منتدى سودانى يعيد صياغة السؤال: ليس «كيف نصلح الجيش؟» بل «أي دولة وأي أمن نريد؟»
امستردام :28اكتوبر 2026م: راديو دبنقا
خلص المنتدى الرابع ضمن سلسلة حوارية ينظمها «نداء سلام السودان» بتنسيق «مجموعة المناصرة من أجل السلام في السودان (AGPS)»، وعُقد في 22 أكتوبر 2026، إلى أن مستقبل القطاع الأمني والعسكري لا يُختزل في إصلاح الجيش، بل يتصل بطبيعة الدولة ومن يملك قرار استخدام القوة وكيف تخضع المؤسسات المسلحة للسلطة المدنية والقانون. ولم يحسم المنتدى الخلاف بين الخيارات المطروحة.
حوار متعدد الخبرات
وبحسب بيان مخرجات المنتدى الذى اطلع عليه راديو دبنقا والذى شارك فيه أكاديميون وباحثون وفاعلون مدنيون، إلى جانب ذوي خبرات عسكرية وشرطية وقضائية وحقوقية، وخبراء في التنمية والأمن القومي. أدار الحوار شمس الدين، وافتتحت أعماله الدكتورة أسماء النعيم والدكتور عصام عباس، وقدّم الدكتور لوكا بيونغ المساهمة الرئيسية، وشارك الدكتور فرانسيس دينغ في الافتتاح والختام.
واستند النقاش إلى دراسة «تصورات السودانيين حول وقف الحرب والسلام»، التي وُصفت قراءاتها بأنها أولية وتحتاج إلى مراجعة قبل الاستشهاد بها. ومن مؤشراتها المعروضة أن 84.6% يرون أن تدخل العسكريين والأجهزة الأمنية في السياسة عائق أمام دولة مدنية ديمقراطية، وأن نحو 80% يحمّلون المؤسسة العسكرية وحلفاءها مسؤولية عالية عن النزاع. واختار 45.9% إعادة هيكلة شاملة، مقابل 37.5% فضّلوا الإصلاح عبر الدمج المتدرج، فيما أيّد 93.1% سلطة مدنية منتخبة وخاضعة للمساءلة. وبلغ مؤشر التوافق الإصلاحي 77.6% وطنياً، مع تفاوتات جغرافية. وأكد المنظمون أن تكرار رأي ما داخل المنتدى لا يقيس انتشاره بين السودانيين.
الأمن شأن عام
شددت المساهمة الرئيسية بحسب البيان على أن الأمن شأن عام لا يحتكر تعريفه العسكريون ولا ينحصر في حماية النظام، وأن على القوى المدنية صياغة رؤيتها لأمن البلاد قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض، بدل ترك ذلك للأطراف المسلحة. وربطت بين التنمية والأمن، داعيةً إلى استراتيجية للأمن القومي تقوم على الأدلة والحوار مع المجتمع والمؤسسات. وأُشير إلى أن الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، حتى حين تُعد جزءاً من المشكلة، يمكن أن تكون جزءاً من الحل.
واتسع النقاش ليشمل الشرطة والمخابرات والتشكيلات شبه العسكرية والميليشيات وعسكرة المجتمعات، مع التأكيد على اختلاف وظائف كل جهاز وضرورة معالجة كل مؤسسة على حدة.
ثلاثة مسارات للخلاف
ووفقا لبيان المنتدى برزت ثلاثة اتجاهات: الحل وإعادة التكوين، استناداً إلى تجارب دولية منها كوستاريكا، مع تحذيرات من فراغ أمني وانتشار الميليشيات؛ وإعادة البناء أو الإصلاح التحويلي العميق بالتدرج؛ والإصلاح المتدرج مع تغيير جذري في العقيدة والتركيبة والقيادة والرقابة. غير أن الحدود بين هذه الخيارات لم تكن ثابتة، إذ قبل بعض دعاة التغيير العميق التدرج، وطالب بعض المدافعين عن الإصلاح بتغيير جذري. وبقي السؤال الحاسم: كيف تستمر الوظائف الأمنية وحماية السكان أثناء الانتقال؟
واستُحضرت تجارب أجهزة الأمن في 1985 و2019، دون أن يقدم المنتدى رواية تاريخية نهائية بشأنها لاختلاف المشاركين في تقييمها.
وقف الحرب أولاً أم الدولة المقبلة؟
أكدت البيان على ان مداخلات الترتيبات الأمنية في الهدنة، من مواقع انتشار القوات إلى حماية المدن ومراقبة الخروقات، تبدأ في تشكيل موازين القوة قبل اكتمال أي إصلاح. في المقابل، حذّر آخرون من أن تبتلع تصورات الدولة المقبلة أولوية وقف الحرب، وطالبوا العسكريين الحاليين والسابقين بالتحرك الآن لوقف القتال والحد من إنشاء الميليشيات. وظل الحد الأدنى الواجب تثبيته عند الهدنة بلا تحديد.
حقوق مهنية لا امتيازات
واشار البيان الى ان المشاركون ميزوا بين احتياجات الأفراد المشروعة، من أجور وسكن وتدريب ومستقبل مهني، وبين امتيازات القيادات الاقتصادية والسياسية. ورأى بعضهم أن تحسين أوضاع قاعدة المؤسسة يقلل قابلية توظيفها خلف طموحات القيادات، بينما حذّر آخرون من أن الطمأنة والحوافز لم تمنع في تجارب سابقة استعادة النفوذ.
وفي يلى ملف الدمج،شدد المشاركون على طرح الاستيعاب الفردي وفق معايير مهنية بديلاً عن نقل تشكيلات كاملة بقياداتها ووالءاتها، خشية نقل المشكلة إلى داخل المؤسسة الموحدة. وأُشاروا إلى أن آلاف السودانيين والسودانيات أصبحوا مسلحين، وأن لحمل السلاح تاريخاً اجتماعياً في مناطق عدة، ما يتطلب بدائل أمنية وقانونية واقتصادية موثوقة.
العدالة والمساءلة
ووفقا للبيان رُبطت مداخلات حقوقية الإصلاح بالعدالة الانتقالية ومراجعة الحصانات وإدخال حقوق الإنسان في العقيدة والتدريب، ومنع التحاق من لهم سجل في الانتهاكات. وبقي مفتوحاً سؤال التوفيق بين إشراك أصحاب القوة المسلحة في وقف الحرب ومساءلتهم، إضافة إلى حماية النساء والناجين ومشاركتهم في تصميم الأمن.
خيارات التنفيذ بلا قرار
وتباينت المقترحات لحماية الانتقال:وراى المشاركون على ان حماية الانتقال تتم عبر التنظيم والضغط المدني، والحوار المدني العسكري، والإسناد الدولي، وقوة انتقالية متوافق عليها، وقيادة جماعية للمؤسسة العسكرية. وبحسب البيان لم يعتمد المنتدى أياً منها، مع التنبيه إلى أن أي قوة جديدة قد تعيد إنتاج مركز مسلح موازٍ ما لم تتضح تبعيتها وأساسها القانوني ورقابتها ومدتها.
واختلف المشاركون كذلك في مسؤولية الانقلابات:حيث حمّل البعض القيادات العسكرية المبادرة بالاستيلاء على السلطة، ومن شدد على دور الأحزاب في استقطاب العسكريين وعلى أثر الأزمات الاقتصادية والانقسامات.
ما لم يُحسم وما بعده
لم يعتمد المنتدى نموذج إصلاح ولا خطة أمنية ولا نسبة دمج ولا هيكل قيادة ولا قوة جديدة، ولم يُسجَّل تصويت على أي منها. وأُعلن في الختام إعداد محضر وتقرير تحليلي وتوزيعهما، ومواصلة التواصل، والعمل على ورقة استراتيجية تُعرض للمراجعة، مع إتاحة بيانات الدراسة لمزيد من التقييم.
وخلص التقرير بحسب البيان إلى أن أبرز ما أنجزه المنتدى هو إعادة تأطير النقاش: من شكل الجيش إلى علاقة السلاح بالسلطة والمجتمع، وربط ترتيبات وقف الحرب العاجلة بمستقبل السلطة المدنية والمؤسسات والمساءلة.

and then