مختبر أمريكي يستبعد تكرار جرائم الفاشر في الأبيض
الأبيض: 1 يوليو 2026: راديو دبنقا
استبعد مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة “ييل” الأمريكية تكرار ديناميكيات القتل الجماعي المنظم الموجه لمجموعات عرقية معينة في مدينة الأبيض، على غرار ما حدث في الفاشر، نظراً لأن الأبيض لم تشهد تاريخاً من العنف العرقي. ولكنه حذر في الوقت نفسه من مخاطر وقوع “عمليات قتل انتقامية” ضد المدنيين المشتبه في تعاونهم مع الجيش السوداني إذا سقطت المدينة.
ولفت المختبر في تقريره الذي حمل عنوان “قصف قوات الدعم السريع يسرّع الأزمة الإنسانية في الأبيض”، إلى تقارير تفيد بأن قوات الدعم السريع حاصرت المدينة وبدأت في فرض حصار عليها من ثلاثة اتجاهات على الأقل: الغرب، والشمال، والجنوب، مع تركز القوة الرئيسية في الجبهة الغربية. وفي المقابل، أكد المختبر أن المدينة محاطة حالياً بشبكة من السواتر الدفاعية والخنادق بطول 51 كيلومتراً أنشأها الجيش السوداني، مما يعكس اتخاذ وضعية دفاعية استعداداً لحصار طويل الأمد ومتعدد الاتجاهات.
تضرر 8 محطات وقود
وذكر مختبر الأبحاث الإنسانية أن تحليل صور الأقمار الاصطناعية أثبت تعرض ما لا يقل عن ثماني محطات وقود في الأبيض لأضرار نتيجة هجمات بطائرات مسيرة خلال الفترة من 25 مايو إلى 25 يونيو.
وأوضح التقرير أن القصف ألحق أضراراً بالبنية التحتية المدنية ذات الحماية الخاصة، بما في ذلك محطات توليد الكهرباء، ومنشآت تخزين الوقود، والسوق الرئيسي في مدينة الأبيض بشمال كردفان.
وأكد أن الأضرار المرئية عبر صور الأقمار الصناعية التي جُمعت خلال تلك الفترة تتسق مع القصف المتعمد للبنية التحتية المدنية الضرورية لاستمرار الحياة، مشيراً إلى استهداف محطة الأبيض الفرعية لتوليد الكهرباء بشكل خاص.

تأثير قصف محطات الوقود
وأكد التقرير أن استهداف محطات الوقود يحد من قدرة المدنيين على الفرار من المدينة في حال كانت طرق الخروج آمنة، لافتاً إلى أن المختبر لا يمكنه حالياً تقييم ما إذا كان بإمكان المدنيين الوصول إلى الطرق المتبقية خارج المدينة أم لا.
وأضاف أن الهجمات على منشآت الطاقة والوقود تؤثر بشكل مباشر على تشغيل مضخات المياه، حيث يؤدي عدم الحصول على مياه الشرب النظيفة إلى انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، بما في ذلك الكوليرا.
وتشهد المدينة أزمة مياه خانقة؛ إذ تعتمد الأبيض بشكل كبير على الإمداد المائي القادم من خارجها (مثل منطقة بارا التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع حالياً). وأفادت التقارير بارتفاع أسعار برميل مياه الشرب بشكل جنوني ليتراوح ما بين 9,000 إلى 25,000 جنيه سوداني، كما أن القصف المتعمد للقوافل المدنية يجعل حركة صهاريج المياه وعربات “الكارو” خطيرة للغاية.
وتُصنف منطقة شيكان بالأبيض حالياً في “المرحلة الرابعة: الطوارئ” وفقاً للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) للفترة من فبراير 2026 إلى يناير 2027. وتواجه الأسر فجوات هائلة في استهلاك الغذاء تؤدي إلى سوء تغذية حاد وارتفاع معدلات الوفيات، مع وجود خطر حقيقي للوقوع في كارثة (المرحلة الخامسة: المجاعة) بين النازحين.


حركة النزوح
وأشار التقرير إلى زيادة حركة النزوح صوب المدينة، حيث رُصدت زيادة ملحوظة بأكثر من 700 مأوى مؤقت في مخيمات النازحين بالأبيض خلال شهر واحد، مما يتسق مع التدفق الأخير للمدنيين الأكثر ضعفاً؛ إذ توسع مخيم النازحين الموحد في وسط المدينة بمقدار 694 مأوى مؤقتاً.
ونبه إلى وجود أضرار ناجمة عن القصف الجوي (الذي يُرجح أنه نُفذ بواسطة طائرات مسيرة) في السوق الكبير وأحياء أخرى مثل: حي المطار، وحي الهجانة، وحي الدرجة. وتؤدي الضربات على البنية التحتية للأسواق إلى تفاقم حالة انعدام الأمن الغذائي الحادة في المدينة.

هجمات على الفرقة العسكرية
وأكد التقرير أيضاً أن منشآت الفرقة الخامسة مشاة التابعة للقوات المسلحة السودانية تعرضت للقصف. وتعمل قوات الدعم السريع من خلال حملة القصف على تدمير البنية التحتية المدنية الحيوية وإضعاف منشآت الجيش السوداني في الأبيض في آنٍ واحد.
ورصد المختبر زيادة بنحو 30 قبراً جديداً في مقابر الرمالية بالأبيض بين مايو ويونيو 2026، وهو مؤشر واضح على سقوط وفيات جديدة في المدينة.
ويعتمد التقرير على آلية “دمج البيانات” عبر مطابقة وتقييم البيانات المفتوحة والمقاطع المصورة ومواقع التواصل الاجتماعي، والتحقق منها جغرافياً وزمنياً، ومن ثم دمجها مع استشعار البيانات عن بُعد وتحليل التغيرات عبر صور الأقمار الصناعية متعددة الفترات الزمنية لتحديد الأضرار بدقة. وأوضح أن زوايا تصوير الأقمار الصناعية ودقة وضوح الصور قد تحد أحياناً من الرؤية الكاملة لحجم الأضرار الهيكلية ما لم تتوفر مواد تصويرية أرضية داعمة.

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر
من جانبه، أطلق توم فليتشر، وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، ناقوس الخطر مجدداً بشأن تصاعد العنف وتدهور الوضع الإنساني المتسارع في منطقة شمال كردفان بالسودان، مضيفاً في بيان: “لا يمكننا السماح بأن تصبح الأبيض مثل الفاشر”.
وأكد فليتشر، في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا”، أن هجمات الطائرات المسيرة المتزايدة تتسبب في مقتل المدنيين في جميع أنحاء المنطقة، ويزيد من مخاطر المعاناة الإنسانية الأعمق، مشيراً إلى وجود مئات الآلاف من المدنيين في الأبيض، بمن فيهم العديد من النازحين جراء القتال في مناطق أخرى.
وذكر أن غارات المسيرات تعطل الوصول إلى مياه الشرب والكهرباء المنقذة للحياة، موضّحاً أن المجتمع الإنساني يعمل على مدار الساعة مع اقتراب موسم الأمطار لمساعدة الناس في الأبيض، التي تُعد مركزاً حيوياً لعمليات الإغاثة في جميع أنحاء المنطقة.
ودعا المسؤول الأممي إلى وقف فوري للهجمات على المناطق المأهولة بالسكان والبنية التحتية المدنية الحيوية، بما في ذلك هجمات الطائرات المسيرة. كما طالب بالسماح للمدنيين الراغبين في مغادرة الأبيض بالقيام بذلك بأمان، مضيفاً: “سواء غادروا أو بقوا، يجب حمايتهم وتوفير الضروريات اللازمة لبقائهم”.
كما حث على السماح للعاملين في المجال الإنساني بالتنقل بأمان ودون عوائق للوصول إلى المحتاجين، داعياً إلى عدم تجاهل التحذيرات الواضحة في هذه الحرب الوحشية.


and then