مختبر إنساني:كيف تحولت الفاشر خلال عام إلى مساحة صامتة بلا حياة؟

خريطة توضح تزايد الغطاء النباتي في الفاشر بعد عام من سيطرة الدعم السريع-مختبر ييل


أمستردام – 28 أكتوبر 2026 – راديو دبنقا
أكد مختبر البحوث الإنسانية بكلية الصحة العامة في جامعة ييل الأمريكية، في تقرير بمناسبة مرور عام على أحداث الفاشر، الغيابَ شبه الكامل للوجود المدني في المدينة، وتحوُّلها الفعلي إلى “مدينة أشباح”، باستثناء حيز جغرافي ضيق لا يتعدى 5 كيلومترات مربعة.

وقال المختبر في تقريره الصادر اليوم الأربعاء إنه قبل بدء الحصار على الفاشر في أبريل 2024، كان يُقدَّر عدد سكان منطقة الفاشر الكبرى—بما في ذلك مخيمات النازحين (أبو شوك، السلام، وزمزم)—بين 1 و2 مليون نسمة، وهو حجم سكاني يضاهي مدنًا عالمية مثل أمستردام، برمنغهام، وطرابلس. إلا أن الحصار الذي استمر زهاء 20 شهرًا، متبوعًا بحملة قصف وتجويع وقتل جماعي واسعة النطاق عقب سقوط المدينة في نهاية أكتوبر 2025، أدى إلى تفريغ المدينة كليًا تقريبًا من سكانها الأصليين والنازحين.

أدلة بيئية


استخدم فريق البحث مؤشر الاختلاف الخضري الطبيعي (NDVI) المعتمد على صور الأقمار الصناعية (Copernicus Sentinel-2) لقياس التغيرات البيئية بين الفترة من 1 يناير إلى 31 مارس 2026 ومقارنتها بمتوسط السنوات الخمس السابقة للنزاع (2019-2023).

تعتمد المنهجية على الحقيقة الميدانية التي مفادها أن النشاط البشري والحيواني وحركة المركبات تمنع كثافة النمو النباتي في المناطق المأهولة. وأظهرت النتائج زيادة إجمالية في النمو النباتي داخل المدينة بنسبة 9.02%، مما يعكس توقف الأنشطة اليومية وغياب الحياة الاجتماعية والأهلية.

جدول نسبة التغير في مؤشر NDVI حسب مناطق المدينة:

توضح هذه الأرقام أن منطقة جنوب شرق الفاشر سجلت أعلى ارتفاع في نمو النباتات الطفيلية والأعشاب (13.38%)، تليها منطقة شمال مخيم أبو شوك (10.64%). في المقابل، سجل حي الدرجة الأولى أقل نسبة تغير (2.72%)، مما يجعله المقر الرئيسي الوحيد الذي تتمركز فيه أنشطة قوات الدعم السريع والوجود المتبقي.


تقييم الأسواق الرئيسية والأنشطة الاقتصادية


شمل التقييم 9 أسواق رئيسية في الفاشر عبر مقارنة صور الأقمار الصناعية المأخوذة في سبتمبر 2026 مع خط الأساس المسجل قبل الحصار في نوفمبر 2023.


أظهرت صور الأقمار الصناعية انعدامًا تامًا للأنشطة البشرية، وحركة العربات، والحيوانات في 8 أسواق رئيسية من أصل 9 اسواق(منها السوق الكبير، سوق المواشي، سوق أم دفسو، وسوق نيفاشا). كما لوحظ تعرض الهياكل للأذى والتدمير المباشر، وتهدم الأسقف وتغطية الأعشاب لمساحات واسعة منها.

كان السوق المركزي بحي الدرجة الأولى هو السوق الوحيد الذي شهد توسعًا ونشاطًا مرئياً من خلال خيام ومظلات جديدة وحركة مركبات، مما يجعله المركز التشغيلي والحيوي لقوات الدعم السريع والمدنيين المتبقين في تلك المنطقة المقدرة بـ 5 كم².


تقييم المنشآت الصحية وأدلة طمس الجرائم


رصد التقريروتتبع 19 منشأة صحية في مختلف أرجاء المدينة. ولم تُظهر الصور الفضائية أي مؤشرات لوجود حشود، أو حركة سيارات إسعاف منظمة، أو عمليات صيانة وإعادة إعمار في جميع تلك المنشآت.


رصد التقرير أنشطة حفر ومحارق في 5 مستشفيات رئيسية (مستشفى الأطفال، مستشفى الفاشر التعليمي، المستشفى السعودي، مركز سيد الشهداء، والمستشفى الجنوبي). وأدت الصور إلى تأكيد إحراق مواد وأجسام تطابق رفاتاً بشرياً في عدد من تلك المحارق.


ففي المستشفى التعليمي بالفاشر، أظهرت صور الأقمار الصناعية بين نوفمبر 2025 ومارس 2026 حفرةً محفورة حديثاً تحتوي على بقايا رماد. وفي مايو 2026 شوهدت مواد مبعثرة وشاحنة مسطحة، لينتهي المطاف في يوليو 2026 بتغطية الحفرة بالكامل بالتراب المستصلح وتواجد مركبات دفع رباعي مسلحة.


أما في مستشفى الأطفال والمستشفى الجنوبي، فقد وثق التقرير اضطرابات أرضية وتغيرات في التربة تُرجح استخدامها كمقابر جماعية أو ردم لآثار المحارق. وفي سبتمبر 2026، تم رصد حفرة جديدة وردمها خارج سور مستشفى الأطفال.

وبشأن نقل الرفات، يتقاطع التقرير مع تقارير إعلامية ومحلية تشير إلى قيام قوات الدعم السريع بنقل جثامين ورفات الضحايا من موقع سقوطهم ونبش المقابر المؤقتة لنقلهم إلى مقابر مخصصة بعيداً عن الأنظار لطمس الأدلة.


الحصار المادي وتقييد حرية الحركة


وثق التقرير إنشاء وتطوير خندق وساتر ترابي يمتد لـ 75 كيلومتراً يُحيط بالمدينة بالكامل لردع حركة خروج المدنيين أو دخول المساعدات الإنسانية.


وعززت قوات الدعم السريع المعابر الرئيسية الأربعة المتبقية على الساتر الترابي باستخدام حواجز ترابية ومتاهات مرورية لتصعيب الحركة ومنعها (مثل معبر بوابة مليط شمالاً، ومعبر الطريق B-26 شرقاً وجنوباً باتجاه مخيم زمزم).

في بعض النقاط، تم إغلاق المنافذ بالكامل لمنع أي فرار جماعي للسكّان، وهو ما تسبب في إحكام الحصار واشتداد ظروف المجاعة (المرتبة IPC Phase 5).

البنية التحتية للمياه


أظهرت صور الأقمار الصناعية تعرض المحطة الرئيسية لأضرار ناتجة عن القصف، مع ظهور تسربات مائية وتواجد شاحنات نقل ثقيلة وسيارات نقل مسلحة تابعة لـ RSF للسيطرة على مصدر المياه الوحيد.


كما أظهرت الصور تعرض بئر قاعونجة لضربات صاروخية وتوقف أعمال الصيانة أو التشغيل فيه حتى مايو 2026.

استنتاجات


يخلص تقرير جامعة ييل إلى مجموعة من التوصيات والاستنتاجات القانونية والإنسانية، منها تكذيب الروايات الرسمية الصادرة عن قوات الدعم السريع والإدارات التابعة لها بشأن عودة الحياة إلى طبيعتها في الفاشر هي مزاعم عارية عن الصحة تماماً وتكذبها بيانات الاستشعار عن بُعد.


كما استنتج التقرير أن المدينة تعتبر مسرحاً لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال تحمل “سمات الإبادة الجماعية” وفقاً لتوصيف المحققين الدوليين للأمم المتحدة.


ودعا التقرير للتحقيق الدولي طالب التقرير بمنح المحكمة الجنائية الدولية والمنظمات الحقوقية وصولاً حراً وغير مشروط لجمع الأدلة المتبقية قبل إتلافها بالكامل.

ووجه انتقادات للمجتمع الدولي مشددا على أن المأساة والإبادة التي وقعت في الفاشر كانت من أكثر الكوارث المترقبة والمدعومة بالإنذارات المبكرة على مدار أكثر من عامين، إلا أن الحسابات المصالحية والدبلوماسية حالت دون اتخاذ إجراءات حاسمة لحماية المدنيين.

Welcome

Install
×