ثلاث رغيفات بألف جنيه… الأبيض تختنق بين الحرب والغلاء

سوق الأبيض- ارشيف- وسائل التواصل

سوق الأبيض- ارشيف- وسائل التواصل

الابيض- 5 أكتوبر 2026-راديو دبنقا

في قلب كردفان، مدينة تحمل عبء الحرب على ظهرها وتبحث عن طوق نجاة، لم تكن مدينة الأبيض يوماً مدينة عادية في الجغرافيا السودانية. فبموقعها الذي يتوسط البلاد، شكّلت على الدوام الجسر الذي يربط شرق السودان بغربه، وشرياناً تجارياً تتدفق عبره السلع والمواشي والمحاصيل. غير أن الحرب غيّرت وظيفة المدينة ومصيرها معاً، فبينما كانت نقطة عبور، وجدت نفسها وجهةً للنازحين الفارين من ويلات القتال، تحاول أن تتسع لما يفوق طاقتها بأضعاف.

أدى تدفق النازحين إلى زيادة حادة في عدد السكان انعكست مباشرة على الخدمات الأساسية، وضاعفت الطلب على السلع في سوق لم يعد قادراً على الاستجابة. وفي ظل ارتفاع أسعار الوقود يوماً بعد يوم، تضخمت تكاليف النقل، لتنتقل الزيادة إلى كل سلعة تصل إلى المستهلك. ولم يخلُ المشهد من جشع بعض التجار وتفشي المضاربات في السلع الضرورية، مما فاقم الأزمة وجعلها أكبر من مجرد نتيجة طبيعية لشح الإمدادات.

وتكشف الأسعار عن حجم المعاناة. فقد بلغ سعر جوال السكر 345 ألف جنيه، والعدس 180 ألف جنيه، والبصل 286 ألف جنيه، والدقيق 112 ألف جنيه. أما الخبز، قوت الفقراء الأول، فقد وصل سعر ثلاث رغيفات منه إلى ألف جنيه، فضلاً عن أنها لا تلتزم بالوزن الرسمي المفترض، أي أن المواطن يدفع أكثر ليحصل على أقل. وفي سوق اللحوم، يتراوح سعر لحم البقر بين 34 و40 ألف جنيه، والضأن بين 56 و60 ألف جنيه. كما ارتفعت إيجارات المنازل والمتاجر بصورة وصفها السكان بالمخيفة، مما يضيف عبئاً جديداً على أسر أنهكتها الحرب أصلاً.

ويقع العبء الأكبر على ذوي الدخل المحدود، وفي مقدمتهم العاملون في القطاع العام الذين لم تشهد رواتبهم زيادة منذ فترة طويلة. هؤلاء يواجهون سوقاً تتحرك أسعاره يومياً بينما يبقى دخلهم ثابتاً، فتتآكل قدرتهم الشرائية بصمت، وتتراجع أسرهم عن بنود أساسية واحداً تلو الآخر.

غياب الرؤية

والمشكلة الأعمق، بحسب ما يلمسه المواطنون، تكمن في غياب رؤية أو سياسة واضحة لضبط السوق. فالحديث يدور هذه الأيام حول تفعيل الجمعيات التعاونية، لكن الناس لم يروا على أرض الواقع تعاونيات فاعلة ولا أسواقاً للبيع المخفض تدعم المواطن. وتبقى الوعود بلا أثر ملموس، فيما تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع الشارع.

وتتطلب الأزمة حلولاً تتجاوز المسكنات المؤقتة، وفي مقدمتها التفكير خارج الصندوق بإنشاء مشروعات مثل مزارع تربية الماشية وبيوت محمية لزراعة الخضروات داخل المدينة وحولها، بهدف استقرار الأسعار وتوفير المنتجات الزراعية محلياً. وتزداد أهمية هذا التوجه لأن الخضروات والماشية كانت تصل إلى الأبيض من مناطق كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، ما قطع مصادر الإمداد التقليدية. فالاعتماد على الإنتاج المحلي لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل ضرورة غذائية.

وتضيف الطبيعة همّاً آخر إلى القائمة؛ فقد تأخر هطول الأمطار، وحتى بعد أن بدأ متأخراً، فإن غالبية المزارعين غادروا قراهم نازحين بسبب الحرب. وهكذا يتقاطع تأخر المطر مع غياب الأيدي العاملة، ليضع الموسم الزراعي، ومعه الأمن الغذائي للمنطقة، في دائرة الخطر.

تقف الأبيض اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تتحول إلى نموذج للصمود المدعوم بسياسات رشيدة وإنتاج محلي ورقابة فعالة على الأسواق، أو تنزلق نحو أزمة معيشية أعمق يدفع ثمنها المواطن البسيط. والمطلوب اليوم ليس المزيد من التصريحات، بل قرارات عاجلة تعيد للمواطن حقه في رغيف عادل، وسوق منضبط، وأمل في أن الحرب لن تأخذ منه كل شيء.

Welcome

Install
×