بعد تبادل الاتهامات بين السودان وإثيوبيا… تحذيرات من الانزلاق إلى حرب بالوكالة

زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد إلى بورتسودان - يوليو 2024- إعلام مجلس السيادة الانتقالي

زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد إلى بورتسودان - يوليو 2024- إعلام مجلس السيادة الانتقالي

كمبالا، 6 مايو 2026 – راديو دبنقا

في سياق التصعيد المتبادل بين السودان وإثيوبيا عقب استهداف مطار الخرطوم بطائرات مُسيّرة، تتصاعد تحذيرات من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع، في ظل تبادل الاتهامات وتضارب الروايات الرسمية.

ونقلت وكالة الأنباء السودانية (سونا) تصريحات لوزراء في الحكومة الموالية للجيش، بينهم وزير الخارجية ووزير الإعلام والناطق باسم القوات المسلحة، حمّلوا فيها كلاً من إثيوبيا والإمارات مسؤولية الهجوم، في اتهامات تفتح الباب أمام تداعيات سياسية وأمنية معقدة. وقالت القوات المسلحة إنها تمتلك أدلة موثقة تشير إلى تورط الإمارات وإثيوبيا في الهجمات التي استهدفت مواقع داخل البلاد، من بينها مطار الخرطوم.

ونفت إثيوبيا الاتهامات السودانية، ووصفتها بأنها لا أساس لها من الصحة، مؤكدة أنها تُطلق بتحريض من جهات خارجية تسعى إلى تحقيق مصالحها، التي وصفتها بالخبيثة.

وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان اطّلع عليه راديو دبنقا، إن حكومة إثيوبيا التزمت ضبط النفس، وامتنعت عن نشر الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها بعض الأطراف المتحاربة في الحرب الأهلية السودانية بحق وحدة أراضي إثيوبيا وأمنها القومي. وتشمل هذه الانتهاكات، من بين أمور أخرى، الاستخدام المكثف لجبهة تحرير شعب تيغراي في النزاع. من جانبها نفت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي هذه الاتهامات.

واتهمت الخارجية الإثيوبية القوات المسلحة السودانية بتقديم دعم عسكري ومالي لمن وصفتهم بالمرتزقة، مما سهّل توغلهم على طول الحدود الغربية لإثيوبيا. وقالت إن أنشطة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في السودان أمرٌ موثق، وإن هناك أدلةً وفيرةً وموثوقةً تشير إلى أن السودان يُشكّل مركزًا لعدد من القوى المعادية لإثيوبيا.

تصفية حسابات إقليمية

في المقابل، يرى القيادي البارز بحزب الأمة القومي، عروة الصادق، أن هذا المسار يمثل نهجًا متكررًا للقفز فوق الأزمات الداخلية، محذرًا من خطورة تحويل ملف سيادي بحجم حماية الأجواء السودانية إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية. ويشير إلى أن توجيه الاتهامات دون تقديم أدلة دامغة أو اتباع مسارات قانونية ودبلوماسية واضحة قد يدفع البلاد نحو حرب بالوكالة لا تخدم المصالح الوطنية.

ويؤكد الصادق، في مقال نشره على صفحته في منصة «إكس»، أن من حق السودان اللجوء إلى آليات التحقيق الدولي، ورفع القضية إلى مؤسسات مثل مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي ومنظمة «إيقاد»، غير أنه يشدد على ضرورة إدارة الأزمة بعقلانية، بعيدًا عن الخطاب الثأري أو الدعوات غير المحسوبة للرد العسكري، التي قد تتجاوز كلفتها أثر الهجوم نفسه.

وتبرز المخاوف، بحسب متابعين، من أن يتم توظيف هذه الحادثة لتوسيع نطاق الحرب الداخلية بدل احتوائها، خاصة في ظل اتهامات بوجود قوى مرتبطة بالنظام السابق تسعى إلى استثمار التصعيد الخارجي لإطالة أمد الصراع وتعزيز مواقعها في السلطة.

مخاطر التصعيد الإقليمي

كما يحذر مراقبون من أن أي تصعيد مع إثيوبيا، التي ترتبط مع السودان بملفات معقدة تشمل الحدود والمياه واللاجئين، قد يضع الخرطوم في موقع هش، في ظل التدهور الاقتصادي واستنزاف المؤسسة العسكرية. ويأتي ذلك بالتوازي مع تشابك إقليمي أوسع، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بملف سد النهضة، ما يزيد من احتمالات تداخل الأجندات الإقليمية في الأزمة.

مخاوف من مواجهة إقليمية مفتوحة

وحذّرت  رشا عوض، رئيسة تحرير صحيفة «التغيير» الإلكترونية، في حديثها لراديو دبنقا، من أن الاتهامات المتبادلة بين السودان وإثيوبيا عقب استهداف مطار الخرطوم تمثل مؤشرًا مقلقًا على احتمال تحوّل النزاع السوداني، في عامه الرابع، إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، وهو ما وصفته بالمنحى بالغ الخطورة.

وترى عوض أن ما تسميه «معسكر الحرب» في الخرطوم يواصل تفضيل خيار التصعيد الخارجي بدل التوجه نحو تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع، رغم أن استمرار الحرب الداخلية، بطبيعتها، يفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الإقليمية والدولية. وتشير إلى أن تصاعد الخطاب الداعي إلى مواجهة عسكرية مع إثيوبيا يعكس توجهًا لا يخدم المصلحة الوطنية، بقدر ما يهدد بتعقيد الأزمة وتوسيع نطاقها.

وتلفت إلى أن المشهد الحالي يشهد تداخلًا إقليميًا واسعًا، مع وجود عدة أطراف خارجية منخرطة بدرجات متفاوتة في النزاع السوداني، ما يجعل أي تصعيد إضافي محفوفًا بمخاطر استدراج تدخلات أوسع. وتؤكد أن السودان لا يملك القدرة على التحكم في توازنات الإقليم، بقدر ما يستطيع تقليص هذه التدخلات عبر معالجة أزمته الداخلية وإغلاق منافذ التأثير الخارجي.

كما تطرح رشا عوض قراءة تربط بين التصعيد المحتمل مع إثيوبيا وحسابات إقليمية أوسع، مشيرة إلى التوتر القائم بين القاهرة وأديس أبابا بشأن قضايا استراتيجية، من بينها ملف سد النهضة، وترى أن هناك مخاوف من أن يُدفع السودان للانخراط في صراع يخدم أجندات خارجية أكثر من كونه يعبر عن أولوياته الوطنية.

وخلصت إلى أن انخراط السودان في أي مواجهة عسكرية مع دولة مجاورة، في ظل الانقسام الداخلي الحاد والانهيار الإنساني والاقتصادي، من شأنه أن يفاقم الأزمة ويطيل أمد الحرب، عبر استدعاء مزيد من التدخلات وتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراعات بالوكالة. وتؤكد أن المخرج الأكثر واقعية يتمثل في تبني مقاربة استراتيجية تضع إنهاء الحرب الداخلية واستعادة الاستقرار كأولوية قصوى، بعيدًا عن الانزلاق إلى مواجهات إقليمية غير محسوبة.

دعوات لتفعيل المسار الدبلوماسي

فيما يرى الكاتب الصحفي عثمان ميرغني أن إدارة هذا النوع من الأزمات تتطلب دورًا فاعلًا للدبلوماسية السودانية عبر توظيف أدواتها المختلفة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. وانتقد ميرغني استخدام خطاب تصعيدي من قبل وزارة الخارجية، معتبرًا أن الحديث عن مواجهة مفتوحة لا يتسق مع طبيعة العمل الدبلوماسي، الذي يقوم على حسابات مختلفة عن الخطاب العسكري.

ويشير إلى أن من بين الخطوات المهمة التي يمكن البناء عليها قرار استدعاء السفير السوداني من أديس أبابا للتشاور، إلى جانب إمكانية اللجوء إلى المنظمات الإقليمية والدولية، والاستفادة من علاقات السودان مع عدد من الدول الشقيقة والصديقة.

ويؤكد ميرغني أهمية المسار الدبلوماسي المباشر مع إثيوبيا بوصفه أحد أكثر الأدوات تأثيرًا، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل أيضًا على صعيد الرأي العام، في ظل العلاقات التاريخية التي تربط بين الشعبين السوداني والإثيوبي.

وخلص عثمان ميرغني إلى أن نجاح السودان في إدارة هذه الأزمة يتوقف على تحقيق توازن دقيق بين التحرك العسكري المحسوب والخطاب الدبلوماسي الرصين، بما يسهم في احتواء التصعيد وتفادي انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التعقيد.

خيارات دبلوماسية وغير دبلوماسية

من جانبه، قال المحلل السياسي الدكتور محمد تورشين، في مقابلة مع راديو دبنقا، إن اتهام السودان لإثيوبيا يعني أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى مرحلة «اللاعودة»، بعد فشل الجهود والتحركات الدبلوماسية السابقة.

وأوضح أن السودان أدرك أن الجانب الإثيوبي لن يتوقف عن دعم قوات الدعم السريع، وهي شكوك كانت قائمة منذ العام الماضي، وتحدث عنها السودان بشكل مباشر، مؤكدًا وجود تحركات إثيوبية لدعم الدعم السريع من إقليم بني شنقول.

وحول خيارات السودان للتعامل مع الأمر، يقول تورشين إن السودان قد يلجأ إلى خطوات تصعيدية تشمل إنهاء العلاقات الدبلوماسية، وتخفيض التمثيل الدبلوماسي، واستدعاء البعثة الدبلوماسية السودانية من إثيوبيا، مع الأخذ في الاعتبار احتمال إبقاء بعثته في أديس أبابا لاعتبارات تتعلق بالاتحاد الإفريقي ورغبته في العودة إليه.

وأشار إلى خيارات أخرى تتمثل في محاولة الحد من التأثير الإثيوبي ومنع استخدام أراضيها لمهاجمة السودان، وقد يتجه السودان إلى دعم بعض الفصائل المتمردة داخل إثيوبيا. ويستند تورشين في هذا الطرح إلى واقع الاضطرابات الأمنية في إثيوبيا، مثل وجود ميليشيات «فانو» في إقليم أمهرة، وجبهة تحرير تيغراي في إقليم تيغراي، والخلافات المستمرة بشأن اتفاق بريتوريا. وأكد أن الهدف من ذلك هو زعزعة الأوضاع العسكرية في إثيوبيا تحقيقًا لمبدأ «المعاملة بالمثل».

Welcome

Install
×