هل تكفي نفرات التأهيل والصيانة لاعادة الجامعات بمناطق سيطرة تأسيس؟

نفرة تأهيل جامعة نيالا- يوليو 2026- وسائل التواصل

نفرة تأهيل جامعة نيالا- يوليو 2026- وسائل التواصل

نيالا: 28 يوليو 2026: راديو دبنقا

من بين أكثر القطاعات التي أنهكتها الحرب في السودان، يقف التعليم العالي شاهداً على حجم الدمار الذي طال المدن ومؤسساتها. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة “تأسيس”، تحولت جامعات كانت تستقبل آلاف الطلاب إلى مبانٍ مدمرة، بعد أن فقدت قاعات الدراسة والمعامل والمكتبات، إلى جانب كوادرها الأكاديمية والإدارية التي غادرت بفعل النزاع. لكن، ومع شروع حكومة “تأسيس” في اتخاذ خطوات لإعادة الحياة إلى المؤسسات المدنية، برز ملف الجامعات كأحد أبرز الأولويات، بدءاً بإجراء امتحانات الشهادة السودانية لنحو 10 آلاف طالب حُرموا من الجلوس لها لأكثر من ثلاث سنوات، وصولاً إلى إطلاق نفرات شعبية لإعادة تأهيل جامعتي نيالا والجنينة، في محاولة لتهيئة بيئة جامعية تستوعب الدفعات الجديدة، رغم التحديات الكبيرة التي ما تزال تعترض طريق استئناف التعليم العالي.

جامعتنا… مستقبلنا

بعد نجاح عملية جلوس طلاب الشهادة السودانية في مناطق حكومة تاسيس في يونيو الماضي للامتحانات، أصبحت سلطة تأسيس أمام أمر واقع وهو ضرورة اعداد مقاعد جامعية تستوعب الطلاب الناجحين في ظل الدمار الواسع الذي تعرضت له مؤسسات التعليم العالي، ومن هنا جاء اعلان النفرات الشعبية لتاهيل الجامعات والتي بادرت بها ولاية غرب دارفور حيث جاءت المبادرة تحت شعار “جامعتنا… مستقبلنا” وقال رئيس الإدارة المدنية بالولاية، التجاني كرشوم، إن الولاية شرعت في إطلاق مبادرة هي نفرة مجتمعية تستهدف إعادة صيانة وتأهيل جامعة الجنينة، في إطار الاستعداد لاستئناف التعليم العالي بعد إجراء امتحانات الشهادة السودانية التي أتاحت، بحسب قوله، فرصة لآلاف الطلاب الذين حُرموا من الامتحانات طوال السنوات الثلاث الماضية بسبب الحرب.

وأوضح كرشوم لراديو دبنقا أن المبادرة جاءت استجابة للحاجة إلى توفير مقاعد جامعية للطلاب المتوقع نجاحهم، لافتاً إلى أن جامعات دارفور وكردفان تعرضت لدمار وتخريب واسع خلال الحرب، وكانت جامعة الجنينة من بين أكثر المؤسسات التعليمية تضرراً ــ على حد قوله ــ. وأضاف أن حكومة الولاية شكّلت لجنة عليا للإشراف على المبادرة، إلى جانب لجان متخصصة للشؤون المالية والهندسية والإعلامية والتعبئة المجتمعية، لوضع الخطط والبدء في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل.

وأشار إلى أن أعمال التأهيل ستشمل صيانة المباني وتجهيز قاعات الدراسة وتوفير الأثاث والمكتبات والمعامل، مؤكداً أن مختلف مكونات المجتمع في غرب دارفور أبدت استعدادها للمساهمة في إعادة إعمار الجامعة. واعتبر أن الاستثمار في التعليم يمثل مدخلاً أساسياً للنهوض بالمجتمع ومواجهة آثار الحرب، مشيراً إلى أن حكومة “تأسيس” أبدت، استعدادها لدعم جهود إعادة تأهيل الجامعات، داعياً السودانيين في الداخل والخارج إلى المساهمة في هذه المبادرات لضمان عودة مؤسسات التعليم العالي واستيعاب الطلاب في المرحلة المقبلة.

نفرة تأهيل جامعة نيالا

في السياق اعلن رئيس الإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور يوسف ادريس إطلاق نفرة مجتمعية واسعة لإعادة تأهيل جامعة نيالا، موضحاً أن المبادرة تتبناها حكومة الولاية بمشاركة مختلف مكونات المجتمع، بما في ذلك الحرفيون والمزارعون والغرفة التجارية واتحاد أصحاب العمل، إلى جانب قطاعات مجتمعية أخرى. وقال إن الهدف يتمثل في إشراك المجتمع في إعادة بناء مؤسسات الدولة المدنية، باعتبار أن التعليم يمثل أحد أهم ركائز التعافي، واصفاً جامعة نيالا بأنها “الرمزية العلمية لولاية جنوب دارفور والبوابة الأولى للتعليم العالي في مناطق سيطرة حكومة تأسيس”، الأمر الذي يجعل إعادة إعمارها مسؤولية جماعية.

وأوضح أن دور حكومة الولاية يقتصر على إعادة تأهيل البنية التحتية للجامعة وتهيئة البيئة المناسبة لاستئناف الدراسة، بما يشمل صيانة المباني وتوفير المناخ الملائم للطلاب وأعضاء هيئة التدريس وأضاف أن الجوانب الأكاديمية، مثل المناهج والمعامل وتوفير الكادر التدريسي، تقع ضمن اختصاص وزارة التعليم العالي وإدارة الجامعة، مشيراً إلى وجود تنسيق مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي في حكومة “تأسيس”، البروفيسور عيد بريمة، لاستكمال الترتيبات الفنية اللازمة لإعادة تشغيل الجامعة.

من جانبه، قال رئيس اللجنة العليا للنفرة الشعبية لإعادة إعمار وتأهيل وصيانة جامعة نيالا النور على لراديو دبنقا إن اللجنة أعدت خطة متكاملة لتنفيذ المبادرة، تقوم على مراحل متتابعة، وتهدف إلى استعادة الجامعة باعتبارها منارة علمية، وجعل عملية إعادة إعمارها نموذجاً للتماسك المجتمعي والتنمية المستدامة. وأوضح أن المرحلة الأولى من الخطة تركز على تنفيذ حملة شاملة لنظافة الحرم الجامعي وإزالة مخلفات الحرب وما تراكم من نفايات خلال سنوات النزاع، فيما تتضمن المرحلة الثانية حصر وتقييم الأضرار التي لحقت بالمباني والمنشآت والمعامل والمكتبات، عبر لجنة هندسية متخصصة تتولى إعداد التقييم الفني، تمهيداً لبدء أعمال الصيانة وإعادة التأهيل. وأضاف أن المبادرة تعتمد بصورة أساسية على المشاركة المجتمعية، مشيراً إلى تشكيل عدد من اللجان المتخصصة، تشمل لجاناً للإصحاح البيئي، والأعمال الفنية، والشؤون المالية، والتعبئة المجتمعية، وغيرها، بهدف تنظيم مساهمات المواطنين وتنسيق جهود إعادة تأهيل الجامعة استعداداً لاستئناف العملية التعليمية.

خطة وزارة التعليم العالي لاستعادة الجامعات

وفي محاولة لاستجلاء رؤية حكومة “تأسيس” بشأن استيعاب نحو عشرة آلاف طالب وطالبة جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية هذا العام، تواصل راديو دبنقا مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي، البروفيسور عيد بريمة، للاستفسار عن ترتيبات الوزارة لتوفير مقاعد دراسية، وآليات الاعتراف بشهادات الجامعات في مناطق سيطرة الحكومة، إضافة إلى إمكانية التعاون مع جامعات خارجية لاستيعاب جزء من الطلاب.

واكتفى الوزير آنذاك بالقول إن الوزارة تجري ترتيبات خاصة بملف التعليم العالي، مؤكداً أن تفاصيلها ستُعلن للرأي العام في الوقت المناسب، من دون أن يقدم إجابات بشأن الاعتراف بالشهادات أو فرص التعاون مع جامعات أجنبية. لكنه أكد ــ خلال اجتماعه مع ممثلي اساتذة لنحو 8 جامعات ومؤسسات تعليم عال ــ أكد التزام حكومة تأسيس بتوفير متطلبات إعادة تشغيل الجامعات وإتاحة فرص التعليم العالي للطلاب من مختلف أنحاء السودان، وضم الاجتماع ممثلي جامعات نيالا، والضعين، والفاشر، وزالنجي، والجنينة، والسلام، وجامعة السودان المفتوحة، إلى جانب كلية نيالا التقنية وكلية كرنوي التقنية.

وناقش الاجتماع تهيئة المناخ لاستئناف الدراسة وضرورة إعادة فتح الجامعات في أقرب وقت، وتكليف إداراتها، كما استعرض مستوى جاهزية 18 كلية أساسية في ولايات دارفور وكردفان، والاحتياجات اللازمة لإعادة تأهيل الكليات التي تضررت جراء الحرب. وكشف الوزير عن خطة استراتيجية تشمل إعادة فتح الجامعات والمراكز البحثية وإعارها، وبناء شراكات محلية ودولية لدعم استمرارية التعليم العالي، وصولاً إلى إنشاء منظومة تعليم عال أكثر مرونة وقدرة على الصمود خلال الأزمات. من جانبه، قال منسق الجامعات، الدكتور أحمد محمد عبد المكرم، إن أعضاء هيئة التدريس على استعداد لاستئناف عملهم وإنصاف الطلاب الذين حُرموا من الدراسة لأكثر من ثلاث سنوات، مشيراً إلى أن الاجتماع خرج بتشكيل لجان فنية تتولى الترتيب لمرحلة قبول الطلاب الجدد، ومعالجة أوضاع الطلاب المتأثرين بتوقف الدراسة خلال سنوات الحرب. وتضم مناطق سيطرة حكومة تأسيس اكثر من 20 مؤسسة تعليم عالي حكومية وخاصة في ولايات دارفور الخمس  اضافة الى جامعة غرب كردفان.

توفير الكادر البشرية .. أولوية قصوى

لكن يرى أستاذ جامعي بجامعة نيالا فضل عدم ذكر اسمه أن إعادة تشغيل الجامعات لا تقتصر على صيانة المباني وإعادة تأهيلها، وإنما تتطلب أيضاً توفير الكادر البشري والتمويل اللازم لاستعادة العملية التعليمية بصورة متكاملة. واضاف اذا توفر المال والكادر البشري يمكن للجامعات بمناطق سيطرة تأسيس ان تعمل، وأوضح لراديو دبنقا أن المعامل العلمية تمثل أحد أكبر التحديات، مشيراً إلى أن جامعة نيالا استجلبت في العام 2022م أحد معامل الأحياء الجزيئية بقيمة مليون دولار وهو ما يعكس حجم الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية للتعليم العالي، وحجم الموارد المطلوبة لإعادة الجامعات إلى وضعها الطبيعي.

وبينما تتواصل نفرات إعادة التأهيل والصيانة، يبقى نجاح هذه الجهود مرهوناً بتوفير الموارد اللازمة واستمرار الدعم، حتى تتمكن الجامعات في مناطق سيطرة تاسيس من استعادة دورها في التعليم والبحث العلمي. فإعادة إعمار الجامعات ليست مجرد ترميم للمباني، بل استثمار في مستقبل آلاف الطلاب، وخطوة أساسية نحو إعادة بناء المؤسسات بعد الدمار الذي خلفته الحرب.

Welcome

Install
×