نساء من كسلا

نساء من كسلا (صندوق الأمم المتحدة للسكان السودان سفيان عبد المعطي)

كمبالا:22 اغسطس 2026: راديو دبنقا

في بلد لا تزال فيه الحرب ترسم المشهد السياسي والإنساني، تعيد الدعوات إلى حوار سوداني–سوداني طرح السؤال القديم المتجدد حول إمكانية إطلاق عملية سياسية بينما تستمر المواجهات المسلحة، وحول ما إذا كان الحوار يمكن أن يشكل مدخلاً لإنهاء الحرب أم يتحول إلى مسار موازٍ لها لا يمس جذور الأزمة.

وتزداد هذه التساؤلات مع حديث قائد الجيش عبد الفتاح البرهان عن حوار سياسي، وتقديم ضمانات للمشاركين فيه، بما في ذلك العفو والحصانات المؤقتة. وبينما تطرح هذه الدعوة باعتبارها مدخلاً لمعالجة الأزمة، ترى قيادات نسوية وسياسية أن الأولوية ينبغي أن تكون لوقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات، قبل الانتقال إلى تحديد شكل العملية السياسية وأطرافها وضماناتها.

وفي إفادات منفصلة لـ(راديو دبنقا)، ضمن برنامج (كنداكات وميارم) تباينت زوايا نظر القيادات النسوية تجاه الدعوة، لكنها التقت عند ضرورة ألا ينفرد طرف في الحرب بتحديد شكل الحوار أو المشاركين فيه، وأن تسبق العملية السياسية ترتيبات واضحة تتعلق بوقف القتال والعدالة ووحدة البلاد.

ذر للرماد في العيون

وقالت عضو المكتب القيادي لمؤتمر البجا المعارض، هبة أحمد، إن الحديث عن الحوار السياسي بصورته الحالية يهدف، بحسب تقديرها، إلى قطع الطريق أمام أي حوار حقيقي يمكن أن يقود إلى وقف الحرب ومخاطبة جذورها وإنهائها.

ورأت أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يسعى إلى تنصيب نفسه رئيساً للجمهورية، بينما تسعى الحركة الإسلامية، التي وصفتها بأنها تقف خلف هندسة الحوار، إلى العودة الكاملة إلى السلطة وتنفيذ أجندتها الأيديولوجية.

واعتبرت أحمد، أن الحديث عن الضمانات والعفو والحصانة المؤقتة للمشاركين لا يقوم على أسس سياسية وقانونية سليمة، واصفة تلك الوعود بأنها “ذر للرماد في العيون”.

وقالت إن المدخل المطلوب، من وجهة نظرها، هو الالتزام الكامل بخطة الرباعية الواردة في إعلان سبتمبر 2025، والتي ربطت بين إنهاء الحرب والمسار السياسي، عبر البدء بهدنة إنسانية تمضي نحو وقف إطلاق النار، مع إيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، على أن تعقب ذلك عملية سياسية.

وأضافت أن المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية يجب ألا يكونا جزءاً من تلك العملية السياسية.

نازحات في النيل الأزرق بالسودان أمام مرفق صحي في انتظار العلاج-مارس 2026- وسائل التواصل الاجتماعي
نازحات في النيل الأزرق أمام مرفق صحي في انتظار العلاج-مارس 2026- وسائل التواصل الاجتماعي

حوار فارغ من أي مضمون

من جانبها، قالت المحامية والناشطة الحقوقية والخبيرة السودانية في القانون الدولي نون كشكوش إن خطاب البرهان بشأن الحوار والضمانات والعفو يعيد، في نظرها، نمطاً تكرر في التجارب السياسية السودانية، يتمثل في محاولة الأنظمة العسكرية والانقلابية البحث عن شرعية سياسية عبر إطلاق مبادرات للحوار.

وشبهت كشكوش الخطاب الحالي بما عُرف في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير بـ”حوار الوثبة” وقالت إن التركيز في مثل هذه المبادرات ينصرف أحياناً إلى شكل الحوار وشعاراته أكثر من مضمونه والقضايا الأساسية التي يفترض أن يعالجها.

وأضافت أن أي حوار سياسي يجري في ظل استمرار الحرب، من دون معالجة مسألة وقف القتال، يظل، بحسب رأيها، “فارغاً من المضمون” مشددة على أن الأولوية يجب أن تكون للتفاوض مع أطراف النزاع للوصول إلى وقف إطلاق النار وهدنة إنسانية، قبل الانتقال إلى المرحلة السياسية.

وأوضحت أن العملية السياسية، من وجهة نظرها، تمثل مرحلة لاحقة يفترض أن يجري التوافق على شكلها وأطرافها بعد وقف الحرب، مشيرة إلى أن قوى مدنية عديدة تتمسك باستبعاد المؤتمر الوطني من أي عملية سياسية مستقبلية.

كما انتقدت استخدام القوانين في تقييد حركة القيادات السياسية والفاعلين المدنيين، وقالت إن ذلك يضعف الثقة في أي ضمانات تُطرح بشأن الحوار أو العفو، معتبرة أن المناخ الحالي لا يوفر ضمانات كافية لعملية سياسية جادة.

ووصفت كشكوش الدعوة الحالية للحوار بأنها “فرقعة إعلامية” ومحاولة للبحث عن شرعية سياسية، محذرة من أن استمرار الحرب وغياب تسوية حقيقية قد يدفعان البلاد نحو واقع أكثر تعقيداً، بما في ذلك ترسيخ الانقسام بين مناطق السيطرة المختلفة.

نازحون فرو من احداث كاودا الى مقاطعة أنمبونق بجبال النوبة : صفحة الحركة الشعبية على الفيس بك

من يحدد أطراف الحوار؟

فيما أكدت عضو مجموعة نساء من أجل السلام والأمن، عزة محمد أحمد، وهي مجموعة تضم نساء من مناطق النزاعات في دارفور وجنوب وغرب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، أن الحوار، كمبدأ، ليس مرفوضاً، بل اعتبرته ضرورياً وحتمياً مهما طال أمد الحرب، شريطة ألا يجري تجييره لمصلحة طرف بعينه.

ودعت إلى التوافق على إعلان مبادئ واضح يسبق الحوار، ويجيب عن أسئلة أساسية، من بينها إمكانية وقف إطلاق النار، وكيفية التعامل مع تحفظ أطراف الحرب على نتائج الهدن السابقة.

وترى أن هذه المسائل تحتاج إلى نقاش مستفيض قبل الانتقال إلى العملية السياسية، إلى جانب الاتفاق على الجهات التي ستشارك في الحوار، مؤكدة أن طرفاً واحداً في الحرب لا ينبغي أن يملك حق تحديد المشاركين.

وقالت إن كون الحوار سودانياً–سودانياً لا يمنع وجود جهات تلعب أدواراً رقابية أو وساطات يتم التوافق عليها، خاصة في ظل انعدام الثقة بين أطراف الحرب والقوى السياسية، والاستقطاب الذي طال قطاعات من المجتمع المدني نفسه.

وأشارت إلى أن أزمة الثقة امتدت كذلك إلى المواطنين، الذين لا يثق كثير منهم، بحسب قولها، في أي من أطراف الصراع.

وشددت محمد أحمد ،على ضرورة الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها مختلف الأطراف، خصوصاً تلك المرتبطة بتأجيج الصراع وإزهاق الأرواح، بدلاً من اختزال النقاش في سؤال “من أطلق الرصاصة الأولى”.

وقالت إن أطرافاً عسكرية وسياسية، وحتى بعض القوى المدنية، كانت بدرجات مختلفة متحفزة للصراع أو انحازت لاحقاً إلى أحد أطرافه، الأمر الذي يستدعي مراجعة واسعة لأسباب الحرب والمسؤولية عنها.

وأضافت أن أي حوار مقبل يحتاج إلى إطار مقبول لدى قطاع واسع من المجتمع السوداني، خاصة المكونات التي ظلت بعيدة عن أهداف أطراف الحرب، مشيرة إلى أن ما يشغل المواطنين ليس قسمة السلطة والثروة بقدر ما يشغلهم وقف الحرب والأمن والسلام والعدالة.

وطالبت بأن تكون العدالة وعدم الإفلات من العقاب والحقوق الخاصة للضحايا جزءاً أصيلاً من العملية، مع وضع مسارات واضحة للعدالة والعدالة الانتقالية.

ـ نساء في احدي المؤتمرات ارشيف

وحدة السودان أولًا

ووضعت محمد أحمد، قضية وحدة السودان في صدارة الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها أي حوار سياسي.

وقالت إن الحوار يجب أن يبنى على أساس “سليم وقوي”، وإن ما تبقى من السودان يجب الحفاظ عليه موحداً، محذرة من أن فشل ذلك قد يقود إلى سلسلة جديدة من الحروب والنزاعات، سواء المسلحة أو السياسية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب مزيد من التدخلات الخارجية.

وأكدت أن المجموعة ترفض بصورة قاطعة أي أجندة معلنة أو غير معلنة يمكن أن تفضي إلى تقسيم السودان، سواء طرحت بصورة مباشرة أو غير مباشرة من أي طرف.

وعلى الرغم من اختلاف مواقف المتحدثات بشأن طبيعة الدعوة الحالية ودوافعها، فإن إفاداتهن تتقاطع عند نقطة أساسية، وهي أن الحوار لا يمكن فصله عن الحرب الدائرة على الأرض. وبين وقف القتال، وتحديد المشاركين، وضمان العدالة، والحفاظ على وحدة السودان، تبدو الأسئلة التي تسبق طاولة الحوار، في نظرهن، أكثر إلحاحاً من مجرد الإعلان عن انعقادها.

Welcome

Install
×