جهود دولية وجولات مكوكية.. فماذا عن دور القاهرة لحلحلة الأزمة في السودان؟

القاهرة- مع دخول أزمة السودان أسبوعها الثاني، كشف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الخاص إلى السودان، فولكر بيرتس، عن جهود وساطة تجري حاليا في الخرطوم مع كافة الفرقاء، مشيرًا إلى أن مصر من بين الدول التي تقوم ببذل هذه الجهود.

 

 

بقلم : محمود سامي

 

القاهرة- مع دخول أزمة السودان أسبوعها الثاني، كشف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الخاص إلى السودان، فولكر بيرتس، عن جهود وساطة تجري حاليا في الخرطوم مع كافة الفرقاء، مشيرًا إلى أن مصر من بين الدول التي تقوم ببذل هذه الجهود.

وفي خضم التقارير الرسمية والصحفية عن مساعي الوساطة بين المكونين المدني والعسكري بالسودان، جدد مكتب الناطق الرسمي باسم الحكومة، الأربعاء، التأكيد على أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، "محتجز بمقر إقامته بأمر سلطات الانقلابيين".

وشدد على تمسك حمدوك بشروط إطلاق سراح كافة المعتقلين، وإعادة المؤسسات الدستورية ما قبل 25 أكتوبر الماضي، قبل الانخراط في أي حوار.

ولا يزال الموقف المصري "غير واضح" على المستوى الرسمي حيال "انقلاب" قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على "الوثيقة الدستورية" التي تم تجميد العمل ببنودها وتتحدث عن الشراكة مع قوى الحرية والتغيير، رغم تصاعد التوترات السياسية والأمنية لدى الجار الجنوبي.

ودفع هذا الموقف مراقبين إلى الذهاب لاحتمال أن تكون القاهرة هي من قامت بـ"هندسة الانقلاب" ودفع المكون العسكري باعتباره الأقرب لسياساتها ومواقفها، إلى تقويض دور المدنيين في السلطة، في مقابل آخرين اعتبروا أن السلطات المصرية "فوجئت" بتحركات البرهان التي أفضت إلى الأزمة الراهنة.

وفي هذا الصدد، اتفق محللان مصريان في الشؤون الأفريقية والأمن القومي المصري -في تصريحات منفصلة للجزيرة نت- على أن موقف القاهرة من الأزمة، يهدف بالأساس إلى استقرار السودان والحفاظ على مصالحه العليا في ضوء اعتبارات الامتداد الحيوي للأمن القومي والإستراتيجي لمصر.

وأكدا أن وسيلة مصر في إطار الوساطة لحلحلة الأزمة، تتمثل في الوصول السريع لحلول وسط بين طرفي النزاع، بمقتضى جهود أممية، وأخرى مخابراتية يقودها رئيس المخابرات العامة عباس كامل، دون الإفصاح عنها حتى إتمامها.

أين الوساطة وإلى أين؟

وكان من المفارقة في خضم الأزمة الراهنة، قيام الجيش المصري ونظيره السوداني بمناورات عسكرية مشتركة لتأمين الحدود، في الفترة من 19 إلى 28 أكتوبرالجاري، وذلك بقاعدة محمد نجيب العسكرية (شمال غربي مصر).

كما كان مثيرًا للاهتمام موقف الجامعة العربية، التي غردت هي الأخرى، خارج سرب البيانات الرسمية لبعض العواصم التي طالبت بالالتزام بالوثيقة الدستورية، وبدت قريبة من الموقف المصري، وهو موقف اعتبرته تقارير غربية جاء بناء على إيعاز من القاهرة.

وأثار ذلك الموقف تساؤلات غربية، حول مدى قدرة البرهان على الاعتماد على دعم مصر، في ضوء اعتبار مواقف الجامعة العربية تتماشى مع مواقف النظام المصري.

في المقابل، نقلت صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post) الأميركية، عن دبلوماسي غربي كبير (لم تسمه)، قوله إن المسؤولين المصريين "فوجئوا بتهور الجيش مثل عدد من الحكومات الغربية".

وفي ضوء التأكيدات الأممية على أن مصر من بين الدول التي تقوم ببذل جهود لتسوية الأزمة السودانية، تبقى التساؤلات قائمة حول حقيقة الموقف المصري من الأحداث الراهنة، وما الدور الذي تقوم به حاليا إزاء هذه التطورات؟

ونقلت تقارير صحفية عربية وغربية، عن مصادر في المخابرات المصرية، أن مسؤولين بمن فيهم رئيس المخابرات عباس كامل تحدثوا مع البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في محاولة لاستعادة الهدوء والتوسط في تشكيل حكومة جديدة.

وأشارت إلى مطالبة قيادات سودانية، القاهرة، بإرسال وفد مخابراتي عال المستوى، كطرف يحظى بثقة معظم أعضاء المجلس العسكري؛ لتقريب وجهات النظر، كما حدث العام الماضي.

 

دور مخابراتي

 

وفي قراءته للموقف المصري من الأحداث الراهنة بالسودان، رأى مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، هاني رسلان، أن مصلحة مصر الأساسية تتمثل في استقرار البلاد، مشددًا على أن البديل يمثل تهديدًا مباشرًا ليس فقط لمصر وإنما كافة المحاور والاتجاهات الأخرى.

وفي تصريحات للجزيرة نت، قال رسلان إن الوساطة المصرية لحلحلة الأزمة قائمة في ضوء اتصالات الوزير عباس كامل، والتي تشير إلى جهود تبذل في هذا الإطار، لكن في العادة لا يتم الإعلان عنها وتبقى تفاصيلها بعيدة عن الإعلام إلى أن يتم التوصل لنتائج.

وأضاف أن الوسيلة الوحيدة التي تبغاها القاهرة لاستقرار السودان والحفاظ على مصالحه العليا، تتمثل في الوصول إلى حلول وسط بين طرفي الأزمة، وهما الجيش السوداني ومعه المنظومة الأمنية وقوات الدعم السريع من جهة، وتحالف قوى الحرية والتغيير من جهة أخرى.

وعن الأحداث الراهنة بالسودان، أوضح رسلان، أنها متأزمة ومن الواضح عدم تحقيق الاستقرار دون الوصول إلى حلول وسط بين الطرفين، مشيرًا إلى أن اللحظة الراهنة تبدو فيها المواقف متباينة ومتباعدة.

وأضاف أن "الجيش السوداني لا يستطيع أن يحكم منفردًا وأعلم أنه لا يريد ذلك، وعلى الناحية الأخرى كانت تجربة الحرية والتغيير ليست على المستوى المطلوب في السلطة، وهناك قطاعات كبيرة بالشعب متحفظة على أدائها في العامين الماضيين"، على حد قوله.

وحذَّر المحلل المصري مما وصفه بتداعيات الاستمرار في التظاهر والعصيان المدني، موضحًا أنه ليس عمليا في إطار الضائقة المعيشية بشكل عام، متوقعا أن تتقارب وجهات نظر الفرقاء في الفترة المقبلة.

 

منطقة وسط

والتقط الخبير في الأمن القومي والشأن الأفريقي محمد عبد الواحد، الخيط نفسه، قائلاً إن بلاده تتابع ما يجري بصورة لحظية، وتقف في منطقة وسط من كافة أطراف الأزمة، كما تقف إلى جانب الشارع السوداني، ولديها حالة قلق من اندلاع أعمال عنف وعدم استقرار في الشارع السوداني، لاعتبارات الأمن القومي المصري.

وعن رؤية بلاده للأزمة، شدد على أن القاهرة تشجع دائمًا دعم مؤسسات الدولة سواء أمنية أو عسكرية أو مالية، التي تحافظ على شكلها واستقرارها؛ في ضوء التحديات المشتركة، وأهمها أزمة سد النهضة الإثيوبي، الذي يشكل خطورة على الأمن المائي للبلدين.

وأكد أن من مصلحة مصر وجود نظام قوي بالسودان يدفع إثيوبيا نحو اتفاق قانوني ملزم يتعلق بعملية ملء وتشغيل السد، إضافة إلى حرص بلاده على أمن حدودها وعدم السماح باختراقها.

وردًا على سؤال حول موقف مصر من دعم خطة البرهان أم العودة للوثيقة الدستورية، أم اتجاه ثالث، قال عبد الواحد إن شكل الوثيقة طبقًا لمبادرات الوساطة المطروحة، بدأ يتغير، وبالتالي ستكون مصر حريصة على استقرار السودان في إطار المبادرات المحلية والدولية والإقليمية، التي تسعى لنزع فتيل الأزمة وعودة الاستقرار.

 

قفزة ومظلة أممية

لكنّه، توقع أن تكون كل هذه المبادرات تحت مظلة أممية، ولن تخرج عن المقترح الذي قدمه رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان "يونيتامس" (UNITAMS) فولكر بيرتس، والتي تتركز على 3 أسس، سيتم العمل عليها بعد أخذ الآراء بين الشقين المدني والعسكري.

ويتمثل المقترح في إعادة رئيس الوزراء حمدوك ومنحه سلطات تنفيذية كاملة، وتعيين حكومة تكنوقراط في زمن محدود، وتكوين مجلس سيادة شرفي من 3 شخصيات وطنية، إضافة إلى تكوين مجلس الأمن والدفاع بقيادة الشق العسكري.

ورأى الخبير الأمني أن هذه المبادرة تعيد إنتاج الفترة الانتقالية قبل 25 أكتوبر الماضي، ولكن بأسلوب مختلف وأفضل، عبر فصل المكون العسكري عن المدني لأغراض منها تخطي قلق المكون العسكري السابق من أن يستلم نظيره المدني السلطة بما فيها الأجهزة السيادية، وهو ما قد تكون سببا رئيسيا في توجهات البرهان الأخيرة.

وفيما اعتبر أن المقترح، يعطي قوة للحفاظ على مكونات الدولة وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية، لكنه استدرك بالقول إن هذا النموذج قد يؤدي إلى مزيد من الجدل والفوضى، خاصة داخل الشق المدني.

وأوضح أن من الصعوبة التوافق في المستقبل مرة أخرى على تشكيل حكومة ومجلس تشريعي يمثل كافة الأطياف السودانية، نظرًا للتركيبة القبلية والجهوية، إضافة إلى أنها تعد قفزة على الوثيقة الدستورية، ومحاولة للهروب من إشكالية تهميش الحاضنة السياسية للمكون المدني سابقًا، والمتمثلة في قوى الحرية والتغيير.