وجبة واحدة تكفي.. الغلاء يغير حياة الأسر في النيل الأبيض
طفل نازح يتلقي الطعام من مطبخ خيري في منطقة دبة نايرة بولاية شمال دارفور : مصدر الصورة : صفحة غرفة طواري طويلة على الفيس بك
النيل الأبيض: 4 سبتمبر 2026: راديو دبنقا
تقرير : ساره تاج السر
لم تعد معاناة الأسر في ولاية النيل الأبيض مرتبطة بكيفية توفير احتياجات الشهر، بل بكيفية عبور اليوم نفسه، في ظل ارتفاع متسارع في أسعار السلع الأساسية، وتراجع قدرة أصحاب الدخول المحدودة على شراء أبسط متطلبات المعيشة.
وتقول وعد إدريس، ربة منزل وأم لأربعة أطفال، لـراديو دبنقا، إن يومها يبدأ منذ الصباح بحسابات مرهقة حول ما يمكن شراؤه وما يجب الاستغناء عنه، في ظل دخل محدود وأسعار تتغير بصورة مستمرة.
وتضيف: “نبدأ يومنا ونحن نحمل هم كيفية اجتيازه، فقد أصبحت الحياة صعبة جداً. خلال الحرب كنا نقول إن الحياة صعبة، لكن مع الظروف الأخيرة وارتفاع الدولار ارتفعت أسعار كل شيء بصورة كبيرة، وأصبح المواطن غير قادر على تلبية احتياجاته اليومية البسيطة”.
وتشير إلى أن قارورة الزيت التي اشترتها قبل أيام بنحو 10 آلاف جنيه ارتفع سعرها إلى 19 ألف جنيه، بينما ارتفع سعر ملوة البصل من نحو ألفي جنيه إلى 7 آلاف، وبلغ سعر رطل اللبن للأطفال نحو 3 آلاف جنيه.
وتقول: “نحن أسرة محدودة الدخل، ولذلك أصبح الأمر بالغ الصعوبة. حتى الخبز أصبح سعر ثلاث قطع منه ألف جنيه، أي إن شراء ست قطع يحتاج إلى ألفي جنيه، وأصبح تدبير احتياجات اليوم أمراً صعباً جداً”.

وجبة واحدة.. والثانية في ( مهب الريح)
وتوضح وعد أن نمط الطعام داخل الأسرة تغير بصورة واضحة نتيجة الغلاء، وتقول: “في السابق كنا نتناول وجبتين في اليوم، أما الآن فأصبحت لدينا وجبة أساسية واحدة، بينما تبقى الوجبة الثانية ” في مهب الريح” قد تتوفر وقد لا تتوفر، وأحياناً تكون مجرد قراصة أو بليلة، فقط بما يساعد على إكمال اليوم”.
وتشير إلى أن وجبة شاي الصبح نفسه لم تعد مضموناً، مضيفة: “في السابق كنا نشرب الشاي باللبن ومعه شيء من الطعام، أما الآن فقد نكتفي بالشاي الأحمر إذا توفر، وإذا لم يتوفر فقد لا نشربه”.
ولا تبدو البدائل الأقل كلفة، بحسب وعد، متاحة دائماً، إذ تقول إن إعداد طبق سلطة طماطم ” بالدكوة أو الزيت” أصبح يكلف نحو 7 آلاف جنيه أو أكثر، رغم أنه لا يتجاوز حبتين من الطماطم وحبتين من الخيار وبصلة، فيما بلغ سعر كيلو السكر نحو 7 آلاف جنيه.
وتضيف: “لا بد من إيجاد حل لهذا الوضع، لأنه أصبح لا يطاق، ولم تعد الأسرة قادرة على تدبير احتياجاتها، وأصبحنا نعيش على ما يتيسر”.
وتتقاطع إفادة وعد مع حديث ربة منزل أخرى، قالت لـ(دبنقا) إن زوجها يعمل بالأجر اليومي، وإن الأسرة أصبحت مضطرة إلى المفاضلة يومياً بين الاحتياجات الأساسية بسبب ارتفاع الأسعار.
وتقول: “تذهب لشراء سلعة فتجد أن سعرها تغير، والأسعار أصبحت مرتفعة بصورة مبالغ فيها” وتضيف” إذا احتجنا إلى شيء نضطر إلى الاستغناء عن شيء آخر، وإذا تناولنا وجبة الإفطار فقد نضطر إلى الاستغناء عن الغداء، والعكس”.
وتضيف أن الشاي بالحليب يظل من الأشياء التي تحاول الأسرة توفيرها للأطفال قدر الإمكان، لكنها في بعض الأيام لا تستطيع ذلك، قائلة: “الشاي مهم للأطفال ونحاول توفيره قدر المستطاع، لكننا أحياناً لا نستطيع شراءه بسبب الغلاء، ونعاني كثيراً من ارتفاع الأسعار”.

حسابات تبدأ من كوب الشاي
أما أبو بكر محمود فبحسب ما حكى لـ(دبنقا)، فقد وجد نفسه ذات صباح يتحدث إلى نفسه من شدة الانشغال بحسابات المعيشة، قبل أن يسأله أحد جيرانه عمّا يشغله، ليجيبه بأن الأسعار أصبحت فوق قدرة الأسر على الاحتمال.
ويقول إن إعداد الشاي لأطفاله وحده يكلف نحو 15 ألف جنيه، بين السكر والشاي واللبن البودرة، بينما لا يتجاوز راتبه الشهري 150 ألف جنيه.
ويضيف: “أصبحت أفكر فقط في كيفية تدبير وجبة لليوم، فكلما ارتفع سعر سلعة اضطررت إلى الاستغناء عن سلعة أخرى من قائمة احتياجات الأسرة”.
ويشير إلى أن أصعب ما في الوضع الحالي هو أن الأسر كانت تعتقد أن سنوات الحرب تمثل أقصى درجات الضيق المعيشي، قبل أن تواجه موجة جديدة من الغلاء، قائلاً: “كانت فترة الحرب صعبة جداً، لكنني لم أكن أتخيل أن تمر علينا أيام أصعب من ذلك”.
وفي الجانب الآخر، يقول المواطن صهيب محمد حاتم لـ(دبنقا) إن الغلاء أصبح جزءاً من حياة المواطنين اليومية، وإن الذهاب إلى السوق بات في حد ذاته مصدر قلق بسبب التغير المستمر في أسعار المواد الأساسية.
ويضيف: “أذهب إلى السوق كل صباح وأنا خائف من أن أجد أسعار المواد الغذائية الأساسية قد ارتفعت مجدداً، لأن القدرة على تحمل هذه الزيادات أصبحت محدودة جداً”.
ويضع صهيب الخبز في مقدمة السلع التي أثقلت ميزانية الأسر، موضحاً أن سعر ثلاث قطع من الخبز بلغ ألف جنيه، الأمر الذي دفع بعض الأسر إلى الاتجاه نحو شراء الدقيق وإعداد الخبز في المنازل، قبل أن تواجه بدورها ارتفاع سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً إلى نحو 100 ألف جنيه.
ويقول: “أصبح المواطن مكسوراً أمام هذه الأسعار التي تتغير باستمرار، وأصبح جميع أفراد الأسرة مضطرين إلى العمل من أجل توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة”.

السوق بلا استقرار
وبحسب صهيب أن غياب الرقابة على الأسواق ساهم في زيادة الأزمة، مشيراً إلى أن تفاوت الأسعار بين التجار أصبح واضحاً، في وقت لا يملك فيه المواطن خيارات كثيرة للمفاضلة.
ويضيف أن الخضروات لم تعد من السلع البسيطة التي يمكن شراؤها بسهولة، بعد أن وصلت أسعارها إلى مستويات مرتفعة، موضحاً أن شراء كمية محدودة منها قد يحتاج إلى آلاف الجنيهات يومياً.
وبينما ترتفع أسعار الغذاء والخبز والخضروات، وتبقى الدخول محدودة وغير قادرة على مجاراة هذه الزيادات، تجد الأسر نفسها أمام مفاضلات يومية أكثر قسوة: الإفطار أم الغداء، الخبز أم السكر، لبن الأطفال أم زيت الطهي وفي ظل هذا الواقع، لم يعد هدف كثير من الأسر هو توفير جميع احتياجاتها، وإنما فقط عبور اليوم بما يتيسر.



and then