خبراء: غابة الصنط ليست وحدها التي تعرضت للدمار والإزالة ..الاحتطاب أكبر عدو للغابات
صورة من داخل غابة "أم سنط" ومحمية بارونة التي تضم أشجارًا يزيد عمرها عن 200 عام. ـ مصدر الصورة ـ خاص راديو دبنقا
امستردام: 24/ يناير/2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
أثار التدمير الممنهج الذي تعرضت له “غابة الصنط” حالة من الاستياء والغضب لدى كثير من السودانيين، وخاصة المدافعين والمهتمين بمجال البيئة، جراء مقطع فيديو نشره أحد الشباب الناشطين والذي عبر فيه هو الآخر عن أسفه واستيائه للدمار الكامل الذي محى معالم وجود الغابة نتيجة للحرب الشرسة والضارية بين طرفي الصراع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
“غابة الصنط” التي تجاور النيل وتعد متنفس للعاصمة “رئة الخرطوم”، وثروة قومية تضم أو تعتبر محطة رئيسية للطيور النادرة والمهاجرة، ومعلم سياحي إذا ما استغلت وتم توظيفها بشكل صحيح يواكب المتغيرات والتطورات العالمية في مجال البيئة.
والحديث عن غابة الصنط ربما يفتح الباب واسعاً للحديث عن إهمال الدولة للغابات والمحميات وأبرزها “محمية الدندر”، وعدم تفعيل القوانين المجرمة للاعتداء على البيئة وعدم حمايتها من التلوث والأضرار التي تلحق بها، إذ تواجه العديد من غابات السودان ذات المصير الذي واجهته غابة الصنط، لكن بدرجة أقل نتيجة للقطع الجائر للأشجار والصيد الجائر أيضاً الرعي العشوائي.
ليست وحدها:
ويؤكد الخبير الزراعي والبيئي عوض الله محمد كرشوم أن غابة الصنط ليست وحدها التي التي تعرضت للدمار والإزالة، موضحًا أنه في الخرطوم تمت إبادة الحديقة النباتية بحي المقرن بالخرطوم، كما تم القضاءعلى أشجار شارع النيل وشارع المطار، وغيرها إلى جانب تأثر أشجار مختلف مدن العاصمة المثلثة.
ويشير كرشوم في حديثه لـ”راديو دبنقا” إلى أنه تم القضاء على أشجار أحياء محلية كرري بأم درمان، بما في ذلك السورات والإسكانات، حيث اضطر السكان لقطع أشجارهم داخل وأمام منازلهم لاستخدامها في طهي الطعام.
لكنه يؤكد ثقته في أنه سيتم إعادة الاستزراع وستشمل غابة الصنط والحديقة النباتية وأشجار شارع النيل وشارع المطار، وكذلك الأشجار داخل وأمام الأحياء، موضحاً بأن غابة الصنط تُعد محمية طبيعية مسجلة عالميًا، وتمثل رئة تنفسية كبيرة لسكان العاصمة.
وفي ما يتعلق بالفوائد العامة من الغابات، يشير الخبير كرشوم إلى أن آخر نشرة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) حددت ست فوائد رئيسية للغابات في العالم، موضحًا أن الغابات تغطي نحو 31% من سطح الأرض، وتُعد ضرورية لتحقيق نظم غذائية مستدامة، حيث يعتمد ما يقارب من ثلث سكان العالم على السلع والخدمات الغابية كمصدر لكسب العيش والأمن الغذائي والتغذية.
بنوك الكربون:
ويقول الخبير الزراعي والمختص في مجال البيئة عوض الله كرشوم أن الغابات توفر ما يقارب الـ 75% من المياه العذبة المتاحة في العالم، كما يوفر قطاع الغابات فرص عمل لما لا يقل عن 33 مليون شخص حول العالم.
ويضيف بأن الغابات تُعد مصارف أو بنوكًا للكربون، وهي مساحات شاسعة تشكل أيضًا مصدرًا للخشب المستدام، ما يجعلها أساسية للتخفيف من آثار تغير المناخ، لكونها مصافي طبيعية لثاني أكسيد الكربون.
ويشير كرشوم إلى أن الشجرة الواحدة تمتص أكثر من 150 كيلوغرامًا سنويًا من ثاني أكسيد الكربون، معتبراً أن الأشجار تعزل الكربون، ويترتب على ذلك التخفيف من تغير المناخ.
ولفت إلى أنه بدون الأشجار والنباتات سيتراكم الغاز بسرعة، وقد تتجاوز تركيزاته خلال عقود حاجز الألف جزء في المليون، ما يؤدي إلى تسارع كارثي للاحتباس الحراري، مع احتمال ارتفاع درجات الحرارة بأكثر من 10 درجات مئوية، الأمر الذي يؤدي إلى ذوبان القمم الجليدية ويغرق كل المدن الساحلية.
ويوضح أن الفائدة الخامسة للغابات ضرورية في الحفاظ على التنوع البيولوجي، حيث تُعد موطنًا لنحو 80% من أنواع البرمائيات، و75% من أنواع الطيور، و68% من أنواع الثديات، وتابع قائلاً: “فمستقبلنا يعتمد بالحفاظ على غاباتنا وإدارتها بشكل مستدام”.
إيقاف الحرب:
وفي ما يتعلق بتصريحات الحكومة بأن إعادة الإعمار قد تستغرق 10 سنوات وما إذا كانت ستشمل الغابات ، يشدد كرشوم بالقول: على أن إيقاف الحرب أولاً ثم جلوس كل السودانيين للتوافق على عقد اجتماعي جديد، وكتابة دستور بإجماع كل السودانيين ويكون دائم للدولة السودانية “الثانية”.
ويقول بعد ذلك يتم وضع خطة استراتيجية طويلة المدى للإعمار والنهضة بالدولة السودانية، وهذه الخطط يمكن تنفيذها عبر خطط خمسية أو عشرية، مستبعداً إعادة الإعمار خلال عشرة سنوات دون إيقاف الحرب.
وحول كيفية إعادة إعمار الغابات وكلفتها المادية ومساهمة المنظمات المهتمة بالبيئة، يقول كرشوم احتمال أن يجد السودان الدعم في هذا المجال، “حال صغنا دستور جديد يحافظ البيئة والموارد واهتمينا بأن نرصد من ميزانيتنا وفق لخطتنا الوطنية للاستثمار في الزراعة، يبقى هذا نصيبنا”.
ويضيف: أن كل الشركاء وفقاً لأهداف التنمية المستدامة سيستهاموا معنا في تنمية غاباتنا مشيراً إلى أن الهدف رقم 15 من أهداف التنمية المستدامة يهتم بالحية البرية ويتركز على الإدارة المستدامة للغابات.
ودعا الدولة إلى تطبيق برنامج الخطة الوطنية للاستثمار والتي تتضمن المجالات السبعة والتركيز على المجال الأول والذي يتحدث عن تهيئة البيئة المواتية لتحقيق التنمية الزراعية.
السياسات والتشريعات:
ويشير الخبير الزراعي والبيئي عوض الله كرشوم إلى أن هذا البرنامج يشتمل على أربعة برامج فرعية أولها يركز على السياسات والتشريعات القانونية ويعمل على إجازة وتنفيذ القوانين المجازة بما يؤدي إلى كفاءة استخدام الموارد في القطاع الزراعي، ويتضمن ذلك تحديث التشريعات القائمة والمتعلقة بالزراعة والثروة الحيوانية والتصنيع الزراعي، إلى جانب صياغة تشريعات جديدة تهدف إلى تنمية وحماية الموارد الطبيعية والإدارة المستدامة لها.
ويبين أن من القضايا المهمة التي تحتاج إلى معالجة في هذا السياق إنشاء مفوضية للأراضي، كما نصت على ذلك اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، وتم تضمينها في دستور 2005، مؤكدًا على ضرورة إنشاء مفوضية للأراضي لمعالجة قضايا الأرض وتقنين الحقوق، واستكمال خارطة استخدامات الأراضي، وإصلاح السياسات الاقتصادية الكلية والقطاعية التي تفضي إلى تنمية الإنتاج النباتي والحيواني.
ويؤكد كذلك إلى أن الحاجة الملحة أهمية تطوير خيارات لتنفيذ قانون الغابات، الذي ينص على تخصيص 5% من الأراضي المروية و10% من مساحات الأراضي المطرية في السودان لصالح الغابات.
أما البرنامج الفرعي الثاني فيقول إنَّه يركز على ضمان الإدارة الفاعلة للموارد بإعداد دراسات وأنشطة بحثية تركز على إطلاق الطاقات الانتاجية الحالية دراسة خيارات تعزيز التوجه نحو انتاج السوق، ومراجعة الخيارات ورفع كفاءات وآداء الاحتياط الغذائي وتحديد خيارات لرفع كفاءة نظم الانتاج.
ويضيف أن البرنامج الفرعي تنفيذ مسوحات شاملة للموارد ورصد موارد الغابات بتحديث الدراسة التي أجريت عام 1994م، عن استهلاك منتجات الغابات ومسح موارد المراعي بالإضافة إلى إجراء مسح قومي لأنواع الحياة البرية، بجانب السياسات والبيئة التنظيمية للإدارة المستدامة للحياة الطبيعية.
عنوان كبير:
من جهته يرى د طه الطاهر بدوى الاستشارى الصيدلى والخبير البيئى مدير مركز دلتا للدراسات والبحوث العلمية والبيئية، أن أثر الحرب على الغابات في السودان يُعد عنواناً كبيراً ومتشعباً من حيث المناهج والفكر، ويحتاج إلى مداراسات معمقة، مشيراً إلى أن الغابات تُعتبر رئة الشعوب.
ويقول بدوي في حديثه لـ”راديو دبنقا” إنَّ تاريخ الغابات في السودان معروف منذ فترة الاستعمار الإنجليزي، واستمر الاهتمام بها حتى قيام الحكومة الوطنية، حيث ظلت إدارة الغابات واحدة من الإدارات المهمة جداً في الدولة.
ويضيف بأن الغابة تُعد مصدراً لحياة الكثير من الناس، من البشر والحيوانات والطيور، كما تمثل مصدراً لرزق العديد من المواطنين، ومصدراً للسكن الكثيرين.
ويبين أن الغابات في السودان تشمل غابات منتجة للعديد من المحاصيل النقدية السودانية، مثل الصمغ العربي، مشيراً إلى أن السودان يُعد من أكثر الدول في أفريقيا تنظيماً لقطاع الغابات، وأن الغابات تُعتبر جزءاً أساسياً من مصادر الثروة السودانية.
ولفت بدوي إلى أن تنوع أقاليم السودان وتنوع مناخاته ساهما بشكل كبير في تنوع غاباته، وهو ما يُعد إحدى المزايا المهمة جداً في الغابات السودانية.
ويؤكد أن الغابات في السودان، في ظل الحرب الدائرة، تأثرت بشكل سلبي في عملية ديمومة المحافظة عليها، معتبراً أن هذا الوضع يُعد من القضايا المهمة التي ينبغي للدولة البحث فيها، خاصة ما يتعلق بكيفية حماية الغابات.
الاحتطاب أكبر أعداء الغابات:
ويشير الخبير البيئي د. طه الطاهر بدوي إلى وجود أسباب محددة يجب التعامل معها، من بينها قضايا التلوث، والرعاية الغابية، وتنفيذ قانون الغابات، إضافة إلى ما يُعرف بالمجتمع الغابي، من حيث الإشراف والمتابعة وإعداد التقارير الدورية المتعلقة بالغابات.
ويؤكد أن الغابات خلال فترة الحرب تعرضت للاستهداف نتيجة زيادة الطلب على الحطب لأغراض الطهي، الأمر الذي أدى إلى قطع مساحات واسعة من الغابات، في ظل غياب دور مصلحة الغابات وضعف الحماية الغابية.
ويقول إنَّ اختفاء غاز الطهي الحديث في العديد من المدن التي كان يعيش فيها السكان أدى إلى اتجاه الناس للاحتطاب، معتبراً أن الاحتطاب يُعد أحد أكبر أعداء الغابات.
كما يشير بدوي إلى أن الحياة البرية في الغابات تأثرت بشكل مباشر بالصراع والحرب، وأنه من الواضح أن عدداً كبيراً من الحيوانات البرية هاجر من موائلها الطبيعية، رغم أنها تُعد ثروة قومية ومصدراً مهماً للسياحة والصيد المنظم، فضلاً عن كونها حياة مهماً “لأعشاش الطيور” المستوطنة والمهاجرة.
غابة الصنط محجوزة:
وأوضح الخبير البيئي ومدير مركز دلتا للدراسات والبحوث العلمية والبيئية أن عملية التأهيل د. طه الطاهر بدوي أن العديد من الغابات في السودان تأثرت بالحرب، مشيراً إلى أن العالم يتحدث حالياً عن إزالة غابة الصنط في ولاية الخرطوم.
ويقول: إنَّها واحدة من الغابات المحجوزة والمعروفة في العاصمة، والتي كانت مقصداً للدارسين والطلاب في الجامعات السودانية، كما حظيت باهتمام المجتمعات المحلية ومنظمات البيئة، معتبراً أن ما حدث لغابة الصنط يُعد واحدة من المفجعات التي وقعت خلال الحرب.
يرى د طه ا بدوى، أن إعادة التأهيل أو ما يُطلق عليه حالياً برامج الإعمار، لا يمكن أن تتم خلال شهور محدودة. يقول: أن إعمار وتأهيل الغابات يحتاج برنامج طويل المدى. مشيراً إلى أن الأوضاع الحالية في البلاد لا تسمح باستقطاب دعومات مالية كافية لإعادة تأهيل عدد كبير جداً من المرافق المتضررة بسبب الحرب.
وأوضح أن تأهيل الغابات وحده يحتاج إلى عقد مؤتمر كبير يمكن أن تشارك فيه مؤسسات دولية وإقليمية مهتمة بهذا المجال. ولفت إلى أنه من الممكن طرح قضايا الغابات في السودان ضمن فعاليات قمة المناخ.
ويؤكد بدوي ثقته في أن العاملين في قطاع الغابات، خاصة في الهيئة القومية للغابات، يمتلكون خبرات وكفاءات عالية، وأن الهيئة تضم اختصاصيين ومسؤولين مؤهلين، ولها سجل سابق من الأنشطة التي فاقت التصور.
محمية الدندر:
وفيما يتعلق بمحمية الدندر التي تعرضت أيضاً للاعتداء، أوضح الخبير البيئي د. طه بدوي أنها كانت واحدة من مناطق الصراع، وهي تمتد عبر ثلاث ولايات، مشيراً إلى أنها كانت تخضع سابقاً لبرامج دعم وتأهيل من الاتحاد العالمي لصون الطبيعة، بالشراكة مع حكومة السودان والمجلس الأعلى للبيئة، إلا أنه لا يوجد حالياً أي عمل جارٍ داخل محمية الدندر.
ويقول: أنه بالإمكان توجيه هذا السؤال إلى شرطة حماية الحياة البرية، باعتبار أن دورها القانوني يتمثل في حماية المحميات ومتابعة احتياجاتها، لافتاً إلى أن السودان يضم عدداً من المحميات الطبيعية، من بينها محمية الدندر التي تُعد أكبر محمية في البلاد.
ويشير أيضاً إلى وجود محمية في ولاية القضارف، موضحاً أن غابات القضارف تأثرت بشكل كبير جداً. كما يشير إلى وجود محميات في دارفور، مؤكداً أن الصراع الدائر هناك ألحق بها أضراراً كبيرة.
ويقول أن هناك محميتين بحريتين في ولاية البحر الأحمر، هما “سنقنيب ودونقناب ومغرسمت”، موضحاً أن جميع هذه المحميات تعتمد على الدعم المقدم عبر المنظمات الدولية.
ويبين بدوي أن المجلس الأعلى للبيئة شهد هو الآخر تغييرات كبيرة، ويحتاج إلى عدد كبير من الاختصاصيين، معرباً عن أمله في أن يعود المجلس لممارسة مهامه.
كما أعرب عن أمله في أن تشهد السودان، في ظل ما وصفها بحكومة الأمل التي يترأسها كامل إدريس، إنشاء وزارة مختصة بالبيئة، وهي الوزارة التي أُطلق عليها حالياً اسم وزارة البيئة والاستدامة، مشيراً إلى أنه لم يتم تعيين مسؤول لها حتى الآن.


and then