بعد مغادرة الطبيب الوحيد بالمحلية .. مبادرة مجتمعية لإنقاذ مستشفى رهيد البردي من الانهيار
مبادرة مجتمعية لإنقاذ مستشفى رهيد البردي من الانهيار
رئاسة محلية رهيد البردي - أرشيف
رهيد البردي: 5 اغسطس 2026: راديو دبنقا
تقرير: عبد المنعم مادبو
في مستشفى رهيد البردي، جنوب دارفور، لم يعد القلق يقتصر على نقص الأدوية أو شح المعدات الطبية، بل أصبح يدور حول غياب الطبيب الوحيد الذي ظل يقدم الخدمات الصحية لسكان المحلية منذ اندلاع الحرب في السودان. فقد غادر الطبيب المنطقة لمواصلة دراساته العليا والتخصص، تاركاً وراءه فراغاً يهدد بتوقف المستشفى الذي يعتمد عليه آلاف المواطنين من رهيد البردي وعدد من المحليات المجاورة.
ومع غياب أي دعم منتظم من حكومة الولاية أو المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع الصحي، وجد المجتمع المحلي نفسه أمام أزمة قد تفضي إلى انهيار المرفق الصحي الوحيد العامل في المنطقة. هذا الواقع دفع الإدارة الأهلية والسلطات التنفيذية وقيادات المجتمع والناشطين إلى عقد اجتماع موسع لبحث سبل إنقاذ المستشفى، وتوفير دعم مستدام يضمن استمرار خدماته، في محاولة لتفادي تحول غياب طبيب واحد إلى أزمة صحية تهدد حياة الآلاف.
مستشفى بناه الأهالي
مستشفى رهيد البردي ليس مجرد مرفق صحي بالنسبة لسكان المنطقة، بل يمثل أحد أبرز المشروعات التي شُيدت بجهود المجتمع المحلي، ويجسد نموذجاً للتكافل في توفير الخدمات الأساسية. وتعود فكرة إنشاء المستشفى إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما أسهم المواطنون في تمويله عبر استقطاع جزء من حصصهم التموينية من السكر، دون أن يدفعوا مساهمات نقدية مباشرة.
وشهدت مرحلة التأسيس مساهمات من أبناء المنطقة، من بينهم الراحل مختار الغالي الذي تكفل ببناء أحد عنابر المستشفى، فيما ساهم محافظ نيالا آنذاك، عبد الله رياس، في استكمال المشروع، حتى افتُتح المستشفى رسمياً عام 1993.
وخلال سنواته الأولى، نجح المستشفى في استقطاب الأطباء بفضل مبادرات محلية لتوفير حوافز مالية وعينية. ويستذكر الأهالي الطبيب بابكر، الذي يُعد أول طبيب يستقر بالمستشفى لفترة طويلة، بعد أن وفرت له المحلية مخصصات شهرية ودعماً عينياً أسهما في استقراره واستمرار الخدمة الطبية.
كما اعتمدت المحلية لاحقاً على موارد محلية لتوفير حوافز للأطباء، وهو ما حافظ على استقرار الكادر الطبي لسنوات، قبل أن تؤدي الحرب وتراجع الموارد إلى إعادة المستشفى إلى دائرة الخطر.
صندوق لدعم المستشفى
وفي محاولة لتجاوز الأزمة، أوضح المدير التنفيذي لوحدة رهيد البردي الإدارية لراديو دبنقا إن الاجتماع، الذي ضم رؤساء الأحياء والإدارة الأهلية وقيادات المجتمع وممثلي المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية، توصل إلى إنشاء صندوق لدعم مستشفى رهيد البردي، باعتباره آلية مجتمعية لتوفير التمويل اللازم لاستمرار الخدمات الصحية.
منوهاً الى أن المستشفى لا يخدم سكان رهيد البردي وحدهم، وإنما يستقبل أيضاً مرضى من محليات كبم، وعد الفرسان، وأم دافوق، وأمدخن، وغيرها من المناطق المجاورة، الأمر الذي يجعل استمراره ضرورة إنسانية لآلاف السكان.
وأضاف أن المجتمعون اتفقوا على تشكيل لجنة تتكون من 11 عضواً لإدارة الصندوق والإشراف على أعماله، موجهاً نداءً إلى أبناء رهيد البردي داخل السودان وخارجه لدعم المبادرة والمساهمة في استدامة خدمات المستشفى.
دعم الكوادر الطبية
وقال ممثل المجتمع المدني ومنسق الأحياء ومجالس القرى بمحلية رهيد البردي، محمد زين دياب أحمد، لراديو دبنقا إن المشاركين في الاجتماع ركزوا على معالجة النقص الحاد في الكوادر الطبية، واتفقوا على توفير بيئة جاذبة للأطباء والعاملين في القطاع الصحي، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم بما يضمن استقرارهم واستمرار تقديم الخدمات العلاجية.
بدوره، أوضح الأستاذ أحمد عوض أن مغادرة الطبيب الوحيد أثرت بصورة مباشرة على المواطنين، خاصة المرضى الذين يصعب عليهم الوصول إلى مدينة نيالا لتلقي العلاج، وذكر لراديو دبنقا أن المجتمع قرر تشكيل لجنة تتولى تعبئة الموارد من مختلف شرائح المجتمع، بما في ذلك التجار وأصحاب الماشية والمزارعون، لتوفير دعم مالي مستدام للمستشفى.
من جهته أكد داوود المهدي، أحد المشاركين في الاجتماع، أن النقاشات ركزت على إيجاد حلول عاجلة تضمن استمرار تشغيل المستشفى وتوفير الكوادر الطبية، مشيراً إلى أن المشاركين أجمعوا على أن صحة المواطنين تمثل أولوية لا تحتمل التأجيل. كما أشاد بجهود الأطباء الذين خدموا المستشفى خلال السنوات الماضية، معرباً عن أمله في أن تمثل مخرجات الاجتماع بداية لمعالجة الأزمة الصحية في المحلية.
من جانبه، قال الناشط المجتمعي آدم بشير حسن إن المجتمع المحلي تحرك بعد أن أصبح المستشفى مهدداً بفقدان خدماته نتيجة مغادرة آخر الأطباء العاملين به، موضحاً أن الاجتماع أفضى إلى إطلاق مبادرة شعبية لجمع التبرعات، بالتنسيق مع السلطات المحلية، لتوفير التمويل اللازم لاستقدام أطباء ودعم تشغيل المستشفى. وأضاف أن المنطقة تشهد خلال هذه الفترة تزايداً في الأمراض الموسمية، مثل الحمى والإسهالات، وهو ما يجعل استمرار المستشفى مسألة تتعلق بإنقاذ الأرواح، وليس مجرد استمرار مرفق خدمي، مناشداً أبناء رهيد البردي داخل السودان وخارجه دعم المبادرة.
رهان على المجتمع
قبل أكثر من ثلاثين عاماً، بنى أهالي رهيد البردي مستشفاهم من حصص السكر، حين كان حلمهم أن يجد المرضى العلاج داخل مدينتهم. واليوم، وبعد أن غادر آخر الأطباء العاملين فيه، يعود المجتمع مرة أخرى للاعتماد على تضامنه، لكن هذه المرة ليس لبناء الجدران، بل للحفاظ على استمرار العلاج نفسه.
ويبقى نجاح هذه المبادرة مرهوناً بقدرتها على توفير دعم مستدام للكادر الطبي وتشغيل المستشفى، حتى يظل هذا المرفق، الذي يخدم آلاف السكان في رهيد البردي والمحليات المجاورة، قادراً على أداء رسالته في واحدة من أكثر مناطق جنوب دارفور احتياجاً للخدمات الصحية.


and then