شباب يحذرون من تمدد الحرب لشرق السودان ويدعون لخفض التصعيد والتفاوض
شباب يحذرون من تمدد الحرب لشرق السودان ويدعون لخفض التصعيد والتفاوض
(ارشيف) اجسام شبابية توقع على اعلان للعمل المشترك من اجل سلام دائم ومستقبل ديمقراطي في السودان. ـ المصدر ـ خاص راديو دبنقا
أمستردام:27 اغسطس 2026:راديو دبنقا
تقرير :امين رمضان
حذر صحفيون وناشطون شباب من شرق السودان من خطورة استمرار التصعيد العسكري واتساع رقعة الحرب إلى مناطق جديدة، مؤكدين أن تداعيات الصراع لم تعد محصورة في مناطق العمليات العسكرية، وإنما امتدت آثارها الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية والأمنية إلى ولايات شرق السودان.
وقال المشاركون في حلقة من برنامج “قضايا الشباب” براديو دبنقا، إن استمرار الرهان على الحسم العسكري، وتدفق الأسلحة، وتصاعد التعبئة القبلية وخطاب الكراهية، إلى جانب التدخلات الإقليمية والدولية، تمثل عوامل رئيسية في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية.
دفع الثمن رغم الابتعاد عن جبهات القتال
وقالت الصحفية خالدة إدريس-مدينة كسلا لراديو دبنقا إن استمرار التصعيد العسكري، خاصة مع الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة، يعكس، من وجهة نظرها، ضعف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على حماية المواطنين وتوفير الخدمات الأساسية.
وأشارت إلى أن استمرار القتال أسهم في نشوء ما وصفته بـ«اقتصاد الحرب»، حيث أصبحت بعض الأطراف تستفيد من استمرار النزاع، في وقت تشهد فيه مناطق واسعة من السودان انهياراً في الخدمات والبنية التحتية.
وأكدت أن شرق السودان، رغم عدم وصول الحرب إليه بصورة مباشرة حتى الآن، دفع ثمن الصراع على أكثر من مستوى، مشيرة إلى استقبال ولايات الشرق أعداداً كبيرة من النازحين القادمين من الخرطوم ودارفور والجزيرة ومناطق أخرى.
وقالت إن هذا النزوح فرض ضغوطاً كبيرة على الخدمات الأساسية، خاصة الصحة والتعليم والمياه، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المحلي من ارتفاع الأسعار وتراجع الأنشطة الزراعية والرعوية وتأثر حركة الصادرات.
استمرار التصعيد وتأكل الثقة
وترى خالدة أن استمرار الحرب أو انتقالها إلى مناطق جديدة سيضاعف الأزمة الإنسانية، وسيؤدي إلى موجات نزوح جديدة، كما قد يفتح المجال أمام مزيد من تدفق السلاح عبر البحر الأحمر والحدود السودانية.
وحذرت من أن شرق السودان يمكن أن يصبح هدفاً محتملاً إذا فشل أي من طرفي الحرب في تحقيق أهدافه عسكرياً، مشيرة إلى أن استمرار التصعيد يؤدي إلى تآكل الثقة بين الأطراف المتحاربة ورفع سقف المطالب الميدانية، الأمر الذي يجعل الوصول إلى تسوية تفاوضية أكثر صعوبة.
وقالت إن “لغة البندقية “لا تزال هي اللغة السائدة، بينما يركز الخطاب الإعلامي للأطراف المتحاربة على تحقيق النصر الكامل، بدلاً من تقديم تنازلات تفتح الطريق أمام السلام.
وأكدت أن سكان شرق السودان لا يريدون أن تتحول منطقتهم إلى ساحة جديدة للحرب، داعية إلى وقف القتال وحماية المدنيين وإعادة الخدمات الأساسية، بما يسمح للنازحين بالعودة إلى مناطقهم.

تقييد الحريات وتدهور الاقتصاد
من جانبه، قال الناشط السياسي أيوب محمد خميس-مدينة القضارف لبرنامج قضايا الشباب إن الأزمة في شرق السودان لا تقتصر على التداعيات الإنسانية للحرب، وإنما تشمل أيضاً أوضاعاً سياسية وأمنية واقتصادية معقدة.
وأشار إلى ما وصفه بتشديد القيود الأمنية على النشاط السياسي والمدني، معتبراً أن تقييد الحريات يخلق بيئة صعبة أمام المجتمع المدني ويحد من قدرة المواطنين على التعبير عن آرائهم وممارسة حقوقهم السياسية.
وفي الجانب الاقتصادي، تحدث أيوب لراديو دبنقا عن تراجع الحركة التجارية عبر بعض المعابر الحدودية، إلى جانب تنامي أنشطة التهريب، بما في ذلك تهريب الأسلحة والذهب والمواد المحظورة.
وقال إن هذه الأنشطة غير المشروعة أصبحت مصدراً للمكاسب بالنسبة لبعض الأطراف المرتبطة بالصراع، وهو ما يساهم، بحسب رأيه، في خلق مصالح اقتصادية تدفع باتجاه استمرار الحرب.
كما أشار إلى الأوضاع الإنسانية الصعبة التي تواجه النازحين في ولاية القضارف، خاصة القادمين من ولاية النيل الأزرق ومناطق النزاع الأخرى، موضحاً أن بعض الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.
وحذر من أن المناطق الحدودية مع إثيوبيا والنيل الأزرق تظل عرضة لمخاطر أمنية متزايدة، بسبب التداخلات الحدودية والأنشطة الإجرامية وتداعيات الصراعات في الدول المجاورة.
لماذا تستمر الحرب؟
ويرى أيوب محمد خميس أن أحد أهم أسباب استمرار الحرب هو تمسك الأطراف المتحاربة بالخيار العسكري، مشيراً إلى أن بعض القوى قد ترى في التسوية السياسية تهديداً لمصالحها، خصوصاً في ظل المطالب المتعلقة بالمساءلة عن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت خلال الحرب.
كما تحدث عن المكاسب الاقتصادية التي حققتها بعض الأطراف من عمليات النهب والسيطرة على الموارد والتهريب، معتبراً أن استمرار هذه المصالح يجعل إنهاء الحرب أكثر تعقيداً.
وأشار كذلك إلى أن تهميش بعض المجتمعات ونقص الخدمات والظلم الاجتماعي يوفر بيئة يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة في عمليات التجنيد، خصوصاً بين الشباب.
وأضاف أن الصراع السوداني أصبح مرتبطاً أيضاً بتداخلات إقليمية ودولية، في ظل الدعم الخارجي الذي تحصل عليه أطراف مختلفة، معتبراً أن المصالح الإقليمية والدولية تجعل الحرب أكثر تعقيداً وتزيد من صعوبة الوصول إلى حل سريع.
غياب المساءلة يعرقل السلام
وشدد الناشط الشبابي على أن أي عملية سلام في السودان لا يمكن أن تتجاهل مسألة العدالة والمساءلة، لكنه أشار إلى أن الأطراف المتحاربة قد تتعامل مع هذه القضية باعتبارها تهديداً لمصالحها.
وقال إن غياب رؤية وطنية موحدة لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة يمثل عقبة أساسية أمام التسوية، إلى جانب استمرار تدفق الأسلحة عبر الحدود الواسعة للسودان.
وحذر أيوب كذلك مما وصفه بعودة عناصر مرتبطة بالنظام السابق إلى مواقع داخل مؤسسات وأجهزة الدولة، معتبراً أن ذلك يمكن أن يقوض جهود الإصلاح والتحول الديمقراطي وحماية المدنيين.
التعبئة القبلية واستقطاب الشباب:
وفي القضارف، ركز الناشط في القضايا الإنسانية مصعب عبد الرحيم على الآثار الاجتماعية والأمنية للحرب، مشيراً إلى تصاعد عمليات التعبئة والتجييش وعسكرة المدنيين.
وقال مصعب لبرنامج قضايا الشباب إن الحرب أدت إلى تنامي الانتماءات القبلية على حساب الانتماء للمؤسسات والقضايا الوطنية، الأمر الذي ساهم في زيادة الاستقطاب داخل المجتمعات.
وأشار إلى أن استقطاب الشباب داخل المكونات القبلية يمثل خطراً على مستقبل المنطقة، خصوصاً في ظل انتشار السلاح وتراجع دور مؤسسات الدولة.
ويرى مصعب أن تعدد المكونات القبلية في شرق السودان، مع استمرار التعبئة العسكرية، يمكن أن يزيد من حدة التوترات ويجعل انتقال الحرب إلى المنطقة أكثر خطورة.
كما لفت إلى العامل الجغرافي، موضحاً أن قرب ولاية القضارف من الحدود الإثيوبية يجعلها تتأثر بصورة مباشرة بالتطورات والنزاعات داخل إثيوبيا.
وتحدث عن وجود تداخلات عسكرية عبر الحدود، مشيراً إلى مشاركة مقاتلين إثيوبيين في الحرب الحالية، وإلى ما وصفه باستعانة الجيش السوداني في فترات سابقة بمقاتلين إثيوبيين في بعض مناطق القتال.

الحرب لم تعد محصورة في مناطق بعينها
أما الصحفي أحمد محمود سعيد من مدينة كسلا، فقال لبرنامج قضايا الشباب إن سكان شرق السودان ينظرون إلى الحرب باعتبارها الواقع السائد في البلاد، حتى في الولايات التي لم تصل إليها المعارك بصورة مباشرة.
وأوضح لراديو دبنقا أن كسلا، رغم كونها ولاية آمنة نسبياً، تأثرت بالحرب اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، نتيجة تدفق النازحين وارتفاع معدلات التضخم والأسعار وتراجع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية.
وقال إن النظر إلى الحرب باعتبارها صراعاً محصوراً في دارفور أو كردفان أو النيل الأزرق لا يعكس حقيقة الوضع، مؤكداً أن السودان بأكمله يتأثر بالحرب، وأن استمرارها يمنع البلاد من استعادة الاستقرار.
وأشار إلى أن فتح جبهات جديدة، واستخدام الطائرات المسيرة، واستمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي لطرفي الصراع، كلها عوامل تجعل الحرب أكثر تعقيداً وتقلل من فرص وقفها.
خطاب الكراهية وتعدد الجيوش
وحذر أحمد محمود سعيد من مخاطر تعدد الجيوش والحركات المسلحة، إلى جانب تصاعد خطاب الكراهية والاستقطاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال إن استمرار هذا الخطاب يمكن أن يؤدي إلى زيادة الانقسام المجتمعي ورفع احتمالات توسع دائرة الصراع، خاصة في المناطق التي تتسم بتعدد المكونات الاجتماعية والقبلية.
وأضاف أن فرص إيقاف الحرب تتضاءل كلما استمر الخيار العسكري باعتباره الوسيلة الأساسية لتحقيق أهداف الأطراف، مشيراً إلى أن المدنيين هم الأكثر تضرراً من استمرار هذا النهج.

خلاف حول دور المجتمع الدولي
وفي ما يتعلق بالمقترح الأمريكي بشأن حظر الأسلحة على السودان، رأى أحمد محمود سعيد أن المقترح، رغم أن الهدف المعلن منه هو الحد من تدفق السلاح وحماية المدنيين، يواجه تحديات كبيرة أمام التنفيذ في ظل الخلافات داخل مجلس الأمن.
ودعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية للضغط على طرفي الحرب من أجل وقف القتال والعودة إلى طاولة التفاوض، بدلاً من الاكتفاء بالعقوبات أو الإجراءات التي قد يصعب تنفيذها على أرض الواقع.
وأكد أن الأزمة السودانية، في رأيه، أعمق من أن تحل فقط من خلال التدخلات الخارجية، مشدداً على ضرورة التوصل إلى توافق سوداني واسع يضم القوى السياسية والمدنية والعسكرية والمجتمعية المختلفة.
شرق السودان يريد السلام لا حرباً جديدة
وتقاطع حديث المشاركين حول مخاوف مشتركة من أن يؤدي استمرار الحرب إلى نقل المواجهات إلى مناطق جديدة، خصوصاً في ظل تصاعد المعارك في النيل الأزرق المتاخمة لولايات الشرق مع انتشار السلاح والتعبئة المجتمعية والتوترات الحدودية.
ويواجه شرق السودان بالفعل أعباء كبيرة نتيجة استضافته أعداداً ضخمة من النازحين، في وقت تعاني فيه المنطقة من ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات وضغوط اقتصادية متزايدة.
ويرى المشاركون أن تحول الشرق إلى جبهة قتال جديدة سيعني مزيداً من النزوح وتفاقم الأزمة الإنسانية، فضلاً عن تهديد طرق التجارة والحدود والموانئ والمناطق الزراعية.
وأكدوا أن حماية شرق السودان من الانزلاق إلى الحرب لا تنفصل عن إنهاء الحرب في بقية أنحاء البلاد، وأن وقف إطلاق النار والعودة إلى التفاوض يمثلان الخطوة الأولى نحو معالجة الأزمة.
وشدد المشاركون في المقابلة مع راديو دبنقا على أن السلام المستدام يتطلب، إلى جانب وقف القتال، معالجة جذور الأزمة السودانية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وحماية المدنيين، وضمان العدالة والمساءلة، ووقف خطاب الكراهية والتعبئة القبلية، وصولاً إلى توافق وطني يضع حداً للحرب ويمهد الطريق أمام بناء دولة مستقرة.
وبينما يستمر القتال في عدد من جبهات السودان، يبقى السؤال بالنسبة لسكان شرق البلاد: هل تنجح الجهود السياسية في وقف الحرب قبل أن تنتقل تداعياتها المباشرة إلى مناطق جديدة، أم يستمر الرهان على الحسم العسكري بما يحمله ذلك من مخاطر على ما تبقى من مناطق آمنة



and then