حظر استيراد السلع: قرارات متضاربة والمستوردون يهددون باللجوء إلى القضاء
الميناء الجنوبي بورتسودان- صفحة هيئة المواني البحرية على فيسبوك
أمستردام: 29 أبريل 2026 – راديو دبنقا
أصدرت وزارة الصناعة والتجارة السودانية بيانًا توضيحيًا، صادراً عن وكيل الوزارة، صححت فيه عدد السلع المشمولة بقرار حظر الاستيراد إلى 46 سلعة، بدلاً من 34 كما ورد في بيان سابق. وأكدت الوزارة أن الإجراء يأتي استنادًا إلى قرار رئيس مجلس الوزراء الانتقالي الصادر في 12 أبريل الجاري، والذي يستهدف حظر استيراد السلع الكمالية وغير الضرورية.
وأعلنت الغرفة القومية للمستوردين رفضها القاطع للخطوة، ووصفتها بأنها غير مدروسة وستنعكس سلبًا على حياة المواطنين في ظل الغلاء المتصاعد. ولوّحت الغرفة باللجوء إلى القضاء للطعن في القرار إذا لم تتم مراجعته، مؤكدة أن الحظر سيؤدي إلى تقليص المنافسة وخلق ندرة في بعض السلع، فضلًا عن تشجيع التهريب والاحتكار.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي أحمد بن عمر، في مقابلة مع “راديو دبنقا”، إن ما جرى من تضارب في قرار إيقاف استيراد السلع يشير إلى حالة من التخبط، بدءًا من تسريب قائمة السلع، ثم تعديلها من قبل وزارة الصناعة، ثم صدور نشرة لاحقة من رئاسة الوزراء تؤكد عددًا مختلفًا من السلع المحظورة (46 سلعة).
وأوضح أنه لا يوجد اتفاق داخلي كامل حول القرار، مشيرًا إلى تشكيل لجنة اقتصادية لمراجعته. وقلل من أهمية القرار في معالجة سعر الصرف، نافيًا وجود علاقة مباشرة بين هذه السلع وارتفاعه، متوقعًا أن تصطدم هذه القرارات بعواقب مستقبلية مع استمرار تحرك سعر الصرف في المستويات المرتفعة.
وأعرب عن استغرابه من أن جزءًا كبيرًا من المواد الخام اللازمة للصناعة المحلية قد تم حظره مع السلع النهائية، مما يعيق عمل المصانع ويؤثر سلبًا على القطاعات التجارية والصناعية.
تأثير محدود على سعر الصرف
وقال إن تصنيف 46 سلعة ضمن “الكمالية” وحظر استيرادها لا يترجم بالضرورة إلى أثر ملموس على سوق النقد الأجنبي، إذ إن هذه السلع تمثل شريحة محدودة من إجمالي فاتورة الواردات مقارنة بالسلع الأساسية ومدخلات الإنتاج التي تستحوذ على النصيب الأكبر من الطلب على العملات الصعبة.
وأكد أن الأثر المتوقع على تقليص الطلب الكلي على الدولار يظل محدودًا، ما يضعف قدرة القرار على التأثير في استقرار سعر الصرف. كما أشار إلى أن التجربة السودانية السابقة مع سياسات الحظر والتقييد تُظهر أن مثل هذه الإجراءات غالبًا ما تعيد توجيه الطلب عبر قنوات بديلة بدلًا من إلغائه، مما يقلص فعاليتها كأداة لإدارة سوق الصرف أو تحقيق توازن مستدام في ميزان المدفوعات.
قنوات غير رسمية
ويرى أن القرار يفتح، من زاوية أخرى، مسارًا موازيًا لا يقل تعقيدًا، إذ يعيد تشكيل السوق بدلًا من تقليصه. فحظر سلع محددة يدفع النشاط التجاري نحو القنوات غير الرسمية، حيث تتشكل شبكات توريد بديلة عبر الحدود أو من خلال إعادة تصنيف السلع، مما يخلق فجوة رقابية ويضعف قدرة الدولة على تتبع التدفقات التجارية والمالية.
وفي هذا السياق، يتحول جزء من الطلب إلى السوق الموازي للعملة، بما يرفع تكلفة الحصول على الدولار بدلًا من تخفيضها، ويُبقي الضغط قائمًا على سعر الصرف ولكن عبر مسارات أقل شفافية.
استفادة فئات احتكارية
وأوضح أيضًا أن القرار يحمل أثرًا جانبيًا على هيكل السوق المحلي، إذ تستفيد بعض الفئات الاحتكارية من غياب المنافسة الخارجية، ما ينعكس في ارتفاع الأسعار أو تراجع الجودة، دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية للإنتاج المحلي.
وفي غياب سياسة صناعية مرافقة تدعم البدائل المحلية من حيث التمويل والطاقة وسلاسل الإمداد، فإن الحظر يتحول إلى إجراء حمائي قصير الأجل لا ينتج تحولًا إنتاجيًا مستدامًا، بل يعيد توزيع الأرباح داخل السوق على حساب المستهلك.
إشارة إلى شح النقد الأجنبي
وأشار إلى التحدي المرتبط بإدارة التوقعات، حيث تُقرأ مثل هذه القرارات في السوق كإشارة إلى شح النقد الأجنبي، ما يعزز السلوك التحوطي لدى الأفراد والشركات ويزيد من الميل لاكتناز العملات الصعبة.
وهذه الديناميكية تخلق طلبًا إضافيًا على الدولار خارج القنوات الرسمية، مما يعاكس الهدف الأساسي للقرار، ويجعل أثره الكلي أقرب إلى إعادة تدوير الأزمة بدلًا من احتوائها.
إيجابيات وسلبيات
من جانبه، اعتبر الدكتور فياض حمزة رملي استاذ المحاسبة والتمويل في الجامعات ،القرار خطوة اقتصادية جريئة تهدف إلى معالجة تدهور سعر صرف العملة الوطنية.
وقال إن من الإيجابيات المتوقعة: تخفيف الضغط على النقد الأجنبي، وتحفيز الإنتاج المحلي، وتحسين الميزان التجاري، إلى جانب حماية الصناعات الناشئة من المنافسة الأجنبية.
ومن بين السلبيات: تنشيط الأسواق الموازية والتهريب، والتأثير على الصناعة التحويلية، حيث شمل القرار مواد خام للشركات، وهو بند شديد الخطورة، إذ قد يؤدي حظرها إلى توقف المصانع المحلية، مما يتسبب في بطالة ونقص أكبر في السلع.
كما أشار إلى احتمال تدهور العلاقات التجارية، حيث قد يواجه السودان إجراءات انتقامية من شركائه التجاريين أو تعقيدات مع منظمة التجارة العالمية إذا اعتُبر القرار مخالفًا لاتفاقيات التسهيل التجاري.
مطلوبات
ولضمان نجاح القرار دون ارتدادات عكسية، دعا الدكتور فياض إلى ضرورة التدرج بدلًا من الصدمة، مشيرًا إلى أنه كان من الأفضل استخدام التعرفة الجمركية المرتفعة بدلًا من الحظر الكامل لبعض السلع الأساسية مثل الأرز والفول لضمان توفرها.
كما دعا إلى دعم الإنتاج المحلي فورًا، مؤكدًا أنه لا يمكن حظر السلع دون توفير حوافز حقيقية مثل استقرار الكهرباء وتوفير التمويل الميسر.
وشدد على ضرورة الرقابة الصارمة على الأسواق لمنع استغلال القرار ورفع أسعار المخزون الحالي من السلع المحظورة، كما أكد أهمية استثناء المواد الخام عبر مراجعة البند الخاص بها، لأن حظرها يتناقض مع هدف تشجيع الصناعة الوطنية.
تأييد وتحفظ
وخلص الدكتور فياض إلى تأييده للقرار من الناحية الاستراتيجية لحماية العملة، مع تحفظه على شمول القائمة لسلع تمس القوت اليومي ومستلزمات الإنتاج.
ودعا إلى إعادة النظر في حظر استيراد المواد الخام، واعتبره أخطر بند في القائمة، لأن حظر مدخلات الإنتاج يعطل المصانع المحلية التي يفترض أن تكون البديل للواردات.
كما دعا إلى مراجعة حظر استيراد الفول المصري، باعتباره وجبة أساسية لملايين السودانيين، وحظره يمس الأمن الغذائي، وكذلك الأرز الذي يُعد سلعة استراتيجية وبديلًا مهمًا في حال نقص أو ارتفاع أسعار القمح.
وأكد أن نجاح القرار لا يكمن في المنع فقط، بل في قدرة الدولة على تحويله إلى فرصة لدعم الإنتاج المحلي، عبر سياسات اقتصادية رشيدة تضمن تشغيل المصانع وتحقيق الاكتفاء الذاتي.


and then