في انتظار الحياة… كيف أصبح غسيل الكلى في نيالا رحلة بين المرض والفقر؟

مركز غسيل الكلى في نيالا بجنوب دارفور -يوليو 2026- صفحة الإدارة المدنية بجنوب دارفور على فيسبوك

مركز غسيل الكلى في نيالا بجنوب دارفور -يوليو 2026- صفحة الإدارة المدنية بجنوب دارفور على فيسبوك

نيالا: 13 يوليو 2026: راديو دبنقا

داخل مركز غسيل الكلى بالمستشفى التخصصي بمدينة نيالا، ترقد الطفلة سناء آدم ابراهيم (اسم مستعار)، بينما ينهش الفشل الكلوي جسدها الصغير. إلى جوارها يقف والدها ووالدتها وقد أنهكهما التعب واستنزفتهما الدموع، بعد رحلة شاقة قطعاها من ولاية شمال دارفور، أملاً في إنقاذ حياة ابنتهما.

اضطرت الأسرة إلى ترك 5 أطفال في المنزل دون معيل، والتوجه إلى نيالا حيث لا يملكون أقارب أو مكاناً للإقامة، فأصبحت أروقة المستشفى مأواهم المؤقت. لكن مع نفاد مدخراتهم، باتوا عاجزين عن توفير تكلفة جلسات الغسيل، التي تصل إلى نحو 360 ألف جنيه ما يعادل 100 دولار  للجلسة الواحدة، بخلاف الفحوصات والأدوية، ما يجعل أي تأخير في العلاج تهديداً مباشراً لحياة سناء ذات الـ 14 ربيعا.

4 أجهزة تخدم إقليمي دارفور وكردفان

لا تمثل قصة سناء حالة استثنائية، بل تعكس واقع مئات مرضى الفشل الكلوي القادمين من ولايات دارفور وكردفان. فالمركز، الذي كان يضم 12 ماكينة غسيل، خرجت تسع منها عن الخدمة بسبب الأعطال وعدم الصيانة لفترات طويلة، ولم يتبق سوى عدد محدود من الأجهزة العاملة، ما تسبب في ضغط كبير وتأخير حصول المرضى على جلساتهم العلاجية.

ولا تقتصر الأزمة على نقص الأجهزة، إذ يضطر المرضى إلى تحمل تكاليف العلاج بأنفسهم، وتشمل شراء مستلزمات الغسيل والمساهمة في تشغيل الخدمة، من القسطرة ومواد الغسيل إلى الوقود والمياه، رغم أن هذه الخدمة يفترض أن تقدم مجاناً، وهو ما جعل العلاج المنقذ للحياة عبئاً يفوق قدرة معظم الأسر.

العدوى ونقص الكوادر… مخاطر إضافية

الأزمة داخل المركز لا تتوقف عند نقص الإمكانات، بل تمتد إلى مخاطر صحية متزايدة. فشح المعدات أجبر المركز على استخدام الأجهزة نفسها لمرضى الفشل الكلوي وآخرين مصابين بامراض أخرى، فقد اشارت مصادر الى اصابة عدد من مرضى الفشل الكلوي بالتهاب الكبد الفيروسي والإيدز، وسط مخاوف من انتقال العدوى بسبب نقص مواد التعقيم والمستهلكات الطبية.

وتشير مصادر التي تحدثت لراديو دبنقا من داخل المركز إلى وفاة 35 مريضاً خلال شهري مايو ويونيو الماضيين، بمعدل يقارب حالة وفاة كل يومين، كما سجلت حالتا وفاة لمرضى أصيبوا بالتهاب الكبد الفيروسي (C)، في وقت يخلو فيه المركز من طبيب اختصاصي أو طبيب عمومي للإشراف على الحالات.

وأكد مدير المركز، المهندس طبي حامد موسى، أن تعطل الماكينات، ومشكلات محطة تنقية المياه، ونقص الوقود، والحاجة إلى منظومة طاقة شمسية، إضافة إلى ضعف حوافز العاملين، جميعها عوامل أسهمت في تدهور الخدمة.

وتأثر المركز بشكل كبير جراء المعارك التي شهدتها المدينة في العام 2023م، إذ تعطلت خدمات الصيانة والإمداد وتضررت البنية التشغيلية للمركز. كما أدى انقطاع الإمدادات الطبية والوقود، إلى جانب مغادرة عدد من الكوادر الصحية، إلى تراجع قدرته على تقديم خدماته.

تعهدات حكومية

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن رئيس الإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور، يوسف إدريس يوسف، تخصيص 50 مليون جنيه لدعم المركز، تشمل صيانة خمس ماكينات، وتوفير الوقود اللازم لتشغيل المولدات، ورصد خمسة ملايين جنيه حوافز للعاملين، إلى جانب توجيه بتأمين إمدادات المياه بصورة منتظمة، وذكر ادريس خلال زيارته الى المركز الاحد الماضي ان هناك بعض احتياجات المركز سيتم التفاكر حولها مع وزارة الصحة الاتحادية بحكومة السلام. وجاءت زيارة رئيس الادارة المدنية لمركز غسيل الكلى بعد مناشدات ونداءات تقدم بها ناشطون خلال الايام الماضية بهدف تأهيل المركز وانقاذ ارواح المرضى.

من جانبه، قال المدير العام لوزارة الصحة بالولاية، عباس حسن، إن الماكينات الخمس التي ستتم صيانتها ستدخل الخدمة خلال الأسابيع المقبلة، لترتفع الطاقة التشغيلية إلى ثماني ماكينات، مشيراً إلى أن الأولوية التالية تتمثل في توفير المحاليل والمعينات الطبية بالتنسيق مع وزارة الصحة الاتحادية بحكومة السلام، بهدف تخفيف الأعباء المالية عن المرضى وجعل جلسات الغسيل مجانية.

لكن إلى أن تتحول هذه التعهدات إلى واقع، يظل مرضى الكلى في نيالا، ومن بينهم الطفلة سناء، يعيشون سباقاً يومياً مع الزمن، حيث قد تعني جلسة غسيل متأخرة حياةً تُفقد، أو أملاً يتبدد.

Welcome

Install
×