كواليس الصراع في الكتلة الديمقراطية: صراع المحاصصات ومخططات “إعادة الهندسة”

التوقيع على ميثاق الكتلة الديمقراطية ببورتيودان-26 أبريل 2026-وسائل التواصل الاجتماعي

التوقيع على ميثاق الكتلة الديمقراطية ببورتيودان-26 أبريل 2026-وسائل التواصل الاجتماعي


تقرير ؛ أشرف عبدالعزيز
​شهد الاجتماع التنظيمي الأخير للكتلة الديمقراطية هزات عنيفة عصفت بتماسكه، حيث غابت لغة البيانات الختامية وحضرت لغة التقاسم والمحاصصة في الأمانة العامة، مما كشف عن تصدعات عميقة داخل هذا التحالف الذي بات يواجه مستقبلاً غامضاً في ظل استقطاب حاد بين مكوناته الرئيسية التي انقسمت منذ اللحظة الأولى إلى تكتلات مصلحية يقود أحدها جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة ووزير المالية، الذي سعى لانتزاع رئاسة التحالف لتعزيز نفوذه السياسي والمالي، إلا أن رياح الاجتماع جرت بما لا تشتهي سفنه، حيث نال تكتله منصب نائب الرئيس وأمانة التنظيم التي ذهبت للتوم هجو، وهو ما أثار غضب جبريل ودفعه لمقاطعة مشاورات البيان الختامي.

​صراع الأجنحة وهيمنة معسكر مناوي:

​في المقابل برز تكتل مني أركو مناوي كأكثر الأطراف حظوة ونفوذاً داخل الهيكلية الجديدة، حيث تمكن من حصد مواقع استراتيجية شملت تعيين مبارك أردول مساعداً للرئيس، والأمين داؤود في أمانة الإعلام، وعبد الله يحيى في أمانة العلاقات الخارجية، بينما اكتفى جعفر الميرغني بمقعد الرئاسة مع تنسيق حذر مع الناظر ترك الذي آثر الصمت وسط هذه العواصف، هذا التباين في توزيع الغنائم التنظيمية جعل من الصعوبة بمكان صياغة رؤية سياسية موحدة، مما أدى إلى تعليق الاجتماعات وترك الباب مفتوحاً أمام تكهنات الانهيار الوشيك للكتلة.

حقيقة جوهرية

​يرى المحلل السياسي بشرى الصائم في حديثه لراديو دبنقا أن هناك حقيقة جوهرية يجب إدراكها وهي أن الكتلة الديمقراطية لا تربطها علاقة حقيقية بالحرية والتغيير، معتبراً أن استخدام هذا الاسم هو محض تضليل سياسي، ويوضح الصائم أن الجبهة الثورية انسلخت من الحرية والتغيير في 2019 وشكلت “مجموعة جوبا”، ثم انضمت إليها بعد إنقلاب 25 أكتوبر عناصر وشخصيات لم تكن يوماً جزءاً من قوى الثورة مثل جعفر الميرغني وموسى هلال وسالي زكي، ويشير إلى أن الاجتماع الأخير نجح في حسم الملفات التنظيمية لكنه فشل تماماً في الملفات السياسية، مما أدى لانقسام الكتلة لمجموعتين، لافتاً إلى أن الأجندة خلت تماماً من قضايا إيقاف الحرب أو الأزمة الإنسانية، وتركزت فقط حول كيفية العودة للسلطة في أي تحول مدني قادم، وهو ما يجعله يطالب بضرورة إبعاد هذه القوى العسكرية والمدنية عن المشهد القادم بسبب أخطائها المتراكمة.

خلافات مصنوعة

​من جانبه، يقدم الأستاذ عثمان فضل الله، رئيس تحرير مجلة أفق جديد، قراءة مختلفة تتعلق بـ “صلاحية” الكتلة، حيث يرى أن أهميتها تراجعت منذ الانقلاب كونها صُممت أساساً عبر أجهزة الاستخبارات والأمن الشعبي لعرقلة الانتقال، ثم استعادت دورها مؤقتاً كغطاء شعبي للحركة الإسلامية مع اندلاع الحرب، ويؤكد فضل الله لراديو دبنقا أن الخلافات الحالية هي “خلافات مصنوعة” من قبل الحكومة بهدف إعادة هندسة الكتلة من خلال إبعاد العناصر المتشددة وغير المقبولة دولياً، وعلى رأسهم جبريل إبراهيم الموضوع تحت الرقابة الأمريكية، لتصوير الكتلة كجسم ديمقراطي يمكن للمجتمع الدولي التعامل معه، ويضيف أن الكتلة تشرذمت الآن إلى ثلاثة تيارات هي تيار مناوي وحلفاؤه، وتيار الحزب الاتحادي المضعف، وتيار العدل والمساواة المنعزل، متوقعاً أن ينتهي هذا التحالف بانتهاء الحرب، خاصة مع وجود شخصيات جدلية مثل ترك وهجو وهلال تمنع استمرارية هذا الكيان في المشهد السياسي المستقبلي.

مستقبل الكتلة

​إن الواقع الراهن يشير إلى أن الكتلة الديمقراطية تعيش مرحلة “التفكك الموجه”، حيث لم تعد الأهداف التي قامت من أجلها تتناسب مع مقتضيات المرحلة الدولية القادمة، فغياب جبريل إبراهيم عن الاجتماعات الحالية لصياغة البيان الختامي يؤكد فرضية عزله الممنهج، كما أن صراع المحاصصة يثبت أن الرابط الوحيد بين هذه المكونات هو الطموح في السلطة وليس البرنامج الوطني، ومع اقرار المحللين بأن هذا الجسم هو صنيعة ظروف أمنية وسياسية معينة، فإن مستقبله يظل رهيناً بمدى قدرة المخططين على إعادة تدويره بوجه جديد، أو تركه يتلاشى لتظهر تحالفات بديلة تتواكب مع إرهاصات السلام المرتقب، مما يجعل “الكتلة الديمقراطية” في نسختها الحالية جسماً سياسياً يلفظ أنفاسه الأخيرة.

Welcome

Install
×