صيدلة الخرطوم بين مبانٍ متضررة وأساتذة بالخارج

صورة تظهر حجم الدمار في كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم بسبب الحرب - يوليو 2026- صفحة مبادرة كلية الصيدلة على فيسبوك

صورة تظهر حجم الدمار في كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم بسبب الحرب - يوليو 2026- صفحة مبادرة كلية الصيدلة على فيسبوك

أمستردام: كمبالا/ الإثنين 21 سبتمبر 2026: راديو دبنقا

تواجه كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم أزمة تعرقل العودة الكاملة إلى الدراسة الحضورية، تجمع بين أضرار واسعة في المباني والمعامل، ونقص كبير في أعضاء هيئة التدريس الموجودين داخل السودان، إلى جانب صعوبات تتعلق بالسكن والترحيل والخدمات الأساسية، في وقت واصلت فيه الكلية أنشطتها الأكاديمية خلال سنوات الحرب.

ووفقًا للمعلومات الواردة في بيان لأساتذة الكلية اطلعت عليه (دبنقا)، فإن 82% من أعضاء هيئة التدريس يقيمون خارج السودان، وترتفع النسبة إلى 83% وسط أساتذة الزمالة والمشاهرة، بينما يوجد داخل البلاد أستاذ واحد فقط من أصل ستة من هذه الفئة.

ويقيم جميع أعضاء قسمين من أقسام الكلية خارج السودان، فيما يقتصر وجود أعضاء بقية الأقسام داخل البلاد على أعداد محدودة. وزادت الأوضاع تعقيدًا بعد توقف مرتبات أساتذة الزمالة والمشاهرة منذ يونيو الماضي، وهو ما انعكس على مشاركتهم في التدريس والبحوث واللجان.

وترتبط عودة عدد كبير من الأساتذة بتحسن الظروف الاقتصادية والبيئية وتوفير السكن والترحيل، خاصة في ظل فقدان بعضهم منازلهم وسياراتهم أو تعرضها لأضرار، إلى جانب ضعف الدخل وعدم مواكبته الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.

عودة معلّقة

ولا تقتصر التحديات على أوضاع هيئة التدريس، إذ لحقت أضرار بالغة بالجزء الشرقي من مبنى الكلية، خاصة الطابق الثالث، الذي أوصت لجنة هندسية بجامعة الخرطوم بإزالته حفاظًا على السلامة ومنع تأثيره على بقية المبنى.

كما طالت الحرائق جزءًا كبيرًا من المبنى، من بينها قاعات ومكاتب تتبع للصيدلة السريرية وبعض مكاتب الأساتذة، بينما دُمرت بالكامل معامل العقاقير الطبية وعلم الأدوية والصيدلانيات والميكروبيولوجي والبيولوجي، بما تحتويه من أجهزة وأثاث.

وتنحصر المساحة المتاحة حاليًا في الجزء الغربي من الكلية، الذي يضم ثلاث قاعات وثلاثة معامل فقط، وهي طاقة لا تكفي لاستيعاب جميع المستويات الدراسية.

وتُقدر تكلفة صيانة القاعات والمعامل في هذا الجزء بنحو 100 ألف دولار، دون احتساب الأجهزة والمواد المعملية. كما لا تزال القاعات والمعامل تفتقر إلى التيار الكهربائي، رغم تركيب الطاقة الشمسية في بعض المكاتب الإدارية.

وتشمل التحديات كذلك محدودية دورات المياه المهيأة، إذ تقتصر المرافق الجاهزة حاليًا على الطلاب الذكور، إلى جانب اضطرار الطلاب إلى المرور بالقرب من الجزء الشرقي المتضرر للوصول إلى الكافتيريا، وهو الجزء الذي ما يزال يمثل مصدر خطورة هندسية.

وانعكست هذه الأوضاع مباشرة على الطلاب، في ظل عدم جاهزية داخليات المجمع الطبي لاستقبال الطلاب والطالبات.

كما أن استئناف الدراسة داخل الخرطوم سيضع أعباء إضافية على الأسر لتوفير السكن والترحيل، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، إلى جانب الآثار النفسية والدراسية التي خلفتها الحرب والنزوح وعدم الاستقرار. وبسبب عدم جاهزية الكلية لاستقبال الطلاب، أُقيمت آخر دورة امتحانات في كلية الهندسة.

وترى هيئة التدريس أن العملية التعليمية تقوم على ثلاثة أركان أساسية هي الأستاذ والطالب والبيئة التعليمية، وأن تعطل أي واحد من هذه الأركان ينعكس مباشرة على انتظام الدراسة واستقرارها.

آثار الحرب في كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم – وسائل التواصل

تعليم رغم الحرب

ورغم هذه التحديات، استمر النشاط الأكاديمي بالكلية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ واصل الأساتذة التدريس عبر المنصات الإلكترونية، وإعداد الامتحانات وتصحيحها، والإشراف على بحوث التخرج، والمشاركة في أعمال مراكز الجامعة داخل السودان وخارجه.

وامتدت المشاركة كذلك إلى الأساتذة الموجودين في إجازات أو بعثات رسمية، الذين انخرطوا في جوانب مختلفة من العملية التعليمية خلال الفترة الماضية.

وكانت كلية الصيدلة من بين الكليات التي بادرت باستئناف الدراسة عبر المنصات الإلكترونية وتنظيم الامتحانات في مراكز داخل السودان وخارجه.

وفي نوفمبر 2023، جلس الطلاب لامتحانات الدورة الثانية في المراكز الداخلية والخارجية، وأُعلنت النتائج وأُجيزت بعد أسبوع واحد من انتهاء الامتحانات. وفي ديسمبر من العام نفسه، تخرجت الدفعة 53، وبلغ عدد خريجيها 91 طالبًا وطالبة.

وتواصلت الدراسة إلكترونيًا خلال عام 2024، وعُقدت امتحانات الدفعات التي أكملت الدراسة في الدورة الثالثة في أبريل، إلى جانب امتحانات الملاحق والبدائل للطلاب الذين كانوا قد جلسوا لامتحانات دورة نوفمبر 2023.

وفي أكتوبر 2024، جلس الطلاب الذين أكملوا العام الدراسي لامتحانات الدورة الثالثة، قبل إجازة النتائج وإعلانها في أوائل ديسمبر من العام نفسه. وفي أغسطس 2025، تخرجت الدفعة 54، بينما استمرت الدراسة والامتحانات لمختلف المستويات حتى آخر دورة امتحانات في مايو 2026.

ولم تقتصر العملية التعليمية على مرحلة البكالوريوس، إذ استؤنفت الدراسة لطلاب الدراسات العليا في برامج ماجستير المقررات في الصيدلة السريرية، والتقنية الحيوية الصيدلانية، والكيمياء الطبية واكتشاف الأدوية. وواصلت الدفعات القائمة دراستها، وأكملت بحوثها التكميلية، ونوقشت في لجان مختلفة، إلى جانب إجراء امتحانات المقررات ضمن دورات الامتحانات المركزية.

كما جرت مناقشة بحوث لعدد من طلاب الماجستير والدكتوراه بالبحث في تخصصات مختلفة، وإجازة تلك الدرجات عبر مجلس الدراسات الطبية والصحية بكلية الدراسات العليا والشؤون العلمية.

آثار الحرب في كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم – وسائل التواصل

معركة الاستمرار

وامتدت الجهود إلى التدريب السريري، إذ جرى تنسيقه وتنفيذه في مستشفيات بعدد من ولايات السودان، إلى جانب مراكز تدريب خارج البلاد في مصر والسعودية والإمارات. كما استأنفت الكلية إصدار شهادات التفاصيل والساعات المعتمدة والمنهج والدراسة باللغة الإنجليزية لخريجي الكلية، إلى جانب شهادات القيد والمحتوى العلمي والتفاصيل للطلاب.

وتولت لجنة مخصصة برئاسة نائب العميد للشؤون الأكاديمية إدارة هذا الملف، فيما جرى إرسال الشهادات والمستندات إلى جهات ومؤسسات مختلفة حول العالم عند طلب الخريجين، بهدف تسهيل إجراءات تسجيلهم في المجالس الطبية خارج السودان.

وعلى الرغم من استمرار هذه الأنشطة، ظل ملف العودة الحضورية محل تحدٍ بسبب عدم اكتمال مقومات البيئة التعليمية، إلى جانب أوضاع الطلاب وهيئة التدريس.

وفي أغسطس الماضي، خاطب مجلس الكلية مدير جامعة الخرطوم مطالبًا ببدء الدراسة إلكترونيًا إلى حين تحسن الأوضاع داخل الكلية، تفاديًا لضياع الوقت على الطلاب وتأخر مسيرتهم الأكاديمية. وأكد الأساتذة أنهم لا يعارضون مصلحة الطلاب أو عودتهم إلى مقاعد الدراسة، لكنهم ربطوا العودة الحضورية بتوفر شروط السلامة وجاهزية المباني والطلاب والأساتذة.

وجاء في البيان أن “سلامة الطلاب، واكتمال أركان العملية التعليمية وجاهزيتها، شروط أساسية لعودة الدراسة حضوريًا”، إلى جانب حدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية بما يسمح بتوفير بيئة تعليمية مستقرة، وطلاب قادرين على مواصلة الدراسة، وأساتذة قادرين على الاستمرار في التدريس والبحث والعمل الأكاديمي.

واختتم الأساتذة موقفهم بالتأكيد على استمرار حرصهم على مستقبل الطلاب، معربين عن أملهم في أن تستعيد الكلية كامل جاهزيتها وتعود إلى نشاطها الأكاديمي والطلابي بصورة طبيعية.

Welcome

Install
×