الأبيض عطشى… مدينة أنهكتها الحرب تبحث عن الماء

محطة بنو لمياه الشرب في الأبيض بشمال كردفان - ارشيف- وسائل التواصل

محطة بنو لمياه الشرب في الأبيض بشمال كردفان - ارشيف- وسائل التواصل

الأبيض – شمال كردفان | أكتوبر 2026- راديو دبنقا

في الأبيض، يبدأ يوم آلاف الأسر بالبحث عن الماء. برميل قد يصل سعره إلى 12 ألف جنيه سوداني، بئر بعيدة، أو ما تجمعه الأسرة من مياه الأمطار؛ خيارات مؤقتة لمدينة كانت تعتمد على منظومة مياه واسعة قبل أن تدمر الحرب أجزاء رئيسية منها.

كان عدد سكان الأبيض قبل الحرب يقدر بنحو نصف مليون نسمة، لكن المدينة أصبحت اليوم ملاذا لموجات متتالية من النازحين الفارين من القتال في كردفان ودارفور، ما ضاعف الضغط على مواردها المحدودة. وتقول الأمم المتحدة إن مياه الشرب النظيفة أصبحت من أصعب الاحتياجات في المدينة، فيما يحذر برنامج الأغذية العالمي من تحول الأبيض إلى مركز رئيسي للنزوح والجوع.

الأزمة ليست في غياب المياه من مصادرها فحسب، بل في انهيار القدرة على استخراجها وضخها ونقلها وتوزيعها.

في الشمال، كانت منطقة السدر تمثل أحد المصادر المهمة للمياه الجوفية، وتضم أكثر من 36 بئرا. وخلال سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة تعرض المشروع للنهب والدمار، وأصبحت آباره ومنشآته خارج الخدمة. وبعد استعادة المنطقة، لم تعد المنظومة إلى العمل، إذ طال الخراب المضخات والمعدات والمنشآت التي تحتاج إلى إعادة تأهيل وتمويل وكوادر فنية.

وفي الجنوب تعتمد الأبيض أساسا على المياه السطحية القادمة من مناطق بنو والعين وود البقا وبربر، وهي العمود الفقري لمنظومة الإمداد. وتضم خزانات بربر، وفقا للبيانات المحلية، سعة تتجاوز 12 مليون متر مكعب.

لكن هذه المنشآت تعرضت هي الأخرى للخراب خلال الحرب، ولم تستعد قدرتها التشغيلية حتى الآن. وتزيد أزمة الكهرباء من تعقيد الوضع، إذ إن عدم استقرار التيار يعطل عمليات الضخ، فيما تعاني المنشآت من نقص المعدات والكوادر الفنية القادرة على إدارة وتشغيل منظومة بهذا الحجم.

تحقيق نشر في سبتمبر، واستند إلى صور الأقمار الصناعية ومصادر مفتوحة، وثق أضرارا في أربعة مكونات رئيسية لمنظومة مياه الأبيض، هي بربر وود البقا والدانكوج والسدر، إلى جانب تراجع مستويات المياه في خزانات بربر.

شبكة بلا إمداد

داخل المدينة تبدو الأزمة أكثر وضوحا. أحياء وصلت إليها شبكة المياه لكنها ظلت محرومة من الإمداد لفترات طويلة، وبعضها لسنوات، لأسباب فنية لم تقدم بشأنها حتى الآن معلومات تفصيلية كافية للسكان. وفي ظل غياب الإمداد المنتظم، أصبح المواطن مضطرا إلى البحث عن مصادر بديلة.

قبل موسم الأمطار، وصل سعر برميل المياه في بعض المناطق إلى نحو 40 ألف جنيه، قبل أن ينخفض إلى قرابة 12 ألفا مع هطول الأمطار. ورغم الانخفاض، يبقى السعر عبئا ثقيلا على الأسر التي تواجه ارتفاعا متزامنا في تكاليف الغذاء والوقود والنقل.

وحين تعجز الأسر عن شراء الماء، تلجأ إلى المطر. تجمع المياه في أحواض وخزانات بدائية داخل المنازل، وتستخدمها خلال فترات الانقطاع. لكنها، في كثير من الحالات، لا تخضع للمعالجة اللازمة، ما يجعلها حلا اضطراريا لا يمكن الاعتماد عليه كمصدر مستدام وآمن لمياه الشرب.

أمام هذا الانهيار، اتجهت محلية شيكان وحكومة شمال كردفان وشركاؤهما إلى حلول إسعافية، أبرزها حفر الآبار داخل المدينة. وأسهم التعاون مع المنظمات وبعض الجهات الحكومية والداعمين والخيرين في توفير مصادر إضافية للمياه وتخفيف الأزمة في عدد من الأحياء.

وفي سبتمبر، دشنت حكومة الولاية عشرة آبار جديدة داخل الأبيض، في خطوة هدفت إلى زيادة الإمداد وتقليل الضغط على المصادر المتضررة.

لكن الآبار لا تستطيع أن تحل محل المنظومة الرئيسية.

مياه جوفية مالحة

وتبرز هنا مشكلة أخرى: بعض المياه الجوفية تعاني من الملوحة، ما يجعل فحصها ومعالجتها ومراقبة جودتها ضرورة قبل تحويلها إلى مصدر دائم للشرب. فالهدف ليس فقط توفير الماء، وإنما توفير مياه آمنة.

ويزداد الخطر مع الضغط السكاني الهائل الذي تواجهه المدينة. فوفقا للبيانات الإنسانية، استقبلت شمال كردفان أعدادا ضخمة من النازحين، وأصبحت محلية شيكان، التي تضم الأبيض، إحدى أبرز مناطق الاستقبال. ويقدر برنامج الأغذية العالمي أن الأبيض تستضيف مئات الآلاف من النازحين، وأن تدفق السكان أدى إلى مضاعفة حجم المدينة تقريبا.

هذا التغير السكاني جعل منظومة بنيت لخدمة مدينة أصغر عاجزة عن مواكبة الطلب الحالي. وكلما وصل نازح جديد، زاد الضغط على المياه، وكلما تعطلت مضخة أو محطة اتسعت الفجوة.

وتحاول محلية شيكان التعامل مع الأزمة بما يتوفر لديها من إمكانات، بالتنسيق مع حكومة الولاية والمنظمات والجهات الداعمة. وقد نجحت هذه الجهود في تخفيف حدة الأزمة في بعض المناطق، لكنها تظل استجابة طارئة أمام مشكلة تحتاج إلى إعادة بناء شاملة.

الأبيض لا تحتاج إلى آبار جديدة فقط

تحتاج الأبيض إلى إعادة تأهيل منظومة المياه بأكملها: مصادر السدر، ومنشآت بربر، وخطوط النقل، ومحطات الضخ، وشبكات التوزيع، مع توفير كهرباء مستقرة وطاقة بديلة، ومعالجة المياه ذات الملوحة المرتفعة، وإعادة تأهيل الكوادر الفنية القادرة على تشغيل هذه المنشآت.

كما تحتاج إلى مسح هندسي مستقل يحدد بدقة ما يمكن إصلاحه، وما يحتاج إلى إعادة بناء، وحجم التمويل المطلوب، وعدد السكان الذين يمكن أن تخدمهم كل منشأة بعد إعادة تأهيلها.

وتقدم المنظمات الإنسانية مساعدات مهمة في المياه والصحة والإصحاح والغذاء، لكن الاستجابة الطارئة لا يمكن أن تكون بديلا عن إعادة بناء البنية التحتية.

لحظة حاسمة.

فإذا استمرت المدينة في الاعتماد على الآبار والحلول المؤقتة، ستظل رهينة لانقطاع الكهرباء وتذبذب مصادر المياه وارتفاع الأسعار. أما إعادة تأهيل منظومتها الرئيسية، فستمنحها قدرة أكبر على مواجهة الزيادة السكانية واستيعاب النازحين وتقليل المخاطر الصحية والاقتصادية.

لقد انتهت المعارك في بعض المناطق التي كانت تضم مصادر المياه، لكن آثار الحرب ما تزال تضخ العطش إلى الأبيض.

وما تحتاجه المدينة الآن ليس تعاطفا إضافيا، بل تمويلا وخبرة ومعدات وخطة واضحة لإعادة بناء منظومة مياه قادرة على العمل.

فالماء في الأبيض لم يعد مجرد خدمة مفقودة.إنه قضية بقاء.

Welcome

Install
×