شهادات العائدين إلى الخرطوم
دورية للجيش السوداني في احد شوارع الخرطوم - (ارشيف)
منتدى الإعلام السوداني
تقرير : أمل يحيى
الخرطوم،6 يناير 2026، (مركز الألق)- مع عودة الأمن نسبيًا إلى العاصمة الخرطوم عقب السيطرة عليها من الجيش، شهدت المدينة موجة عودة للنازحين من ولايات مختلفة، إضافة إلى لاجئين من دول الجوار، مدفوعين بتقارير متداولة على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن استقرار الأوضاع الأمنية وتحسن الظروف المعيشية بعد سنوات من الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في العاصمة. غير أن الواقع الميداني يكشف عن تحديات إنسانية واقتصادية وأمنية معقّدة ما زالت تلقي بظلالها على حياة المواطنين. في هذا التقرير نرصد ملامح الأوضاع الراهنة في مدينة الخرطوم من خلال شهادات مباشرة ورصد ميداني.
أسعار تتخطى قدرة المواطن
قالت الحاجة حليمة حسين، العائدة مؤخرًا إلى الخرطوم من جمهورية مصر العربية بعد أيام من التحرير الأولي، إن الصورة المتداولة عن استقرار الأوضاع لا تعكس الواقع الحقيقي. وأضافت:
“كنت أسمع من أخواتي أن الوضع مستقر وأن الأحوال تحسّنت، لكن بعد عودتي وجدت واقعًا مختلفًا تمامًا. الأوضاع الاقتصادية في غاية الصعوبة، والوضع الأمني ما زال هشًا، مع وجود حالات تفلت محدودة من بعض الشباب والمستنفرين والقوات المشتركة. كما أن السرقات وعمليات النهب لا تزال مستمرة في عدد من الأحياء، بينما يعاني المواطنون من تدهور كبير في الوضع المعيشي.
وأفادت إخلاص عبد الله، نازحة من مدينة كوستي، بأنها عادت إلى الخرطوم وهي تحمل آمالًا بالاستقرار، خاصة أنها تقطن بمنطقة الكلاكلة. وقالت: “كنت أحلم بالاستقرار بعد العودة، لكن الواقع كان مختلفًا. وجدت أن عدد السكان قليل جدًا، وعمليات النهب ما زالت مستمرة، لدرجة أننا لا نستطيع ترك المنزل خاليًا. نضطر إلى التناوب على البقاء فيه؛ يخرج جزء من الأسرة ويبقى الآخر خوفًا على ما تبقى من الطوب والأثاث”.
وأضافت لـ (الألق) أن الأوضاع الاقتصادية تشهد تدهورًا كبيرًا، حيث ارتفعت أسعار السلع الغذائية بشكل ملحوظ، مشيرة إلى أن سعر كيلو لحم البقر بلغ نحو (22 ألف جنيه سوداني)، فيما وصل سعر كيلو لحم الضأن إلى (30 ألف جنيه)، وتراوح سعر كيلو الفراخ ما بين (17 إلى 25 ألف جنيه) حسب النوع.
أما الخضروات، فأوضحت أن سعر كيلو البطاطس بلغ (5,000 جنيه)، وكيلو البصل (3,000 جنيه)، وكيلو الطماطم (3,000 جنيه). (يعادل الدولار 3540 جنيه)..
وفيما يتعلق بالوضع الصحي، قالت إن أسعار الأدوية مرتفعة جدًا مقارنة بالأوضاع المعيشية المتدهورة وعدم توفر فرص العمل في الخرطوم. وأضافت أن معظم المستشفيات الكبيرة بدأت العمل جزئيًا، مما ساهم نسبيًا في تخفيف تكاليف العلاج في العيادات الخاصة، إلا أن المشكلة الأساسية ما زالت تكمن في عدم توفر كثير من الأدوية داخل هذه المستشفيات.
وفي السياق ذاته، قالت صفاء آدم، التي عادت من أوغندا إلى مدينة أم درمان، إن الأوضاع الأمنية مستقرة نسبيًا، والوضع الاقتصادي متوسط. وأضافت: “المشكلة الأساسية في أم درمان تتمثل في الارتفاع الكبير جدًا في الإيجارات، رغم أن معظم الأسواق عادت إلى العمل، وزادت الكثافة السكانية. كما شهدت المدينة حركة عمرانية ملحوظة، خاصة في مناطق وأخياء (الثورات وصابرين) والمناطق التي كانت بعيدة عن مناطق الصراع.”
وأضافت إخلاص عبد الله أن الأوضاع الاقتصادية في أم درمان تبدو أفضل مقارنة بمدينة الخرطوم، حيث تُباع المواد الغذائية بأسعار أقل نسبيًا.
هشاشة الأمن تعرقل إعادة الحياة الطبيعية
وقال معتصم إسحق (اسم مستعار) إن الخرطوم عادت جزئيًا، لكنها لن تكون كما كانت من قبل، خاصة في أحياء السجانة والعمارات وبعض الأحياء الكبيرة، التي فقدت بهجة الحياة بسبب خلوّها من السكان. وأوضح أن معظم السكان نزحوا من وسط الخرطوم إلى أطراف العاصمة، ما أسهم في ازدهار المناطق الطرفية وانتعاش أسواقها بالسلع والمواد الغذائية.
وأضاف:ة”أعمل حاليًا تاجرا في سوق (ستة القديم) بمنطقة مايو، حيث أقوم بجلب البضائع من أم درمان وأحيانًا من عطبرة، ثم أعيد بيعها هنا بأسعار مختلفة، مع احتساب هامش الربح وتكاليف الترحيل ورسوم التصاريح.”
وأشار إلى أن أسعار السلع في مناطق الشراء أقل مقارنة بأسعارها في الخرطوم، موضحًا أن ارتفاع الأسعار يعود إلى تكاليف النقل ورسوم التصاريح المفروضة من قبل الجهات الحكومية أثناء التنقل.
وفيما يتعلق بالوضع الأمني، قال معتصم إن الأوضاع ما تزال صعبة نسبيًا، مشيرًا إلى أن بعض المستنفرين والقوات المشتركة المتواجدين في العاصمة يمارسون سلوكيات تُشعر المواطنين بالخوف في بعض الأحياء، إلى جانب تورطهم – بحسب قوله – في ممارسات غير قانونية، دون قدرة المواطنين على الاعتراض أو الحديث علنًا.
وأضاف أنه قبل أسابيع شهدت منطقته حادثة إطلاق نار نفذها أحد المستنفرين بحق جيرانه على خلفية خلافات بسيطة، ما أسفر عن إصابة 3 من أفراد الأسرة، قبل أن يلوذ الجاني بالفرار، الأمر الذي زاد من حالة الخوف وسط السكان.
وفي ما يخص الأسعار، أوضح أن أسعار المواد الغذائية غير مستقرة وتشهد تذبذبًا مستمرًا، حيث يتراوح سعر كيلو السكر ما بين (4,000 إلى 35,000 جنيه سوداني)، بينما يتراوح سعر رطل زيت الفول ما بين (45,000 إلى 50,000 جنيه)، ويتراوح سعر كيلو الدقيق ما بين (2,000 إلى 25,000 جنيه) بحسب المنطقة وتكاليف الترحيل. وأشار إلى أن الأسعار في أم درمان أقل نسبيًا مقارنة بالخرطوم.
في ظل عودة تدريجية للحياة إلى العاصمة الخرطوم، تكشف الإفادات الميدانية أن الاستقرار ما يزال هشًا ومحدودًا، وتغلب عليه تحديات إنسانية واقتصادية وأمنية معقّدة. فعلى الرغم من تحسن نسبي في الحركة التجارية وعودة جزئية للخدمات، إلا أن ارتفاع الأسعار، وتذبذب الأمن، واستمرار عمليات النهب، إلى جانب ضعف الخدمات الصحية وغياب فرص العمل، كلها عوامل تُثقل كاهل المواطنين العائدين.
وتُظهر المقارنات بين الخرطوم وأم درمان تفاوتًا واضحًا في مستويات المعيشة والأسعار، ما يعكس تحوّل مركز الثقل السكاني والاقتصادي نحو أطراف العاصمة والمناطق الأقل تأثرًا بالصراع. وبين آمال العودة والاستقرار، يظل مستقبل الحياة في الخرطوم مرهونًا بفرض القانون، وتحسين الأوضاع الأمنية، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، ووضع سياسات اقتصادية تخفف من معاناة المواطنين وتعيد الثقة في العودة الآمنة والمستدامة.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (مركز الألق) لتعكس واقع الحياة في الخرطوم من خلال شهادات المواطنين الذين عادوا للمدينة بعد انتهاء المواجهات العسكرية وخروج قوات الدعم السريع وبقاء الأوضاع تحت سيطرة الجيش.
تكشف إفادات المستطلعين أن الاستقرار ما يزال هشًا ومحدودًا في العاصمة، وتغلب التحديات الإنسانية والاقتصادية والأمنية المعقّدة. وبرغم التحسن النسبي في الحركة التجارية وعودة جزئية للخدمات، تشير الإفادات إلى ارتفاع الأسعار وتذبذب الأمن واستمرار عمليات النهب، إلى جانب ضعف الخدمات الصحية وغياب فرص العمل.



and then