ظاهرة نفوق الفئران .. تباين التفسيرات وتصاعد المخاوف

نفوق الفئران في ولاية كسلا -يناير 2026-راديو دبنقا

نفوق الفئران في ولاية كسلا -يناير 2026-راديو دبنقا


امستردام: 27 يناير2026: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
أثارت ظاهرة الانفجار العددي لنفوق الفئران بكثافة، ذعر وهلع وسط المواطنين في شرق السودان، مع سرعة انتشارها من مناطق خشم القربة وود الحليو وعدد من قرى ومناطق البطانة، وانتقلت الظاهرة إلى كسلا وسنار والجزيرة ثم تمددت إلى ولاية نهر النيل وما صاجبها من نفوق الأسماك.


تبدو الظاهرة وإن لم تكن جديدة، لكنها الأخطر والأكثر تفاقماً فقد سبق أن شهدت ولايتي الجزيرة وسنار أيضاً نفوق فئران بكميات كبيرة لكن سارعت السلطات لمكافحتها، لكن هذه المرة يتردد لدى كثيرين أن استخدام السلاح الكيماوي هو السبب في نفوق هذه الكميات من الفئران. وقالت حكومتا ولايتي كسلا والجزيرة إن نتائج الفحص المعلمي أكدت خلو الفئران النافقة من أي أمراض معتبرة الظاهرة طبيعية.


غير أن مختصون يرون أن التفسير العلمي المحتمل للظاهرة في عدة أسباب من بينها التسمم بالمبيدات والكيماويات الزراعية، وكذلك استخدام مبيدات مكافحة القوارض أو مبيدات زراعية منتهية الصلاحية أو بجرعات عالية قد يؤدي إلى نفوق جماعي للفئران.
فضلاً عن وجود مخلفات الحرب (مخازن أسمدة ومبيدات تالفة) يزيد احتمالية التلوث الكيميائي للتربة والمحاصيل.

ظاهرة طبيعية

في هذا الصدد يؤكد الخبير البيئي والاستاذ بالجامعات د. بشرى حامد أحمد بشير، أن ظاهرة الفئران وتكاثرها ونفوقها، ظاهرة طبيعية تختلف باختلاف البيئة والطبيعة والظواهر الطبيعية المختلفة.

ويضيف في حديثه لـ”راديو دبنقا” بقوله: “نلاحظ هذه المسألة بصورة كبيرة في الفترة الأخيرة في السودان، وحدثت بالأخص وبصورة واضحة وكبيرة في ولاية الجزيرة”.

وأرجع حامد أن هذه الظاهرة ناتجة من عدة عوامل طبيعية، من ضمنها إزالة الغطاء النباتي والغابات خلال الفترات السابقة في كثير من أجزاء السودان، مشيراً إلى أنها كانت تشكل مأوىً مهماً جداً للفئران، ومصادر لغذائها سواء من الحشرات أو النباتات أو الكائنات الأخرى، وغيرها من الموارد الطبيعية.

ويشير كذلك إلى أن الحرب الحالية أسهمت بصورة كبيرة في فقدان مصادر الغذاء التي كانت تعتمد عليها الفئران، ويضيف قائلاً: من ملاحظات ومشاهدات المواطنين والاستقصاءات التي تمت، أنها كانت تهاجر من المناطق التي أصبحت غير ملائمة لها إلى مناطق أخرى يُحتمل توفر الغذاء فيها، ما أدى إلى زيادة أعدادها بشكل كبير.


“الكيماوي” وتوازن العشيرة:


ويقول د. بشرى حامد والذي كان يشغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة ولاية الخرطوم: أن هنالك مصطلح يعرف بـ”توازن العشيرة”، ويعني من ناحية علمية عندما يتكاثر عدد الفئران في منطقة معينة بصورة أكبر من طاقة هذه المنطقة في توفير الغذاء، يحدث نفوق جماعي للفئران.

ويضيف: بأن النفوق يبدأ بالأكبر سنًا ثم الأصغر، بينما تتمتع الفئران الأصغر بقدرة أكبر على المقاومة والبقاء، في إطار ما يُعرف بظاهرة “البقاء للأصلح”. ويستمر هذا النفوق إلى أن يصل عدد الفئران إلى مستوى يتناسب مع قدرة المنطقة على توفير الغذاء.

واستبعد الخبير البيئي د.بشرى احتمال تأثير المواد الكيميائية أو الأسلحة أو غيرها على نفوق الفئران، موضحاً أن السبب في ذلك هو عدم ظهور ظاهرة النفوق وقتها بعد توقف العمليات العسكرية مباشرة في تلك المناطق، ويؤكد بأنها ظهرت بعد فترة طويلة من توقف الحرب في تلك المناطق.

ويؤكد على أنه تم إجراء التحاليل الكيميائية للتربة والمياه والنباتات والحيوانات والهواء في تلك المناطق، مشددا على أن المنطق العلمي يقول أنه لو كانت هناك مواد كيميائية لظهرت آثارها في وقتها لماذا لم تظهر في ذلك الوقت وظهرت الآن، مستبعداً تأثرها بـ” الأسلحة الكيماوي”.

ويشير حامد كذلك إلى أن الفئران، من الناحية العلمية تمتلك جهازًا مناعيًا مدهشاً وقوياً، قادر على تحمل أكبر كمية وأقسى ظروف كيميائية وسموم يتعرض لها في البيئة والدليل على ذلك أن العلماء وجدوا أنه في بعض المناطق، التي شهدت تفجيرات نووية وجدت كثير من الفئرات حية، وهو ما يدل على قوتها العالية على التكيف والتغلب ومجابهة المواد السامة والكيميائية.

وبناءً على ما سبق، يؤكد أن هذا الأمر يُعد التفسير العلمي الأقرب لظاهرة النفوق الجماعي للفئران التي شهدتها بعض مناطق السودان مؤخرًا.

نفوق الأسماك هو الأخطر:

وحذّر الخبير في مجال البيئة د. بشرى حامد من خطورة ظاهرة نفوق الأسماك في نهر عطبرة، مشدداً على أنها ليست ظاهرة عابرة يمكن التعامل معها بـ”مرور الكرام”، بل مؤشر واضح على وجود خلل كبير في البيئة النهرية.

ويرجح حامد أن يكون التلوث السبب الرئيسي وراء نفوق الأسماك في نهر عطبرة، يعود إلى استخدام مادتي “السيانيد والزئبق” في أنشطة التعدين، ويشير إلى أنها ظاهرة خطيرة جداً داعياً لتسلط الضوء عليها وتتطلب اهتمامًا إعلاميًا واسعًا، خاصة في ظل انتقال أنشطة التعدين مؤخرًا إلى ضفاف نهر عطبرة، عبر عمليات تنقية مخلفات التعدين المعروفة محليًا بـ”الكرتة” على ضفاف النيل.

ولفت إلى أن “الكرتة” وسط الذين يعملون في التعدين الأهلي يستخلصون نحو 30% فقط من الذهب الموجود في الخام، بينما تبقى نسبة تقارب 70% تُعرف بالكرتة، والتي يعاد استخراجها لاحقًا خارج مناطق التعدين، يتم استخلاصها داخل المدن وعلى ضفاف الأنهار، باستخدام الزئبق والسيانيد والمياه للحصول على الذهب، ما يؤدي إلى نفوق هذه الأسماك.

ظاهرة خطيرة

ويؤكد أن هذه الظاهرة خطيرة للغاية لما تسببه من تلوث للمياه. ويحذر من أن يقوم المواطنون بجمع هذه الأسماك النافقة أو الملوثة واستخدامها كغذاء، الأمر الذي يؤدي إلى تراكم السموم داخل جسم الإنسان، وتؤدي إلى اختلال الجهاز العصبي، وتشوه الآجنة، والإصابة بالسرطانات، إضافة إلى أمراض الفشل الكلوي والكبد الوبائي وأمراض الجهاز التناسلي، معتبراً أن هذه النتائج تمثل انعكاسات خطيرة ومباشرة لهذه الظاهرة.

ويقول الخبير البيئي: إن هذا السيناريو يُعد الاحتمال الأرجح لما حدث، مشيراً إلى أنهم ظلوا ينادون باستمرار إلى أن العائدات المالية التي تحصل عليها الدولة أو المواطن من طرق التعدين غير الصديقة للبيئة لا تساوي حتى واحدًا في المئة من تكلفة معالجة آثار هذه الظاهرة صحيًا وبيئيًا، داعياً إلى ضرورة التوقف الجاد والانتباه العاجل لهذه القضية.

ويضيف بأن: هذه الظاهرة ناتجة عن التعدين العشوائي وغير المسؤول على ضفاف الأنهار، مشدداً على أن المواطن سيضطر في النهاية إلى شرب هذه المياه الملوثة. ويرى أن طرق المعالجة التقليدية للمياه غير كافية لإزالة هذا النوع من التلوث الكيميائي الخطير، مهما بلغت درجة المعالجة.

ويعيد الخبير البيئي، التشديد على أن السودان يواجه ظاهرة شديدة الخطورة، تفوق في آثارها ظواهر بيئية أخرى مثل انتشار الفئران، مبيناً أن نفوق الفئران يتعد ظاهرة طبيعية، بينما تلوث المياه الناتج عن التعدين يمثل ظاهرة كيميائية خطيرة، ويقول:” أنا مسؤول من هذا الحديث الذي أقوله”.

مكافحة الآفات:

“عمليات مكافحة الفئران والآفات تُعد مسألة بالغة الأهمية وكانت تتم بصورة دورية، ويشير إلى أن المكافحة علم قائم بذاته وكبير جداً، يشمل جوانب بيولوجية وبيئية وكيميائية، كما أن مكافحة الآفات، لا سيما القوارض، تُعد من القضايا الحيوية التي كانت تُنفذ بانتظام في السابق، لكنها توقفت حاليًا نتيجة الدمار الذي طال إدارة وقاية النباتات، سواء في مقرها الرئيسي أو مقراتها الفرعية. وفقاً للخبير المختص في مجال البيئة والأستاذ الجامعي د.بشرى حامد.

ويضيف حامد في المقابلة مع “راديو دبنقا”: أن جميع وسائل الحركة والمكافحة، بما في ذلك الطلمبات والمبيدات والمعدات المختلفة، تم نهبها خلال فترة الحرب، ما أدى إلى تعقيد الوضع الحالي.

ويوضح أن المكافحة علم ولابد أن تنفذ دورياً ومرتبطة بتوقيت معين خلال العام، حيث يكون معروفًا علميًا أن بعض الآفات تبلغ ذروة انتشارها في فترات معينة في العام معروف أن الفأر في الفترة المعينة سيكون آفة كبيرة جداً.

ويشير إلى أن هناك ما يُعرف بعلم التنبؤ أو التقديرات الحيوية، عندما يكون هنالك ظروف بيئية معينة ومناخية وغذائية معينة، يقال أن هذه الآفة في درجة الحرارة والرطوبة كذا وغيرها، ولديك عوامل علمية وفنية للتنبؤ بحجم وانتشار الآفات عن كمية عددها وحجمها في منطقة ما، ووفقًا لهذه المؤشرات العلمية والفنية، كان يتم تحضير حملات مكافحة الفئران مسبقًا، ويتم الإعلان عنها وتنظيم فرق العمل الموسمية لتنفيذها.

الفئران من جنس الإنسان:


ويقول المختص في مجال البيئة د. بشرى حامد: إنَّ توقف هذه الحملات يعني أن المشكلة ستتكرر سنويًا، مؤكداً أن ما يحدث الآن ليس المرة الأولى ولن يكون الأخيرة، ما يستدعي إعادة النظر بشكل عاجل في استئناف برامج المكافحة الدورية للآفات المتوطنة والمعروفة في السودان. ويضيف بأن الفئران تُعد من أخطر الآفات، نظرًا لدورها في نقل العديد من الأمراض الخطيرة.

ويعتقد أن من بين هذه الأمراض مرض الطاعون، الذي يُعد من أخطر الأمراض التي يمكن أن تنقلها الفئران إلى الإنسان. كما يؤكد أن خطورة الفئران تكمن في صعوبة مكافحتها، إذ تنتمي من نفس جنس الإنسان ينتمي إلى الفقاريات ، ما يجعل العديد من السموم المستخدمة في مكافحتها خطرة على صحة البشر أيضًا ما تؤدي لوفاة الإنسان.

ويؤكد حامد أن مكافحة الفئران تتطلب وسائل وطرقًا علمية معقدة ودقيقة، إضافة إلى تدخل خبراء متخصصين في مكافحة الفئران، نظرًا لتعدد الأمراض التي تنقلها للإنسان وخطورتها البالغة. وتابع قائلاً: “نحن الآن في ظروف انهيار القطاع الصحي ما يزيد من خطورة تفشي أمراض مثل الطاعون أو غيرها من الأوبئة في حال استمرار غياب المكافحة”.

وينوه إلى أن المواطنين غير مهيئين لمواجهة مثل هذه المخاطر الصحية في ظل الأوضاع الراهنة، ما يجعل من الضروري إعادة تنفيذ برامج المكافحة الدورية للفئران والآفات.

تفعيل قوانين البيئة:

ويمضي الخبير في مجال البيئة د. بشرى حامد في المقابلة مع “راديو دبنقا” إلى القول بضرورة تفعيل القوانين البيئية والقوانين المختلفة المكملة لها ومكافحة التلوث، للحد من هذه المخاطر.

ويشير إلى وجود ظاهرتين خطيرتين تتمثلان في انتشار الفئران ونفوق الأسماك. ويؤكد أن ظاهرة نفوق الأسماك تُعد أخطر من ظاهرة نفوق الفئران، لكونها ناتجة عن تلوث مباشر لمياه الأنهار.

ويؤكد أن أن نفوق الأسماك يرتبط ارتباطًا وثيقًا بممارسة التعدين العشوائي بصورة خطرة على ضفاف الأنهار، وداخل الأحياء السكنية، وفي المناطق الزراعية.

ويعتقد أن هذا التلوث ينعكس أولًا على الخضروات التي يستهلكها الإنسان، حيث تصبح ملوثة وتشكل خطرًا صحيًا كبيرًا، قد يؤدي إلى الإصابة بالسرطان، والفشل الكلوي، وأمراض متعددة، إضافة إلى تشوه الآجنة والعقم وغيرها من المضاعفات الخطيرة.

ويقول: أن تلوث الأسماك، ومياه الشرب نفسها، إلى جانب تلوث التربة، ويؤكد أنه لا يوجد ما هو أخطر من ذلك. ويعتبر أن التلوث أخطر من الحرب بكثير جداً، ويرى أنه لابد من ضرورة الالتفات الجاد إلى تفعيل القوانين وتعزيز الحوكمة البيئية، داعياً الجهات المختصة في الولايات إلى الانتباه لهذه القضايا، والعمل على تقوية الأطر القانونية والعناصر الفنية المتوفرة لديها للتعامل مع مثل هذه الظواهر.

ويشدد الأمين السابق للمجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم إلى أهمية توعية المواطن بحقوقه البيئية، باعتبارها أهم من أي حقوق أخرى، لارتباطها المباشر بمعيشته وأنه لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة كريمة في بيئة ملوثة، معتبراً أن هذه القضية تمثل “الحرب الحقيقية” التي يجب أن يلتفت إليها الجميع في ظل الظروف الخطيرة الراهنة.

ويعيد التذكير بأن ملف التعدين يُعد من أبرز الملفات التي ينبغي التركيز عليه بشكل عاجل، نظرًا لما يمثله من خطورة كبيرة على السودان وعلى حياة المواطنين.

Welcome

Install
×