عامٌ على كارثة الفاشر.. مدينة أشباح نجت من إبادة جماعية
صوة بالأقمار الاصطناعية تظهر حريقا في الفاشر - اكتوبر 2025-وسائل التواصل
الفاشر – 26 أكتوبر 2026 – راديو دبنقا
شهدت الذكرى السنوية الأولى لسيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر اهتماماً دولياً واسعاً، جراء الجرائم النكراء واسعة النطاق التي شهدتها عاصمة ولاية شمال دارفور. وخلصت بعثة تقصي حقائق دولية مستقلة، بتكليف من الأمم المتحدة، إلى وجود “دلائل على إبادة جماعية” على أرض الواقع. ومع صعوبة تحديد العدد النهائي للضحايا، يتفق العاملون في المجال الإنساني والمراقبون والناجون على وصف الفاشر بأنها باتت “مدينة أشباح”.
مواقف ودعوات دولية
وقالت السفارة الفرنسية في السودان في بيان: “في هذا اليوم الأليِم، قلوبنا مع الشعب السوداني، وتُجِلُّ فرنسا ذكرى الضحايا”. وأضافت: “لا يقتصر تعاطفنا على المشاعر فحسب، بل يقترن بعزمٍ راسخٍ على العمل من أجل كسر حلقة الإفلات من العقاب في السودان”، موضحةً أن المدينة شهدت جرائم جماعية ارتُكبت ضد المدنيين واستهدفتهم على أساس عرقي.
من جانبها، دعت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، المجتمع الدولي إلى عدم إغفال الحصيلة الإنسانية المدمرة للحرب والفظائع التي ارتُكبت ولا تزال تُرتكب في الفاشر. وأكدت أن منع وقوع مزيد من الفظائع يستلزم اتخاذ إجراءات وممارسة ضغوط أكبر على الأطراف وعلى كل من يواصل تمكينها أو تسليحها أو تمويلها أو تقديم الدعم السياسي لها.
وقالت ديكارلو: “ينبغي لأطراف النزاع أن يدركوا أن المساءلة ليست أمراً اختيارياً، فالشعب السوداني الذي تحمل معاناة لا يمكن تصورها يستحق السلام ومساراً موثوقاً نحو مستقبل أفضل”، مجددةً دعوتها لمجلس الأمن لاستخدام جميع الأدوات المتاحة لوضع حد لهذا النزاع المدمر.
أعداد الضحايا وتدهور الأوضاع
وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قُتل ما يقرب من 6,000 شخص خلال الهجوم؛ إما في التفجيرات أو رمياً بالرصاص عمداً. غير أن باحثين في جامعة ييل – يعتمدون على تحليل صور الأقمار الصناعية – يعتقدون أن عدد القتلى أعلى بكثير ويُقدّر بعشرات الآلاف.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، تمكن ما يقارب 100 ألف شخص من الفرار خلال الهجوم، بينما لا يزال آلاف المدنيين في عداد المفقودين أو لقوا حتفهم أثناء محاولة الفرار أو اعتُقلوا. ووفقاً لإحصاءات المنظمات الإنسانية، لا يتجاوز عدد السكان الحالي في الفاشر 70 ألف نسمة، مقارنة بأكثر من مليون نسمة قبل الحرب، فيما أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن نحو 60 ألف شخص مسجلون لديه لتلقي المساعدات.
وقد حذرت التقييمات الرسمية من ترجيح الوصول إلى المستوى الخامس (أعلى مستويات المجاعة) في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي بشمال دارفور خلال الأشهر المقبلة.
استمرار الاحتجاز والتعذيب
أكدت منظمة العفو الدولية أن المدنيين في الفاشر ما زالوا يعانون من الاحتجاز والتعذيب ومحدودية وصول المساعدات بعد مرور عام على سيطرة قوات الدعم السريع. وأشارت المنظمة إلى أنها أجرت مقابلات في أغسطس وسبتمبر 2026 مع 25 مدنياً (بينهم 19 من السكان و6 من عمال الإغاثة)، واعتُقل 17 شخصاً منهم تعسفياً لعدة أشهر،. كما خاطبت المنظمة قيادة الدعم السريع في 9 أكتوبر بشأن هذه النتائج دون تلقي رد.
وقالت أغنيس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية: “إن مزاعم قوات الدعم السريع بأن الفاشر آمنة لعودة المدنيين بعد المجازر المروعة هي أبعد ما تكون عن الحقيقة. يخيم جو من الخوف على المدينة اليوم، حيث يعيش السكان تحت مراقبة مستمرة وتهديد دائم بالاعتقال والتعذيب والقتل”.
وأوضح شهود عيان أن المدارس تحولت إلى مراكز احتجاز بحكم الأمر الواقع للنساء والأطفال والرجال المصابين، وسُجلت فيها معدلات عالية من سوء التغذية. وأظهرت تحليلات الأقمار الصناعية بين أكتوبر 2025 وسبتمبر 2026 تضاؤل النشاط في المدارس المحتجَز فيها المواطنون، مما يشير لإغلاق بعضها، في حين أظهر سجن “شالا” ومركز “الميناء البري” نشاطاً بشرياً مستمراً.
العمل القسري وشهادات ميدانية
وثّقت منظمة العفو الدولية تعرض الرجال والنساء للعمل القسري، كجمع الجثث والأنقاض من الشوارع أو الطبخ والتنظيف لصالح عناصر قوات الدعم السريع دون أجر.
وقال أحد السكان الذين عادوا إلى الفاشر في يونيو 2026: “لقد اختفت الفاشر التي عرفتها؛ إنها مدينة مدمرة بالكامل، فالبنية التحتية والمدارس والمستشفيات طالها الدمار. الجميع يخضع لمراقبة دقيقة ولا يُمكَّن عمال الإغاثة من التحدث بحرية مع الناس”.
تأكيداً لذلك، أوضح رينو دوسي، المنسق الميداني لمنظمة “التضامن الدولي”، التي شاركت في أول بعثة تقييم إنسانية بالمدينة في يناير الماضي، أن حجم الدمار هائل، مشيراً إلى أن السكان المتبقين (بين 40 و60 ألفاً) يترددون على أحياهم لرؤية منازلهم أو طلب المساعدة، ولكن بسبب الصدمات والعنف لا يشعرون بأي استعداد للعودة والاستقرار.
بدورها، أكدت لورا ميلز، الباحثة في منظمة العفو الدولية، أن الناس خائفون للغاية ولن يعودوا في ظل وجود جماعات مسلحة لم تُحاسب على أفعالها، مع الاستمرار في مخاطر الاعتقال والتعذيب.
تقاعس دولي واختراق حظر الأسلحة
انتقدت منظمة العفو الدولية عدم فرض أي عقوبات على قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بعد مرور عام على الأحداث باستثناء عقوبات سابقة، كما لم تُفرض عقوبات على شركة “خدمات الأمن العالمية” (GSSG) ومقرها الإمارات العربية المتحدة، والتي يُزعم استخدامها لمقاتلين كولومبيين، ولم تُحاسب الإمارات على دعمها العسكري للمجموعات المسلحة في انتهاك لحظر الأسلحة الصادر عن الأمم المتحدة بشأن دارفور.
وجددت المنظمة دعوة مجلس الأمن لتمديد حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليملأ كافة أنحاء السودان، والتوقف الفوري لجميع الدول عن تزويد طرفي النزاع بالسلاح والذخيرة، مؤكدةً أن فظائع الفاشر كان من الممكن تجنبها، ومطالبةً باتخاذ خطوات حازمة لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين.

and then