيلاء على السلطة في أواخر أكتوبر. لم تكن هذه الأعمال عرضية في سياق الأعمال العدائية، بل ارتُكبت بطريقة وسياق يُظهران نية تدمير الجماعات المستهدفة.
وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان قائم على الهوية، والمرتبط بالعرق والجنس والانتماء السياسي المُتصوَّر، عنصرًا أساسيًا في عملية قوات الدعم السريع. وقد صرّح مقاتلو هذه القوات علنًا بنيتهم استهداف المجتمعات غير العربية والقضاء عليها. ونقل الناجون عنهم قولهم: “هل يوجد بينكم أحد من زغاوة؟ إذا وجدنا زغاوة، فسنقتلهم جميعًا“؛ “نريد القضاء على كل ما هو أسود في دارفور“.
وأضاف التقرير:”إن هذه التصريحات الصريحة، بالإضافة إلى الطبيعة المنهجية للهجمات، توفر دليلاً مباشراً وظرفياً على نية الإبادة الجماعية”.
عمليات اغتصاب تمييزية
ونبه التقرير إلى استخدام عبارات تمييزية وعنصرية خلال عمليات اغتصاب واسعة النطاق ومنهجية ومنسقة، بما في ذلك حالات عديدة من الاغتصاب الجماعي، وأشكال أخرى من العنف الجنسي. ويؤكد الاستهداف الانتقائي لنساء وفتيات الزغاوة والفُر، بينما نُجّيت النساء اللواتي يُنظر إليهن على أنهن عربيات في كثير من الأحيان، على الغرض التمييزي والتدميري للعنف. وتذكرت إحدى الناجيات قول أحد أعضاء منظمة مراسلون بلا حدود: “هؤلاء عبيد. اقتلوهم، دمرواهم، اغتصبوهم”.
أدلة على سمات الإبادة
قالت خبيرة بعثة تقصي الحقائق، منى رشماوي: “إنّ الأدلة التي جمعناها – بما في ذلك الحصار المطوّل، والتجويع، والحرمان من المساعدات الإنسانية، وما تلاه من عمليات قتل جماعي، واغتصاب، وتعذيب، واختفاء قسري، وإذلال ممنهج، واعترافات الجناة أنفسهم – لا تُفضي إلا إلى استنتاج منطقي واحد: لقد تصرفت قوات الدعم السريع بقصد تدمير مجتمعات الزغاوة والفُر في الفاشر، كليًا أو جزئيًا. وهذه هي سمات الإبادة الجماعية“.
وشدد التقرير على أن الجرائم في الفاشر وقعت على خلفية تحذيرات متكررة ومؤشرات واضحة على خطر وقوع فظائع. ويُظهر التصعيد من هجمات ذات دوافع عرقية إلى أعمال ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية فشلاً في جهود الوقاية رغم وضوح علامات التحذير. ولم تُتخذ أي تدابير فعّالة لردع قوات الدعم السريع عن مواصلة مسارها التدميري.
“مع امتداد الصراع إلى منطقة كردفان، باتت الحاجة ماسة لحماية المدنيين، أكثر من أي وقت مضى”، هذا ما حذرت منه جوي نغوزي إيزيلو، العضو الخبير في بعثة تقصي الحقائق. وأضافت: “إن ما يحدث في الفاشر لا يمثل مجرد تصعيد للانتهاكات والجرائم السابقة، بل هو مظهر حاد لأنماط تتوافق مع العنف الذي يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية“.
في غياب الوقاية الفعالة والمساءلة، ترى بعثة تقصي الحقائق أن خطر وقوع المزيد من أعمال الإبادة الجماعية لا يزال خطيراً ومستمراً.
قال عثمان: “يجب محاسبة الجناة على جميع مستويات السلطة. وحيثما تشير الأدلة إلى وقوع إبادة جماعية، يقع على عاتق المجتمع الدولي التزامٌ أكبر بمنعها وحماية الأفراد وضمان تحقيق العدالة“.
خلفية
: أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة في السودان في أكتوبر 2023 وتم تمديد ولايتها لمدة عام إضافي في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بموجب القرار.
وتتمثل المهمة الرئيسية لبعثة تقصي الحقائق في “التحقيق في جميع انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك تلك المرتكبة ضد اللاجئين، والجرائم ذات الصلة، وتحديد الحقائق والظروف والأسباب الجذرية لها، وذلك في سياق النزاع المسلح المستمر الذي بدأ في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فضلاً عن الأطراف المتحاربة الأخرى”. طلب القرار الذي تم اعتماده في 14 نوفمبر 2025، من بعثة تقصي الحقائق “إجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات والتجاوزات الأخيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الإنساني الدولي التي يُزعم ارتكابها في وحول الفاشر؛ وتحديد جميع الأشخاص الذين توجد أسباب معقولة للاعتقاد بأنهم مسؤولون عن الانتهاكات والتجاوزات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان في وحول الفاشر، ودعم الجهود المبذولة لضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات والتجاوزات المزعومة”.


and then