أبعاد انشقاقات الدعم السريع وتوازنات القوى الإستراتيجية!!

البرهان يستقبل النور القبة بعد انشقاقه من الدعم السريع - ابريل 2026- إعلام مجلس السيادة

البرهان يستقبل النور القبة بعد انشقاقه من الدعم السريع - ابريل 2026- إعلام مجلس السيادة


تقرير – أشرف عبدالعزيز
شهدت الأيام الماضية موجة واسعة من الجدل السياسي والشعبي في السودان عقب الانشقاقات المتتالية لعدد من أبرز القادة العسكريين عن قوات الدعم السريع، وعلى رأسهم القائد النور قبة وعلي رزق الله (السافنا)، عطفاً على عودة الشيخ موسى هلال إلى حاضنة الدولة. وقد أثارت هذه الانسلاخات ردود أفعال متباينة وتساؤلات عميقة حول كلفة التفكيك العسكري مقابل حسابات العدالة الجنائية والمحاسبة.

مقاربة المسؤولية الجنائية والتفكيك العسكري


يرى مستشار رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان د. أمجد فريد أن التصدعات الحالية داخل صفوف الدعم السريع تمثل تراجعاً حتمياً لقدرتها على مواصلة العمليات العسكرية واستهداف المدنيين، كونها تخصم مباشرة من فاعلية آلة القتل والتدمير التي انطلقت منذ أبريل 2023.

وأضاف التمييز المنهجي يعد ركيزة أساسية في التعاطي مع هذه التحولات، فالانشقاق كخطوة ميدانية يسهم بوضوح في تقليل حدة العنف وحماية المواطنين عبر إضعاف القوة الضاربة للدعم السريع، إلا أنه لا يحمل أي صفة إبرائية تمنح حصانة للمنشقين. وتظل المسؤولية الجنائية عن الانتهاكات السابقة والجرائم المرتكبة قائمة بالكامل، ولا تسقط بالتبدلات السياسية أو المواقف المستجدة، مع التأكيد على أن أبواب العدالة ومسارات التقاضي تظل مفتوحة لضمان الحقوق الخاصة للضحايا. هذا التوجه يقطع الطريق أمام المحاولات السياسية التي تسعى لشرعنة المليشيا أو دمجها في معادلات الحكم المستقبلية عبر اتفاقات هشة تحت لافتات وقف الحرب، ويؤكد في الوقت ذاته أن خيار الانحياز لسلامة الدولة والفكاك من اقتصاد الدم والأجندات الخارجية يظل متاحاً لتقويض مشروع التشرذم، دون التفريط في مبادئ المحاسبة.

التوازن بين تفكيك التمرد والعدالة الانتقالية :


ترى حركة العدل والمساواة في بيان أن كل انشقاق داخل جبهة “المتمردين” يمثل تطوراً إيجابياً يدعم المعركة الوطنية ويساهم في حقن دماء السودانيين، شريطة إدارته بمنهجية دقيقة توازن بين الضرورة العسكرية لتفكيك التمرد “عروة عروة” وبين متطلبات الإنصاف والعدالة التي لا تسقط بالتقادم. وضمن هذا المنظور الشامل، ترتبط الرؤية السياسية للحركة بضرورة الالتزام الصارم بالمرجعيات التأسيسية مثل إعلان جدة الإنساني، الذي يشترط خروج المليشيا من المدن والأعيان المدنية لمنعها من إعادة ترتيب صفوفها المنهارة. كما تتمسك الحركة بإنفاذ اتفاق جوبا لسلام السودان كإطار استقراري، وتشدد على أن أي مسار مستقبلي للسلام يجب أن يستند إلى حلول أمنية جذرية تقضي بدمج كافة الجيوش في القوات المسلحة، وتطبيق آليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الشاملة لحفظ تضحيات الشعب السوداني.

البنية القبلية وإعادة الهيكلة


ويقول المحلل السياسي المصباح أحمد لـ(راديو دبنقا) : “ترتبط الجذور العميقة لظاهرة الانشقاقات بطبيعة التكوين الداخلي للدعم السريع، والتي ترتكز بشكل أساسي على العصبيات القبلية والتحالفات العشائرية”.

وتكشف القراءة التحليلية لتلك الشروخ أن تضارب المصالح بين القيادات التقليدية والإدارة العليا للقوات بحسب مصباح ما يسهم مباشرة في تسريع وتيرة الانسلاخات، لا سيما عندما تشعر المكونات الاجتماعية بتهديد لامتيازاتها أو بوجود مساعٍ حثيثة لإعادة هيكلة القوات وتجاوز القيادات التاريخية. وفي هذا السياق، يبدو التباين واضحاً بين الأوزان النسبية للقادة المنشقين، حيث يمثل انضمام القائد النور قبة ثقلاً عسكرياً ملموساً نظراً لكونه من المؤسسين الذين استصحبو معهم عتاداً وقوات ميدانية، بخلاف انشقاقات أخرى مثل علي رزق الله (السافنا) التي حملت طابعاً رمزياً أو سياسياً أكثر من كونه عسكرياً. ورغم الارتدادات العكسية والضجة الشعبية الناتجة عن التاريخ الملوث لبعض هؤلاء القادة الذين أشرفوا على انتهاكات واسعة في الفاشر والنهود، إلا أن استقبالهم في بيئة الجيش أحدث تحولاً في الخطاب السائد، والمفارقة أن بعد المناصرين للجيش شنوا هجوماً غير مسبوق على قيادته ووصفوها بالخيانة وفتح حضن الوطن للمجرمين وبالتأكيد هذا مفيد للدعم السريع.

التآكل الإستراتيجي وسقوط السرديات السياسية


يقول المحلل السياسي مكي المغربي إن قوات الدعم السريع تتجرد من أي قضية وطنية أو مشروع سياسي حقيقي، لتتموضع ضمن تصنيف “الجلادين” الذين تحركهم الأجندات الخارجية وتطلعات السيطرة العسكرية والنهب والسلب، وبالتالي فإن التصدعات الراهنة لا تعدو كونها نتيجة طبيعية لغياب المبدأ والأيديولوجيا. ويواصل المحلل السياسي والكاتب الصحفي مكي المغربي لـ(راديو دبنقا) حديثه ويقول : “تحمل هذه الانشقاقات أثراً سياسياً يفوق في أبعاده وعمقه الأثر العسكري المباشر؛ فالقوة العسكرية للدعم السريع تتآكل تدريجياً بمرور الوقت تحت وطأة العمليات الميدانية، لكن الأثر السياسي يعمل كعامل حسم يعجل بانهيار ما تبقى من الهياكل المتماسكة:. وأضاف لقد ساهمت هذه الانسلاخات، المدفوعة باكتشاف القيادات الميدانية لزيف الشعارات وتضليل القيادة المتواجدة بالخارج، في زعزعة القناعات وتفكيك الأوهام لدى الحواضن الاجتماعية في غرب السودان التي جرى استغلالها سابقاً، مما أسفر عن ضعف بنيوي شامل أكد خطل مشروع التمرد وتهافت منطلقاته.

Welcome

Install
×