بعثة دولية: هجمات المسيّرات والاعتقالات والتعذيب تهدد المدنيين في الأبيض

أثار الهجمات بطائرات مسيرة على كلية شيكان بالأبيض - 28 سبتمبر 2026- وسائل التواصل

أثار الهجمات بطائرات مسيرة على كلية شيكان بالأبيض - 28 سبتمبر 2026- وسائل التواصل

أمستردام – 29 أكتوبر 2026 – راديو دبنقا

حذّرت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان من استمرار المخاطر التي تهدد المدنيين في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، مؤكدة أن هجمات الطائرات المسيّرة، وتدهور الأوضاع الإنسانية، والاعتقالات التعسفية والتعذيب، أسهمت في تفاقم معاناة السكان وتضييق المجال المدني.

وقالت البعثة، في تقرير صدر في 28 أكتوبر الجاري بعنوان «الحرب المستمرة في السودان: الدمار الذي يلحق بالمدنيين وتفاقم انعدام الأمن في الأبيض»، إن استعادة الجيش السوداني السيطرة على طرق رئيسية وإعادة فتح الطريق الرابط بين الخرطوم والأبيض لم تضع حداً للمخاطر التي تواجه السكان، في ظل استمرار الهجمات الجوية وانعدام الأمن وتعطل الخدمات الأساسية.

وأوضحت البعثة أنها استندت في تحقيقاتها إلى مقابلات مع 29 شخصاً لديهم معرفة مباشرة بالتطورات في المدينة ومحيطها، إلى جانب شهادات الضحايا والشهود والصور ومقاطع الفيديو وصور الأقمار الاصطناعية وغيرها من الأدلة التي خضعت للتحقق والمقارنة.

هجمات المسيّرات توقع قتلى وتدمر منشآت مدنية

وأشار التقرير إلى أن قوات الدعم السريع واصلت شن هجمات بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى على الأبيض، مستهدفة مناطق سكنية ومنشآت تعليمية ومواقع تجمع المدنيين والبنية التحتية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وتفاقم مخاطر النزوح.

وذكر أن الهجمات اشتدت خلال يونيو الماضي، واستمرت خلال سبتمبر وأكتوبر، رغم التغيرات العسكرية في محيط المدينة. وشملت الأضرار منشآت الكهرباء والوقود ومرافق مدنية أخرى، ما انعكس على إمدادات المياه والخدمات الصحية وقدرة المستشفيات على التعامل مع الإصابات الخطيرة.

وفي 20 سبتمبر، دمرت هجمات على مستودعين في محلية شيكان أكثر من 330 ألف مادة تعليمية كانت مخصصة للتوزيع مع بداية العام الدراسي. كما أشار التقرير إلى هجوم استهدف موقع الميناء البري للنازحين في 30 سبتمبر، وأسفر، بحسب المعلومات التي تلقتها البعثة، عن مقتل طفل وإصابة 12 آخرين.

وأضاف أن هجوماً بطائرة مسيّرة على سكن جامعة كردفان في الأول من أكتوبر أسفر، وفقاً للتقارير الواردة، عن مقتل خمسة مدنيين وإصابة 47 آخرين.

وفي المقابل، حذّرت البعثة من أن نشر القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها أفراداً ومركبات عسكرية داخل الأحياء السكنية وبالقرب من المنازل والأسواق يزيد من المخاطر التي يتعرض لها المدنيون. وشددت على أن وجود أهداف عسكرية بالقرب من المناطق المأهولة لا يلغي الحماية المقررة للمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يعفي أي طرف من التزاماته القانونية.

وخلصت البعثة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن هجمات قوات الدعم السريع بالمسيّرات في المناطق المأهولة انتهكت مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء الهجوم، وقد ترقى إلى جرائم حرب.

تدهور الخدمات وأوضاع النازحين

وأوضح التقرير أن الأوضاع الإنسانية في الأبيض ظلت حرجة، رغم إعادة فتح بعض طرق الإمداد، مع استمرار وصول النازحين من مناطق القتال في كردفان ودارفور، الأمر الذي زاد الضغط على الخدمات والمرافق المحدودة أصلاً.

ويواجه النازحون، بحسب التقرير، ظروفاً صعبة في مراكز الإيواء والمواقع غير الرسمية، تشمل الاكتظاظ ونقص المياه والصرف الصحي والغذاء، بينما تعاني الأسر المضيفة نفسها من صعوبات في تلبية احتياجاتها الأساسية.

كما أدى تضرر البنية التحتية ونقص الوقود وارتفاع تكاليف النقل إلى تقييد الحصول على المياه النظيفة والرعاية الصحية. وأفاد شهود باضطرار السكان إلى الانتظار طويلاً للحصول على المياه أو اللجوء إلى مصادر غير آمنة.

وحذّر التقرير من أن تعطل الخدمات الصحية ونقص الأدوية والكهرباء والمياه والوقود يهددان حياة المرضى، خصوصاً المصابين بإصابات خطيرة والنساء الحوامل وحديثي الولادة. وأشار إلى أن الهجمات التي طالت المرافق الصحية والبنية التحتية أدت إلى تعطيل خدمات أساسية، بما فيها خدمات التوليد والرعاية الطارئة.

وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، أشار التقرير إلى أن النزوح وفقدان مصادر الدخل وتعطل الزراعة والتجارة والنقل زادت اعتماد الأسر على شراء الغذاء في ظل ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات. كما حذّر تصنيف مراحل الأمن الغذائي المتكامل، في تنبيه صدر في 12 أكتوبر، من تفاقم انعدام الأمن الغذائي وتراجع فرص الحصاد في إقليم كردفان الكبرى.

ولفت التقرير إلى أن النساء والأطفال يتحملون أعباء إضافية، إذ تواجه النساء مخاطر متزايدة أثناء جمع المياه، بما في ذلك التحرش والعنف الجنسي، فضلاً عن نقص مستلزمات النظافة والخدمات الصحية. كما أدى تكرار النزوح وإغلاق المدارس أو استخدامها لإيواء النازحين إلى تعطيل تعليم الأطفال وزيادة مخاطر الاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

قيود على المساعدات وتضييق المجال المدني

وأشار التقرير إلى أن القيود الإدارية والتشغيلية التي تفرضها أطراف النزاع تعرقل العمل الإنساني، بما في ذلك تأخير التأشيرات وتصاريح السفر والموافقات اللازمة لتحركات العاملين وإيصال الإمدادات.

وأضاف أن وجود مسؤولين أمنيين خلال زيارات بعض مواقع النزوح يحد من قدرة المنظمات على إجراء تقييمات مستقلة للاحتياجات والتواصل الآمن والسري مع المتضررين. كما تتركز المساعدات في عدد محدود من مواقع النزوح الرسمية، بينما تحصل مواقع أخرى ومجتمعات مضيفة على تغطية محدودة.

وفي محور آخر، وثّقت البعثة تصاعد المراقبة والتهديدات والاعتقالات التي تستهدف مدنيين في الأبيض، خصوصاً العاملين في المبادرات السلمية والأنشطة الإنسانية والحقوقية والنقابية.

وقال التقرير إن أشخاصاً تعرضوا للاشتباه في التعاون مع قوات الدعم السريع استناداً إلى انتماءاتهم المجتمعية أو مناطقهم أو صلاتهم الاجتماعية أو مواقفهم السياسية، دون الاستناد بالضرورة إلى أدلة محددة على ارتكاب مخالفات.

كما أشار إلى تعرض ناشطين وشباب للاستجواب والتهديد، وإلى إحجام بعض الشهود والمدافعين عن حقوق الإنسان عن توثيق الهجمات أو التعاون مع آليات المساءلة خشية الاعتقال والانتقام.

اعتقالات تعسفية وتعذيب داخل مراكز الاحتجاز

وخلصت البعثة إلى أن الاعتقال التعسفي أصبح وسيلة للضغط الاجتماعي والسياسي في الأبيض، مستهدفاً مهنيين وأكاديميين وممثلين نقابيين وقادة مجتمعيين وعاملين في المجال الإنساني.

وذكر التقرير أن محتجزين حُرموا، في حالات موثقة، من الاتصال بمحامين وأفراد أسرهم خلال فترات الاستجواب، واحتُجز بعضهم في مواقع غير رسمية لفترات طويلة قبل نقلهم إلى السجن المركزي.

وتحدث محتجزون سابقون عن اكتظاظ شديد وسوء النظافة ونقص الغذاء ومياه الشرب والرعاية الطبية. كما تلقت البعثة إفادات عن الضرب والتهديد والإهانات والضغط لانتزاع اعترافات، فضلاً عن وفيات أثناء الاحتجاز ارتبطت، بحسب الإفادات، بالتعذيب أو نقص الرعاية الصحية وسوء ظروف الاحتجاز.

وتضمن التقرير أيضاً ادعاءات موثوقة بشأن تعرض نساء محتجزات للتحرش والعنف والاستغلال الجنسي على أيدي أفراد من الخلية الأمنية، بما في ذلك طلب أفعال جنسية مقابل الإفراج أو الحصول على معاملة تفضيلية أو السماح بزيارة الأسرة. وأكدت البعثة أن محدودية الوصول إلى الناجيات والخوف من الانتقام يعوقان تحديد النطاق الكامل لهذه الانتهاكات.

وامتدت المخاوف التي وثقها التقرير إلى خارج السودان، حيث أبلغ ناشطون ومدافعون عن حقوق الإنسان سودانيون في تشاد وكينيا وأوغندا والمملكة المتحدة عن تهديدات ومضايقات مرتبطة بأنشطتهم الحقوقية ومواقفهم من الحرب.

دعوات لوقف الهجمات وضمان المساءلة

ودعت البعثة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى وقف الأعمال العدائية والالتزام بالقانون الدولي وحماية المدنيين والمرافق المدنية، وضمان مرور المساعدات الإنسانية بصورة سريعة ودون عوائق غير مبررة.

كما أوصت بإنهاء الاعتقالات التعسفية والترهيب والتعذيب، وحماية الصحفيين والمحامين والعاملين الإنسانيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، والسماح للجهات المستقلة بالوصول إلى أماكن الاحتجاز وإجراء مقابلات سرية مع المحتجزين.

وشددت على ضرورة تعزيز المساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب، بما في ذلك النظر في إنشاء محكمة سودانية متخصصة تعمل بالتنسيق مع المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب دعم العدالة الانتقالية وضمانات المحاكمة العادلة.

وأكدت البعثة أن استمرار التضييق على المجال المدني يقوض قدرة السودانيين على مناقشة سبل الخروج من الأزمة الإنسانية والحقوقية، مشددة على أن أي حوار سوداني ذي مصداقية يتطلب توفير بيئة آمنة تسمح بمشاركة المواطنين بحرية ودون خوف من الانتقام.

Welcome

Install
×