الجيش السوداني والمقترح الأمريكي للهدنة

رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش الفريق عبدالفتاح البرهان خلال مخاطبته حفل تأبين شهداء حركة جيش تحرير السودان بمدينة بورتسودان الاثنين الأول من ديسمبر 2025 : المصدر : وكالة السودان للانباء

​تقرير : اشرف عبدالعزيز

​أثار المقترح الأمريكي الأخير لإقرار هدنة وإنهاء القتال في السودان ردود أفعال متباينة، لاسيما بعد موافقة الجيش السوداني المشروطة، والتي أعادت صياغة المشهد التفاوضي في ظل توازنات القوى الميدانية والضغوط السياسية الداخية والخارجية.

​شروط الجيش.. بين ميزان القوى وفرض أجندة المنتصر:

​قال الكاتب والمحلل السياسي قرشي عوض قال لراديو دبنقا إن الأخبار المتداولة بأن الولايات المتحدة تقدمت بمقترح للهدنة يشمل شروطاً كالانسحاب المتبادل من مناطق السيطرة. والجديد هنا هو موافقة الجيش مع إبداء ملاحظات تُعيد شروطه القديمة بضرورة انسحاب الدعم السريع من المدن، وهي ذات الشروط التي طرحها سابقاً د. كامل إدريس أمام الأمم المتحدة.

و​يرى المراقبون أن هذا الموقف يُمثّل “شروط المنتصر” التي تُطرح عادةً بعد كسر شوكة الخصم والدعوة للاستسلام، وهو ما لم يتحقق ميدانياً؛ إذ تقوم التسويات على “توازن قوى قلق” واعتراف ضمني بعدم حسم المعركة عسكرياً. لكن في المقابل، يرى الكاتب أن شروط الجيش قابلة للتطبيق؛ نظراً لأن الدعم السريع يمر بمرحلة أفول ناتجة عن فتح الجيش لجبهات في غرب دارفور وحماية الأبيض واستعادة الكرمك، تزامناً مع الضغوط الخارجية كإدانة البرلمان الأوروبي وحصار الإمارات، فضلاً عن الانقسامات الإثنية داخل الدعم السريع.

​كما يحمل الموقف تحولاً لافتاً بموافقة الجيش على تسليم السلطة لحكومة مدنية “متوافق عليها” بدلاً من “منتخبة”، مع قبوله بإبعاد الكيانات المتطرفة، مما قد يفتح الباب لواجهات سياسية للمؤتمر الوطني المحلول بدلاً من وجهه القديم.

​مواقف تخديرية :

​الكاتب الصحفي والمحلل السياسي: سيبويه يوسف قال لراديو دبنقا:إن اشتراط الجيش انسحاب قوات الدعم السريع من المدن قبل التوقيع على الهدنة ليس سوى “موقف تخديري” ومحاولة لامتصاص غضب وضغوط المجموعات الداخلية التي تدفع باتجاه استمرار الحرب.

​لكن الواقع وما رشح من الأنباء يؤكد وجود تنسيق فعلي مسبق يتعلق بفصل القوات والترتيبات الأخرى، مما يعني أن الانسحابات تمثل رؤية متكاملة ومتفقاً عليها بين الطرفين المتقاتلين وفقاً للمقترح الأمريكي، وما يُظهره الجيش علناً ليس إلا مناورة لإرضاء الأصوات الرافضة للتسوية والتي لم تكن في الأصل مساراً للنقاش المتبادل.

​تسريبات رويترز وقطع الطريق أمام الكباشي:

​ويقول رئيس تحرير صحيفة صوت الأمة: الطاهر المعتصم قال في تصريح لراديو دبنقا: جاء اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني كرد فعل مباشر على التقرير الذي نشرته وكالة “رويترز” حول الوثائق المتبادلة بين الإدارة الأمريكية والجيش.

​أما البيانات الرسمية التي تدعو لعدم الالتفات للشائعات، فهي لا تمثل تنصلاً من الرد على واشنطن، بل هي رد فعل على التسريبات الصادرة من مصادر مقربة من مجلس السيادة بشأن لقاء “كباشي ومسعد بولس”. ومن خلال هذه الخطوة، سعى المجلس إلى احتكار ملف السلام بالكامل وتفويض رئيسه فقط، مما يقطع ال.طريق أمام أي تحركات فردية للفريق كباشي في هذا الملف.

خبير عسكري: اجتماع مجلس الأمن والدفاع محطة استراتيجية

​اعتبر الخبير المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، العميد دكتور جمال الشهيد، في تصريحات لراديو دبنقا، أن الاجتماع الأخير لمجلس الأمن والدفاع برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان يمثل محطة مهمة للغاية في مسار إدارة الدولة لملفي الحرب والسلام، مشيراً إلى أن توقيت الاجتماع جاء متزامناً مع تطورات عسكرية متسارعة وانتصارات ميدانية يحققها الجيش والقوات المساندة له، وهو ما يعكس إدراكاً رسمياً بأن تحولات الميدان ستلقي بظلالها مباشرة على المشهد السياسي وفرص التسوية المقبلة، ولذلك لم تكن إشادة المجلس بالقوات المسلحة مجرد دعم معنوي بل قراءة دقيقة لمعادلات القوة المتغيرة.

​وأضاف الشهيد أن تأكيد المجلس بأنه الجهة الوحيدة المختصة بقضايا السلام والحرب والمفاوضات يحمل رسالة مزدوجة للداخل والخارج معاً، تؤكد حرص الدولة على مركزية القرار الاستراتيجي ومنع أي تشتت يؤثر على الموقف التفاوضي السوداني، كما أشاد بنفي المجلس للتسريبات المتعلقة بالأمن الوطني معتبراً ذلك دليلاً على وعي عالٍ بأهمية الانضباط المعلوماتي في هذه المرحلة الحساسة لحماية الأمن القومي من شائعات وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً في الوقت ذاته أن ترحيب المجلس بالمبادرات السلمية يثبت أن القيادة تنظر للعمل العسكري كوسيلة لتحقيق السلام والاستقرار وليست غاية في حد ذاتها، شريطة أن تنطلق أي تسوية من الواقع الميداني بما يضمن حقوق الشعب السوداني وتطلعاته في التنمية والرفاهية.

Welcome

Install
×