خفايا زيارة وزير الدفاع لجوبا :امن الحدود والمسلحين والبترول وابيي ابرز الملفات
وزير الدفاع الفريق حسن داؤود كبرون يتحدث للصحفيين عقب عودته من جوبا عاصمة جنوب السودان (سونا)
امستردام: 13 أغسطس 2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
شهدت الخرطوم ــ وجوبا، حراكاً متسارعاً واتصالاً مكثفاً خلال اليومين الماضيين، لبحث قضايا عالقة ذات طابع عسكري وأمني واستراتيجي وسياسي، وأخرى مرتبطة بمصالح اقتصادية تتمثل في ملف النفط، بينما ظلت قضية أبيي واحدة من أبرز القضايا الهامة.
وتوالت الزيارات بين المسؤولين في البلدين حيث وصل مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية توت قلواك إلى الخرطوم على رأس وفد رفيع المستوى، نهاية يوليو، سلم خلالها رسالة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان من نظيره سلفاكير ميارديت، ودعوته لزيارة جوبا.
عقب ذلك بأيام قليلة، تزامنت زيارتان لوفدين سودانيين في العاصمة جوبا ، الأولى كانت برئاسة وزير الدفاع وعدد من المسؤولين، والثانية قام بها حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، في تحرك يعكس تعدد الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية المشتركة بين الخرطوم وجوبا.
اتفق السودان وجنوب السودان خلال زيارة وزير الدفاع السوداني الى جوبا على التعاون الأمني لمنع تسلل المسلحين عبر الحدود، وتفعيل اتفاق أمني سابق، وعدم إيواء أي عناصر مسلحة، وتأمين المنشآت النفطية وخطوط نقل الخام من جنوب السودان إلى موانئ التصدير على البحر الأحمر.
كما اتفقا على تفعيل بروتوكول أبيي واتفاق عام 2011 الخاص بالترتيبات المؤقتة في المنطقة، وإنشاء إدارة مدنية مشتركة، وعدم اتخاذ أي إجراء أحادي أو تغيير الوضع القائم.
وقال وزير الدفاع السوداني، خلال تصريحات عقب عودته إلى الخرطوم، أمس، أن المحادثات سادتها روح من التفاهم والحرص المشترك على تطوير العلاقات الثنائية، وأن الجانبين توصلا إلى اتفاقات والتزامات مهمة لدعم الاستقرار والأمن الإقليمي.
زيارتان رسمية وشعبية:
واعتبر الخبير الأمني والمحلل الاستراتيجي الفريق دكتور جلال تاور، أن العاصمة الجنوب سودانية جوبا شهدت زيارتان لوفدين سودانيين، الأولى يقودها وزير الدفاع، والثانية يقوم بها مني أركو مناوي، المشرف على القوات المشتركة وعملياتها، والأخير زيارته تمتد إلى دول أخرى ليست قاصرة على جنوب السودان.
وتعكس الزيارتان، رغم اختلاف أهدافهما، أهمية العلاقة بين الخرطوم وجوبا في ظل استمرار الحرب في السودان والتداخل الأمني والاقتصادي بين البلدين.
وقال تاور لـ”راديو دبنقا” إنَّ زيارة وزير الدفاع السوداني إلى جنوب السودان، تعد أول زيارة خارجية له منذ توليه المنصب، وذلك عقب دعوة لقيادات جنوب السودان لزيارة الخرطوم. بعد وصول مستشار الرئيس سلفاكير ميارديت للشؤون الأمنية توت قلواك إلى الخرطوم ودعوته للبرهان بزيارة جوبا.
وأضاف: يبدو أن هنالك كثير من القضايا المشتركة تحتاج إلى زيارة وزير الدفاع، بينما رأى أن أهم قضية محورية بين الدولتين، تتمثل في قضية المناطق الخمس المتنازع عليها، التي تشمل كل من “أبيي، جودة، كمين، دبة فخار، مقينص وبحر العرب”. معروفة بأنها المناطق الخمس المتنازع عليها.
الانتخابات:
وأكد الخبير الأمني والمحلل الاستراتيجي الفريق دكتور جلال تاور أن القضية الثانية تتعلق بانتخابات أبيي وقال إنَّ جنوب السودان أعلن أن منطقة أبيي دائرة انتخابية، متوقعاً أن تجري فيها الانتخابات في ديسمبر القادم، لافتاً إلى أن أبيي منطقة أبيي متنازع عليها، لسبب بسيط هو أنها كان يجب أن يتم استفتاء أبيي قبل استفتاء جنوب السودان، إلا أن المشاكل التي حدثت في تلك الفترة أخرت قيام الاستفتاء وعلقت قضية أبيي وجعلتها معلقة حتى اليوم.
وأشار إلى أن قضية أبيي فصل فيها التحكيم الدولي وأن القرار الصادرعن التحكيم جاء في صالح حكومة جنوب السودان” لكنه لم يُرضي قبيلة المسيرية على وجه التحديد، والحكومة السودانية لم تجرؤ على تنفيذه، رغم أنها وافقت على التحكيم الدولي ويفترض طالما وافقت عليه وبحسب القانون الدولي أن تقبل بنتائج التحكيم الدولي.
وقال الفريق تاور إنَّ قبيلة المسيرية اعترضت بشدة باعتبارها صاحبة المصلحة وهي التي تعيش في المنطقة فالقضية ليس بترول، وإنما هنالك بشر على وجه الأرض ولديهم مصالح وتاريخ في هذه الأرض وحجج قانونية قوية. معتبراً أن هذه القضية محورية ومهمة ووصول وزير الدفاع إلى جوبا يمكن أن تتيح فرصة لبحث قضية أبيي والبحث عن مخرج لها، إلى جانب الملفات الأمنية الأخرى التي تتطلب تنسيقاً مباشراً بين البلدين.
وأصدرت المفوضية القومية للانتخابات في جنوب السودان قراراً باعتماد إدارية ابيي كدائرة انتخابية في ولاية واراب ضمن عدد (102) دائرة جغرافية لإجراء الانتخابات العامة المقررة في 22 ديسمبر 2026م.
فيما سارعت حكومة السودان بإعلان رفضها لقرار المفوضية القومية للانتخابات في جنوب السودان، وأكدت في بيان صحفي صادر عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي، أن القرار يخالف بصورة صريحة بروتوكول أبيى الملحق باتفاقية السلام الشامل للعام 2005م، واتفاقية الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة لمنطقة أبيى الموقعة بين البلدين في العام 2011م، والتي مهدت لصدور قرار مجلس الأمن رقم (2046) (2012) ، الذي يدعو إلى التفاوض بين البلدين بدون شروط للوصول إلى الحل النهائي للوضع في أبيى.
قضايا عالقة:
وأشار الخبير الأمني والاستراتيجي الفريق د. جلال تاور إلى أن من بين القضايا التي تطرق لها الطرفان هو ملف النفط وقال تاور في هذا الصدد: طبعاً من المعلوم أن حكومة السودان حسب الظروف الحالية، أوكلت لحكومة جنوب السودان حماية منشآت النفط ما يعني أن هنالك تعاون وتنسيق.
وفي ملف الحدود لفت تاور إلى أن هنالك مشاكل في الحدود تتعلق بحركة السلاح في سوق النعام، مبيناً أن كثيراً ما يصل منه دعم لـ”المتمردين” بجانب وجود أبناء من قبيلة النوير بكثافة كبيرة جداً ضمن المقاتلين في صفوف قوات الدعم السريع. مشيراً أن كل هذه المشاكل تتطلب البحث، من المتوقع أن البرهان قد أثارها في زياراته وكذلك وزير الدفاع بمزيد من التفصيل.
ورأى الخبير الأمني أن هذه الملفات يمكن أن تكون ضمن أجندة زيارة وزير الدفاع، خاصة أنه من المتوقع أن يضم الوفد مسؤولين من جهاز المخابرات العامة ولجنة الحدود، ما يجعل الزيارة ذات طابع أمني وسياسي يتجاوز العلاقات العسكرية المباشرة.
وأكد أن الزيارة لبحث التعاون المشترك بين الدولتين مشيراً إلى أن الاستقبال الذي حظي به وزير الدفاع وصفه بالفخم والرسمي الكبير. وتوقع أن تأتي الزيارة بنتائج إيجابية.
زيارة مناوي.. أهداف مختلفة:
وقال الخبير الأمني والمحلل الاستراتيجي الفريق الدكتور جلال تاور أما الزيارة التي قام بها حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، المشرف على القوات المشتركة وعملياتها، أنها تختلف في أهدافها وأجندتها عن زيارة وزير الدفاع.
وأشار إلى أن مناوي أصبح هذه الأيام من أبرز المسؤولين السودانيين الذين يتحدثون بصراحة كاملة وبصورة مباشرة أمام الرأي العام وحديثه يجد قبول لدى الكثيرين، وأن زياراته الخارجية شملت عدداً من الدول الأفريقية من بينها أوغندا، مبيناً بأن أبرز حديث تم نقله في مواقع التواصل كان في كمبالا قبل زيارته لجنوب السودان، كما يقوم بهذا النشاط في أوربا مشيراً إلى أن مناوي يركز في حديثه على القواعد الشعبية وعلى توضيح حقائق الميدان ورغبتهم في تحقيق السلام.
وأكد حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي أن زيارته الى جوبا تولي اهتماماً بالغاً بالأوضاع الإنسانية والاجتماعية والتحديات التي تواجه أبناء الشعب السوداني في جنوب السودان، مؤكداً حرصه على ترسيخ أواصر الأخوة والتاريخ والمصير المشترك بين شعبي البلدين، وتعزيز التعاون الثنائي بما يسهم في تجاوز آثار الحرب ويدعم جهود تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في البلدين والمنطقة.
فرص جديدة:
من جهته أكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي أتيم سايمون زيارة وزير الدفاع السوداني إلى العاصمة جوبا بأنها تكتسب أهمية خاصة كونها جاءت في توقيت مهم، في ظل الحرب الدائرة في السودان والتي أصبحت تؤثر على الأمن القومي في دولة جنوب السودان، بعد انتقال المعارك للمناطق المجاورة في الحدود المشتركة بين البلدين، سيما وأن ملفات قضايا حساسة بين البلدين لم تحسم.
وقال سايمون لـ”راديو دبنقا” من هذه الملفات الحساسة، تلك التي تم مناقشتها في مراحل مابعد الاستفتاء وفي مقدمتها أمن الحدود، والقضية المحورية الأمنية المتمثلة في حركة الجماعات المسلحة، إلى جانب تأمين منشآت نقل النفط وملف أبيي.
وعلى الرغم من استمرار الخلاف حول ملف أبيي وعدم حسم البلدين للقضايا العالقة منذ استقلال جنوب السودان في عام 2011، إلا أن ذلك لا يلغي حاجة الخرطوم وجوبا إلى بعضهما البعض، ويؤكد في الوقت ذاته أهمية المصالح المشتركة بين البلدين.
وأكد أن البلدين شكلا لجان أمنية مشتركة بهدف تعزيز التنسيق بين جوبا والخرطوم، معتبراً أن تلك الزيارات قائمة على المصالح الاقتصادية، وتابع قائلاً: بالنسبة لدولة جنوب السودان، تبرز أهمية تأمين المنشآت النفطية وتأمين تصدير خام النفط عبر الأراضي السودانية دون أن تؤثر المواجهات العسكرية خاصة في أعقاب استهداف أكثر من منطقة، في مناطق خطوط وأنابيب البترول، أدت في وقت سابق إلى توقف عمليات الإنتاج والنقل، فيما بعد تم استئنافها.
تأتي أهمية الزيارة في كونها تفتح قنوات جديدة للتواصل السياسي والأمني بين الخرطوم وجوبا لمعالجة هذه الملفات، خصوصاً في ظل الحاجة إلى منع انتقال تداعيات الحرب السودانية إلى جنوب السودان، وتعزيز التعاون بين البلدين في القضايا ذات المصالح المشتركة.
وقال الكاتب الصحفي أتيم سايمون: في المقابل، تسعى الخرطوم إلى تعزيز أمن الحدود مع جنوب السودان، وترغب في التعاون في منع انتقال السلاح والمقاتلين والحد من الاضطرابات في المناطق الحدودية، خاصة في المناطق المتاخمة لولايات كردفان ودارفور والنيل الأبيض.
اللجنة المشتركة:
ومضى سايمون للحديث حول أن هذه المباحثات التي يقوم بها وزير الدفاع السوداني أصلاً تأتي في إطار الآلية السياسية والأمنية المشتركة بين البلدين، وهي آلية ترتبط بعدد من القضايا كانت عالقة منذ انفصال جنوب السودان عن شماله بينها قضايا الحدود والترتيبات الأمنية وملف أبيي.
وأوضح أن الزيارة تعد محاولة لفتح قنوات اتصال عسكرية وسياسية جديدة بين الخرطوم وجوبا، وتعزيز فرص هذا التواصل المشترك خاصة في ظل الظروف الأمنية والسياسية غير المستقرة في السودان وجنوب السودان.
ولفت الكاتب الصحفي أتيم سايمون إلى أن هذه الزيارة على الرغم من أن مباحثاتها مغلقة، لكن أهميتها تأتي في أن هنالك استشعار للمصالح بين الخرطوم وجوبا محذرا من أن أي تفريط في هذه القضايا يمكن أن يمتد آثاره للدولة الثانية، معتبراً أن الجغرافية والمصالح الاقتصادية والأمنية تفرض على البلدين أن يعمل كل منهما على استقرار جاره باعتبارها قضية منفصلة في الأمن والمصالح الوطنية للبلدين.
وعبر عن اعتقاده بأن تفضي هذه الزيارة إلى مزيد من التنسيق المشترك في الملفات الأمنية في البلدين في ظل المخاوف الأمنية المتبادلة بين الخرطوم وجوبا، لافتاً إلى أن جنوب السودان مقبل على انتخابات تشريعية عامة، فعليه فهم في حاجة إلى ضمانات لاستقرار الحدود وعدم التدخل السياسي لكل بلد في شؤون الآخر.
ويمكن أن تمثل جوبا مساحة مهمة للتواصل بشأن السلام، بالنظر إلى موقع جنوب السودان وعلاقاته مع أطراف الصراع السوداني، وهو ما يجعل الزيارتين، كل بحسب أجندته، جزءاً من تحرك أوسع لتعزيز الحضور السياسي والأمني للسودان في محيطه الإقليمي.


and then